المجلة الثقافية الجزائرية

فيتزجيرالد وزيلدا: الحب الذي تحوّل إلى مأساة

جودت هوشيار

 

في 3 أبريل/نيسان 1920، تزوّج في نيويورك اثنان من أشهر الأسماء في الأدب الأمريكي في القرن العشرين: الكاتب فرانسيس سكوت فيتزجيرالد وزيلدا ساير. احتفل العروسان بزفافهما في فندق «بيلتمور» الفخم في نيويورك، لكن فرحتهما الصاخبة لم تدم طويلاً؛ فقد أثارا ضجيجاً كبيراً إلى حد أن إدارة الفندق طلبت منهما مغادرة المكان. وكان ذلك المشهد الصاخب، في جانب منه، مقدمة رمزية لحياة الزوجين التي ستصبح لاحقاً واحدة من أكثر العلاقات الأدبية إثارة وتقلباً في تاريخ الأدب الحديث، علاقة امتزج فيها الحب بالغيرة والطموح والشهرة والاضطراب.

سرعان ما أصبح فيتزجيرالد وزيلدا رمزاً لما عُرف بـ«عصر الجاز»؛ هو الكاتب الذي صاغ في رواياته وأعماله روح جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي المرأة التي أصبحت ملهمته وشريكته في الحياة، وإن كانت علاقتهما قد تحولت مع مرور السنوات إلى علاقة مضطربة ومؤلمة.

كان فيتزجيرالد قد حقق شهرة مبكرة بفضل روايته الأولى «هذا الجانب من الفردوس» عام 1920، ثم رسّخ مكانته بروايات مثل «الجميلة والملعون»، قبل أن يبلغ ذروة مجده الأدبي بروايته الخالدة «غاتسبي العظيم» التي صدرت عام 1925. وقد كتب عن المال والثروة والحب والحلم الأمريكي، لكنه كان في الحقيقة يكتب أيضاً عن جيله، وعن الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أن النجاح والثروة قادران على استعادة الماضي أو شراء السعادة.

كان فيتزجيرالد شديد التعلق بزيلدا، وسعى إلى الفوز بها بإصرار كبير. وحين رفضت في البداية الزواج منه لأنها لم تكن واثقة من قدرته على تأمين الحياة التي تطمح إليها، لم يستسلم. وبعد نجاح روايته الأولى، عادت إليه وتزوجته. ولعل هذا الإصرار يذكّرنا بذلك الإصرار الأسطوري الذي منح فيتزجيرالد بطله جاي غاتسبي، الذي ظل سنوات يلاحق حلمه باستعادة حبه القديم ديزي.

ولهذا يصعب الفصل بين حياة فيتزجيرالد وأدبه. فقد كانت زيلدا حاضرة في عالمه الأدبي، كما كانت حياتهما المشتركة مادة خصبة لشخصياته وأجوائه. لكن العلاقة التي بدأت بالحب والاحتفال انتهت إلى سنوات قاسية من الأزمات النفسية والمرض والمشكلات المالية والخلافات الزوجية. عاش الزوجان فترة طويلة في أوروبا، ولا سيما في فرنسا، حيث اختلطا بأوساط الكتاب والفنانين الأمريكيين الذين عُرفوا لاحقاً باسم «الجيل الضائع».

وإذا كان «غاتسبي العظيم» قد أصبح أشهر أعمال فيتزجيرالد، فإن «الرواية الكبرى» في حياته كانت، في رأي كثيرين، حياته نفسها مع زيلدا. فقد كان يعرف، من تجربة شخصية مؤلمة، أن الإنسان قد يبلغ المجد ثم يكتشف أن النجاح لا ينقذه من الانهيار الداخلي. وهذا ما التقطه ببراعة في «غاتسبي العظيم»: ذلك الإنسان الذي يسعى بكل الوسائل إلى الصعود الاجتماعي واستعادة حلمه العاطفي، لكنه ينتهي إلى كارثة شخصية كاملة.

توفي فيتزجيرالد عام 1940 عن أربع وأربعين سنة، وهو يعتقد إلى حد كبير أن مجده الأدبي قد انحسر. لكن الزمن أنصفه؛ فقد تحولت «غاتسبي العظيم» إلى واحدة من أهم روايات الأدب الأمريكي، وأصبح اسم فيتزجيرالد مرتبطاً إلى الأبد بـ«عصر الجاز» وبالحلم الأمريكي وبالمفارقة المأساوية بين البريق الخارجي والانهيار الداخلي.

أما زيلدا، التي عاشت بعده، فقد بقيت شخصية أدبية وفنية مثيرة للجدل، وكانت لها كتاباتها وأعمالها الخاصة، وإن ظل اسمها مرتبطاً في الذاكرة العامة بكونها «ملهمة فيتزجيرالد». وهكذا أصبح زواجهما واحداً من أشهر الأمثلة على العلاقة المعقدة بين حياة الكاتب وعمله: حبٌّ ألهم الأدب، وأدبٌ خلّد الحب، وحياةٌ تحولت في النهاية إلى مأساة.

ومن أجمل العبارات التي تلخص قيمة الوفاء للإنسان في حياته، لا بعد موته:

«من المهم أن يكون الإنسان صديقاً للمرء وهو حي، لا بعد أن يموت؛ فالميت لا تنفعه كل تلك الأشياء.»