جودت هوشيار
في خريف عام 1958، وجد الشاعر الروسي الكبير بوريس باسترناك نفسه في قلب واحدة من أشهر المعارك الأدبية والسياسية في القرن العشرين. كان قد بلغ الثامنة والستين، وكان اسمه معروفًا في روسيا منذ عقود بوصفه واحدًا من كبار شعرائها، لكن روايته الوحيدة «دكتور زيفاغو» جعلت منه، بين ليلة وضحاها، شخصية عالمية تتجاوز حدود الأدب إلى صميم الصراع بين الشرق والغرب.
كان باسترناك قد أمضى سنوات طويلة في كتابة الرواية، التي تدور أحداثها على خلفية روسيا في السنوات المضطربة التي سبقت ثورة أكتوبر 1917 وأعقبتها، ثم الحرب الأهلية والتحولات العنيفة التي غيّرت حياة المجتمع الروسي. ولم تكن الرواية مجرد حكاية عن الثورة، بل كانت أيضًا تأملًا في الحب والموت والدين والحرية ومصير الفرد أمام قوة الدولة والتاريخ.
عندما قدم باسترناك مخطوطته إلى مجلة “نوفي مير” السوفيتية عام 1956، رُفض نشرها لأسباب أيديولوجية. فقد رأت الأوساط الرسمية أن الرواية تقدم الثورة والحرب الأهلية والتحولات الاجتماعية من منظور يركز على معاناة الإنسان الفرد، بدلًا من تمجيد المشروع الثوري. وفي النهاية وجد باسترناك نفسه مضطرًا إلى نشر الرواية خارج بلاده، فأصدرها الناشر الإيطالي جياكومو فيلتريللي بالإيطالية في ميلانو عام 1957، بعد أن حصل على المخطوط الروسي من المؤلف.
في أكتوبر 1958 أعلنت الأكاديمية السويدية منح بوريس باسترناك جائزة نوبل في الأدب، تقديرًا لإنجازه الأدبي والشعري. كان ذلك تكريمًا عالميًا لشاعر روسي ظل طوال حياته تقريبًا جزءًا من تقاليد الشعر الروسي الكبرى، لكنه جاء أيضًا في لحظة جعلت من «دكتور زيفاغو» قضية سياسية دولية.
كانت السلطات السوفيتية غاضبة. فالرواية التي مُنع نشرها في الاتحاد السوفيتي أصبحت الآن عملًا أدبيًا عالميًا، وصاحبها يحصل على أرفع جائزة أدبية في العالم. وانطلقت حملة عنيفة ضده في الصحافة السوفيتية، وتعرض باسترناك لهجوم شديد في اجتماعات وبيانات عامة، ووصل الأمر إلى بحث إمكانية طرده من البلاد وتجريده من جنسيته السوفيتية.
وفي مواجهة هذا الضغط، أرسل باسترناك رسالة إلى الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف، عبّر فيها عن استعداده لتحمل العواقب، لكنه لم يكن مستعدًا لمغادرة وطنه. وجاء في رسالته:” إن الموت أهون له من مغادرة وطنه”..
وفي النهاية اضطر إلى رفض جائزة نوبل، بعد أن كان قد قبلها في البداية. وتشير وثائق محفوظة في أرشيف جواهر لال نهرو إلى أن رئيس الوزراء الهندي تدخل في القضية، لا بصفته رئيسًا للحكومة الهندية فحسب، بل أيضًا بصفته رئيسًا للأكاديمية الهندية للآداب. ففي 30 أكتوبر 1958 كتب نهرو إلى سفير الهند في موسكو، طالبًا منه أن ينقل بصورة غير رسمية إلى المسؤولين السوفييت رأيه بأن معاملة باسترناك بهذه الطريقة ستلحق ضررًا بسمعة الاتحاد السوفيتي.
وكان نهرو قد تلقى بالفعل نداءً من عدد كبير من الكتاب والأدباء البريطانيين، بينهم برتراند راسل، وتي. إس. إليوت، وغراهام غرين، وألدوس هكسلي وغيرهم، يطلبون منه المساعدة في الدفاع عن باسترناك. وفي السابع من نوفمبر 1958 أعلن نهرو علنًا أن موقف الصحافة السوفيتية من باسترناك آلمه، مؤكدًا أن الكاتب الكبير ينبغي أن يحظى بالاحترام حتى عندما يعبّر عن آراء مخالفة للرأي السائد في بلاده.
وتروي مذكرات نجل باسترناك، يفغيني، أن تدخل نهرو لدى خروشوف كان حاسمًا في تجنيب والده النفي. وقد أيدت مصادر هندية لاحقة هذه الرواية بصورة عامة، وإن كانت التفاصيل الدقيقة للمكالمة الهاتفية بين نهرو وخروشوف أقل توثيقًا من الرسائل الرسمية المحفوظة في أرشيف نهرو.
