سلسلة على حافة الأدب:
بقلم: بومدين حدوش
4- ما لا تأكله النار
هناك أشياء تحترق في لحظات، وأشياء أخرى تحتاج سنوات حتى نفهم أنها لم تكن قابلة للاحتراق أصلًا.
في جيجل، حين امتدت النيران إلى الغابات والبيوت والممتلكات، لم تكن النار تلتهم أشجارًا وأشياء مادية فحسب؛ كانت تمرّ فوق تفاصيل صغيرة صنع منها الناس معنى حياتهم: بيتٌ جمع سنوات من التعب، غرفةٌ احتفظت بذكريات أصحابها، صورةٌ قديمة، أو شجرةٌ عرفها أهل المكان منذ طفولتهم. فالبيت ليس جدرانًا فقط، كما أن الشجرة ليست خشبًا، والصورة ليست ورقًا؛ الأشياء التي نملكها تكتسب مع الوقت معاني لا تظهر في أسعارها، ولذلك يكون فقدانها أحيانًا أشبه بفقدان جزء من الذاكرة.
ومع ذلك، ثمة شيء غريب يحدث في لحظات الكوارث: حين تتراجع قدرة الإنسان على حماية ما يملك، تظهر علاقته بالآخرين بصورة أكثر وضوحًا. الجيران الذين كانوا يمرون بعضهم ببعض دون كلام، يجدون أنفسهم في المكان نفسه؛ يدٌ تمتد بالماء، وأخرى تفتح بابًا، وثالثة تحمل طفلًا. في الأوقات العادية، قد تبدو هذه الأفعال بسيطة، أما في لحظة الخطر فإنها تكشف أن الإنسان لا يعيش داخل بيته وحده، بل داخل شبكة من العلاقات قد لا يشعر بقيمتها إلا حين تهتز الحياة من حوله.
وهنا تصبح الكارثة اختبارًا للمجتمع أيضًا، لا للأفراد وحدهم؛ فلا يكون السؤال بعدها: كم خسر هذا البيت؟ فقط، بل: كم بقي من روح الجماعة حين خسر بعض أفرادها؟
يقول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ [البقرة: 155-156]
اللافت في الآية أن الصبر يأتي في سياق المصيبة، لا بوصفه إنكارًا للألم، بل موقفًا يتخذه الإنسان حين يعجز عن تغيير ما وقع. فعبارة «إنا لله وإنا إليه راجعون» لا تقول إن المصيبة لم تكن موجعة، بل تعيد الإنسان إلى حقيقة أوسع من الشيء الذي فقده.
وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها، قال رسول الله ﷺ:
«ما مِن مسلمٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجرني في مصيبتي وأَخْلِف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها»
(رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، حديث رقم 918).
واللافت أن الحديث لا يعد بأن الشيء المفقود سيعود كما كان، بل يتحدث عن الخَلَف؛ عن إمكانية أن يأتي بعد الفقد شيء آخر، لا يكون نسخة من الماضي، لكنه يفتح للإنسان طريقًا لم يكن يراه وهو واقف أمام رماد ما فقد. فالبيت الذي احترق يمكن أن تُبنى جدرانه من جديد، لكن الذاكرة لا تُبنى بالطريقة نفسها، والشجرة يمكن أن تُغرس مكانها أخرى، لكن السنوات التي عاشتها الأولى لا تُستعاد. ومع ذلك، ليست كل بداية جديدة محوًا لما سبقها؛ فالإنسان يحمل أحيانًا رماد المكان القديم إلى المكان الجديد، لا ليبقى أسيرًا له، بل لأن الذاكرة جزء من قدرته على الاستمرار.
وهنا يصبح الصبر أكثر تعقيدًا من مجرد احتمال الألم؛ إنه قدرة الإنسان على ألّا يسمح للمصيبة بأن تكون الكلمة الأخيرة في قصته.
وقد يكون للمجتمع دور لا يقل أهمية عن قدرة الفرد على الصبر؛ فالمتضرر لا يحتاج فقط إلى أن يُقال له إن ما فقده سيُعوَّض، بل إلى أن يجد حوله من يرى خسارته، ويمنحه الوقت واليد التي تساعده على استعادة شيء من حياته. فالمواساة ليست كلمات فقط؛ أحيانًا يكون وجود الإنسان إلى جانب المتضرر هو الرسالة التي تعجز اللغة عن حملها. ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الحريق خلفه، رغم قسوته، أن يكتشف الناس أن ما يجمعهم أكبر مما كانوا يظنون؛ فالنار تفرّق بين الأخضر واليابس، لكنها لا تفرّق بين غني وفقير حين يصبح الخطر قريبًا.
لكن حين تخمد النار، تبدأ معركة أخرى أقل صخبًا وأكثر طولًا: كيف يعود الناس إلى بيوتهم؟ كيف تُرمّم الممتلكات؟ كيف تستعيد النفوس شعورها بالأمان؟ فإطفاء النار قد ينتهي في ساعات، أما آثارها فقد تحتاج سنوات.
وربما لهذا لا ينبغي أن تُقاس الكارثة بمساحة الأرض التي احترقت وحدها، بل أيضًا بعدد السنوات التي يحتاجها الناس لكي يشعروا أن المكان عاد مكانًا لهم.
فهل تكشف الكارثة مقدار هشاشة الإنسان فقط، أم تكشف أيضًا مقدار ما يستطيع الإنسان أن يكونه للإنسان؟





