عبدالله صخي*
وهي تهبط السلالم الحجرية بحذر نحو السرداب لرؤية العروس توقفت الجدة عندما سمعت أذان المغرب من جامع النبي شيت القريب. بروح ملتاعة ساكنة وعينين ضارعتين رسمت علامة الصليب وأصغت إلى الصوت الذي يدهشها صفاؤه وانسيابه وتموجه. بدت مهمومة شاحبة ذلك أن ابنها سركيس، بائع الكاهي، تأخر عن موعد عودته كل يوم. وجاءها صوت العروس من عمق السرداب:
– عمتي! عمتي! عمتي هايكانوش!
– نعم، نعم، أنا قادمة.
لكنها لم تتحرك حتى انتهى المؤذن من أداء آخر كلمة بامتداد وصدى أليف محبوب، عندها واصلت هبوطها السلالم المتبقية ببطء، انتقال هادئ من زمن أرضي تسحبه قوة جاذبة ضاغطة إلى زمن آخر سري استثنائي، زمن السرداب الرطب المعتم البارد. بجسدها الضامر انحنت على صينية الطحين التي تتوسط السرداب، وبأصابعها النحيلة الطويلة المرتجفة أعادت ترتيب سطح الدقيق، ورسمت علامة الصليب فوقه من جديد. اعتدلت في وقفتها. مسحت أصابعها من بقايا الطحين بثوبها ونظرت إلى العروس الجالسة في الزاوية، وطلبت منها أن تراقب الصينية كي لا يعبث بها أحد، وقالت لها انتبهي لتلك الصغيرة لوسين فأظنها هي التي تمسح الرسم كل يوم. أجابت العروس بأنها ستظل يقظة دائما، حتى لو تتخلى نهائيا عن النوم. وقبل أن تصل هايكانوش إلى أعلى السلّم الحجري عائدة إلى باحة الدار سمعت سؤال العروس:
– عمتي هل عاد سركيس من السوق؟
أجابت الجدة قائلة إنه لم يعد بعد، وإنها قلقة عليه، ففي تلك الأيام المضطربة لا يعرف المرء ما سيحدث له بعد خروجه من البيت. ورفعت رأسها إلى السماء ملتمسة عودته سالما.
صباحا يتهيأ سركيس إلى رحلته اليومية نحو سوق المدينة، تعاونه والدته وابنتها المريضة آرشو في ملء عربته بالكاهي الذي تعده هايكانوش بيديها الماهرتين. كان اكتسب شهرة واسعة للحد الذي يقال إنه الألذ في الموصل كلها، لذلك لا يستغرق بيعه سوى ساعات قليلة بعدها يعود سركيس إلى البيت فرحا بعربة خالية.
* * * *
ليس هناك من يمحو الرسم على صينية الطحين سوى الصغيرة لوسين فهي الوحيدة التي تنزل إلى السرداب، تنتهز فرصة استلقاء جدتها في غرفة نومها لتريح ظهرها من التجول في أرجاء البيت ومن النزول والصعود إلى السرداب والحديث مع العروس عن الحياة اليومية للعائلة، عن أحداث أوائل القرن العشرين، عن الهجرة إلى الموصل، وعن فقدانها والدي لوسين وهي طفلة. قالت لوسين: كان إلحاح جدتي على سلامة رسم الصليب فوق صينية الطحين هو من يؤجج الرغبة لدي بالهبوط إلى السرداب وتشويه ذلك الرسم بضربات عشوائية متسارعة من أصابعي. حدث مرة أن نهرني صوت لكني لم أتبين أي شخص. أضأت المصباح وحدقت بزوايا السرداب فلم أعثر على أحد، فاستغربت من قول جدتي إن عروسا تقيم هناك وتقضي معها الساعات في حديث طويل متواصل؟ هل كانت هناك عروس حقا أم هي من صنع خيال الجدة هايكانوش؟
ما يشير إلى وجود العروس هو الأثاث الذي حافظت جدتي عليه منذ اليوم الذي أستأجرنا فيه منزلها هذا بعد الحادث الذي تعرضت له مع عريسها. أثناء بحث تفاصيل الإيجار توصلت جدتي إلى اتفاق مع والدة العروس على شراء الأثاث منها بأقساط شهرية. وحين انتقلنا إليه أبقت جدتي على ترتيب الكراسي والأسرة والأرائك وطاولات الشاي والطعام في أماكنها دون تغيير اعتزازا برغبة العروس وذوقها، حتى غرفة نومها تركتها جدتي كما هي وأقفلتها، وقالت إنها لن تفتحها إلا لزفاف سركيس. هكذا أرادت العروس أكدت جدتي. لكني أشك أن أحدا صدّقها. المكان الوحيد الذي تغير في المنزل هو السرداب إذ امتلأ بخوابي النبيذ، وقوارير العسل، وجرار البرغل والطحين والعدس والحمص، وتلك الصينية التي في منتصف السرداب.
في الليلة الأولى لدخولهم المنزل قالت هايكانوش إنها تسمع أصواتا غريبة. حاولت أن تجد تفسيرا فاختلط عليها الواقع بالخيال. في الصباح التالي استيقظت ضاحكة وقالت لابنتها المريضة آرشو إن ذلك من علامات الخرف المبكر، لكنها سرعان ما تعرفت على مملكة العروس السرية واعتادت عليها حتى غدت حقيقة ثابتة.