لكن قصة «دكتور زيفاغو» لم تنتهِ عند حدود موسكو أو ستوكهولم.
فقد كشفت وثائق رفعت عنها السرية بعد عقود أن الرواية تحولت أيضًا إلى سلاح أدبي في الحرب الباردة.
في يناير 1958 وصلت إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نسخة مصورة من
المخطوط الروسي الأصلي للرواية، كانت أجهزة الاستخبارات البريطانية قد حصلت عليها.. لم يكن الهدف مجرد مساعدة باسترناك أو نشر رواية ممنوعة، بل استخدام الكتاب لإثارة أسئلة لدى القارئ السوفيتي حول سبب منعه من قراءة عمل أدبي روسي كتبه أحد أشهر أدباء بلاده بلغته الأصلية.
وهكذا قامت الـأمخابرات الأميركية سرًا بإنتاج طبعة روسية من “دكتور زيفاغو” خارج
الولايات المتحدة، ثم عملت على إدخال نسخ منها إلى الاتحاد السوفيتي. وفي معرض بروكسل العالمي عام 1958 وُزعت نسخ على مواطنين سوفييت، كما أعدت الوكالة طبعة صغيرة يسهل إخفاؤها ونقلها. وكان الحرص شديدًا على ألا يظهر أي أثر يدل على أن الحكومة الأميركية تقف وراء العملية.
وتكمن هنا مفارقة مذهلة .رواية رفضت السلطات السوفيتية نشرها لأنها اعتبرتها غير منسجمة مع أيديولوجيتها، وجدت نفسها في الوقت نفسه تُستخدم من قبل أجهزة المخابرات الأميركية بوصفها أداة في الصراع الأيديولوجي ضد الاتحاد السوفيتي.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال “دكتور زيفاغو” في وظيفتها السياسية خلال الحرب الباردة. فباسترناك نفسه رفض أن يُنظر إلى روايته باعتبارها منشورًا سياسيًا، وكان يرى أنها محاولة أدبية لتصوير الحياة الروسية بكل تناقضاتها وآلامها وأفراحها، لا كتابة بيان سياسي ضد الثورة.
وفي خضم هذه المعركة الدولية صدر في بيروت عام 1958 كتاب صغير يحمل عنوان “قضية باسترناك”، لمؤلفه الشاعر السوري علي أحمد سعيد، الذي سيعرف في العالم العربي لاحقًا باسم أدونيس. وكان الكتاب من الأعمال المبكرة التي حملت اسمه الحقيقي، وقد تناول فيه باسترناك وروايته “دكتور زيفاغو” بالعرض والتحليل السطحيين بما يتوافق مع التفسير السياسي الغربي للرواية . كما تسجل فهارس المكتبة الوطنية العراقية الكتاب بعنوان “قضية باسترناك” لعلي أحمد سعيد، سنة 1958.
وهنا تبدأ حكاية أخرى أكثر غموضًا، فكتاب أدونيس ظهر في السنة نفسها التي انفجرت فيها “قضية باسترناك” عالميًا، وفي بيئة ثقافية عربية كانت تتابع الصراع بين السوفييت والغرب، وتناقش في الوقت نفسه معنى الحرية الأدبية ودور المثقف في مواجهة السلطة. وقد عاد بعض الكتاب والنقاد، بعد عقود، إلى الكتاب متسائلين عن موقعه في تلك المعركة الثقافية.
أما المفارقة الأخيرة، وربما الأجمل، فهي أن باسترناك لم يكن يريد أن يصبح بطلًا سياسيًا، لكنه أصبح كذلك رغمًا عنه. لم يطلب أن تتحول روايته إلى سلاح في الحرب الباردة، ولم يكن يريد أن يُختزل اسمه في “دكتور زيفاغو”. ومع ذلك، فعلت السياسة ما تفعله دائمًا بالأدب العظيم: أخرجت الكتاب من يد مؤلفه، ومنحته حياة أخرى لم يكن قد خطط لها.
وفي عام 1988، بعد عقود من المنع، نشرت مجلة “نوفي مير” الرواية في الاتحاد السوفيتي. وفي العام التالي تسلم نجل باسترناك، يفغيني، ميدالية والده وشهادة نوبل التي لم يستطع صاحبها أن يتسلمهما بنفسه. وهكذا احتاجت الرواية أكثر من ثلاثين عامًا لكي تعود إلى وطن مؤلفها، بعد أن كانت قد قطعت العالم كله تقريبًا