صوت جدتي وهي تهمس بالصلوات كان يخيفني. أقف جامدة، لا التفت يمينا أو يسارا. أصغي إلى توسلاتها التي كانت تطلقها رافعة رأسها نحو فضاء الدار ما يوحي لي بأن مصابا كبيرا سوف يحدث فتكافح جدتي لتفاديه بالدعاء والصلوات. كانت تكرر الأمنيات نفسها: “لا أطلب منك الكثير بعد أن أخذت زوجي ثم أخذت والدي لوسين، وأضعفت بصري فلم أعد قادرة على الخياطة”. تصمت لتلتقط أنفاسها المتقطعة، ثم تواصل: “لا معين لنا، كما ترى، غير سركيس، أعده إلينا سالما يا مجيب الدعاء. أتوسل إليك أن تشفي آرشو، هوّن عليها نوبات الصرع يا إلهي”.
مرة أمسك سركيس يدي بقوة ونحن ننظر إلى وجه آرشو. كانت تستفيق ببطء من نوبة صرع طويلة منهكة، أنفاسها لاهثة وعيونها جاحظة. لم نعرف هل كانت تنظر إلينا أم تتضرع للرب لمساعدتها. كانت يد سركيس ترتجف وأنا أرتجف فيما الزبد الأبيض يعلو شفتي آرشو.
* * * *
كيف هبطت العروس مرتين الأولى إلى أسفل الوادي والثانية إلى السرداب؟ سؤال كان يوقد الحيرة في روح الصغيرة لوسين. ففي ذلك المساء ضجت منطقة الدواسة بالناس القادمين إلى بيت العروس الذي تسكنه عائلة هايكانوش الآن. ارتفعت أصوات المغنين والموسيقيين، ورقص الرجال الدبكة. كان الحفل كبيرا مبهجا لم يشهد له الحي مثيلا. اجتازت الأهازيج والأغاني المحلية منطقتي باب الطوب والنبي شيت. هكذا تروي هايكانوش كلما تذكرت الحادث. كانت العروس البنت الوحيدة لتاجر الألماس هاكوبيان فأراد أن يكون زفاف ابنته بهيجا استثنائيا. استمر الحفل حتى شروق الشمس بعد أن غادر العريسان في سيارتهما فجرا لقضاء شهر العسل. حين وصلا إلى المنطقة الواقعة بين كلالة وحاج عمران كان الطريق يرتفع متجها نحو الغيوم فيما كانت سيارتهما تجهد في سيرها الصعب عبر ضباب الأعالي فانحرفت لتسقط في الوادي العميق. هرعت فرقة إنقاذ تابعة لجهات حكومية إلى مكان الحادث. استمر التنقيب أربعة أيام فلم يعثروا إلا على أجزاء محترقة من السيارة وبقايا رماد. إنها الأقدار، هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ، تقول هايكانوش دامعة العينين عندما تروي الحكاية التي أدمت قلبَها الرؤوم.
في الأيام التالية أحست هايكانوش، وهي في السرداب، أنها ليست وحدها، إذ رأت فتاة بثوب أبيض، وقالت في نفسها جازمة إنها العروس. لم تشك لحظة بذلك بل اعتقدت أنها وصلت إلى المنزل قبل الحادث وأنها تنتظر زوجها. المسافة بين الوادي الجبلي والسرداب طويلة جداً ولكن الروح كثيرا ما تسافر بين مكانين، بين قلبين أو بين عاشقين أو زمنين. المؤكد بالنسبة لها أن العروس كانت هنا منذ فترة طويلة، قبل عقد القران، تتحرك بين أشباح السرداب المعتم. ويوما فيوما تعمقت صداقة هايكانوش مع العروس، وبينهما الصليب مطبوعا فوق طحين الصينية، علامة مودة وشارة إخاء. أخذت تنزل للسرداب عدة مرات في النهار لتطمئن على العروس وعلى الرسم. غالبا ما تتصنع الابتسام لتخفي دموعها بأقصى ما تستطيع في حضرة العروس. في جلستها هناك تجمع وحشتها ومخاوفها وقلقها وهذيانها، وتتحدث إلى العروس التي لم يرها أحدٌ غيرها.
ذلك اليوم كانت هايكانوش قلقة حائرة. غيرت مكانها في السرداب أكثر من مرة ثم استقرت على درجة السلم الحجري الأخيرة المتصلة بأرض المنزل. سألتها العروس عن سبب اضطرابها فقالت إنها خائفة على سركيس إذ ليس من عادته أن يتأخر حتى تلك الساعة. بقيت العروس وحدها صامتة وسط سكون السرداب الكئيب بعد أن مضت هايكانوش نحو غرفتها. استلقت على سريرها تحت المروحة السقفية التي كانت تدور ببطء. ظلت تنظر إليها حتى دارت معها وأطبقت جفنيها. أخذت تدور وتدور، وفي دوران الحلم أو اليقظة رأت سركيس في يوم زفافه. كانت عروسه إلى جانبه في سيارة تتوغل في طريق جبلي يشبه الطريق الذي سلكته سيارة العروسين التي انحرفت وسقطت في الوادي العميق.
*كاتب وروائي من العراق مقيم في لندن


