المجلة الثقافية الجزائرية

أبوركلة..

 محمـد العنـیزي

في شوارع المدینة التي تصحو كل یوم على أخبار ( أبوركلة ).. انتشرت الشائعات وامتلأت

المقاھي بالأحادیث القابلة للتصدیق والتكذیب في آن واحد ..تختلط الحقیقة بالخیال ویقسم البعض

من أھل المدینة أنھم شاھدوا رأس (أبوركلة ) ینط ویجري في الشوارع وقد نبتت لھ رجلان

لولبیتان في أسفلھ تمكنانھ من القفز بخفة من أرضیة الشارع حتى أسطح البیوت .

والیوم تكون المدینة قد بلغت عاما كاملا .. على تخلصھا من شرور ( أبوركلة ) وبذاءاتھ

واعتداءاتھ على الناس ..وخاصة عندما كانت الخمرة المحلیة تلعب برأسھ ..فتحمر عیناه ویتحول

إلى حیوان حجري .. یستوقف المارة وینھب مالدیھم من أموال أو أمتعة دون أن یتجرأ أحد على

ردعھ .

وحین یخلو الشارع من المارة یشرع ( أبوركلة ) في إطلاق لعناتھ .. ویركل الحیطان برجلیھ

القویتین..لذلك عرفھ الناس بلقب ( أبوركلة ) .. حیث یظل یطلق لعناتھ وشتائمھ طوال اللیل ..

وقبل بزوغ الشمس بقلیل یكون التعب قد نال من جسده وعضلاتھ ورجلیھ القویتین .

كان قویا ومفتول العضلات ومؤذیا وسلیط اللسان.. لذلك كان الجمیع یخشون المرور من المكان

الذي یجلس فیھ .. وحتى رجال الشرطة لایتجرأون على الإقتراب منھ .. وخاصة بعد المشاجرة

التي خاضھا مع ثلاثة منھم وجعلھم أضحوكة أمام الناس في أكبر میادین المدینة .

في ذلك المساء وصلت دوریة من رجال الشرطة للقبض على ( أبوركلة ) وھو في حالة سكر

واعتداء على أحد المارة ..أمره رجال الشرطة بأن یتقدم نحوھم لیعتقلوه.. رفض (أبوركلة )

الإنصیاع لھم .. حاولوا أن یقتادوه بالقوة. . لكم أحدھم وأسقطھ على الأرض .. ثم انھال على

الآخرین بقوة لم یعتادوھا .. ركلھم برجلیھ القویتین على بطونھم حتى تقیأوا .. وانتزع بندقیة

أحدھم .. وأمرھم بأن ینزعوا أحذیتھم وقبعاتھم ..وساروا أمامھ حفاة حاسري الرؤوس وھو

یركلھم على مؤخراتھم .

لم یحزن أحد على موت ( بوركلة ) .. عثروا علیھ مقتولا في إحدى الخرائب ..سرت شائعة في

المدینة تقول أن السلطات ھي التي تخلصت من ( أبوركلة ) .. وعم بین الناس شعور بالإرتیاح

للتخلص من شره ..

لكن ماحدث یوم موتھ كان أمرا یثیر الدھشة .. ویفتح أبواب التأویل غیر المجدي .. لذلك لم یجد

الناس تفسیرا لماحدث .. وتناسوا الأمر .. حیث كانت الجنازة تتقدم نحو المقبرة .. وعند وصول

المشیعین إلى القبر .. وقبل أن یودعوا جثمان ( أبوركلة ) في الحفرة المستطیلة .. قفز رأسھ من

النعش .. وأطلق ألفاظا نابیة على الحاضرین .. ثم انطلق یجري مبتعدا .. وقد نبتت لھ رجلان

لولبیتان في الأسفل .. كان یجري بسرعة مذھلة ویقفز على الحواجز التي أمامھ حتى وصل سور

المقبرة فنط من فوقھ واجتازه مسرعا ومضى وسط الدھشة التي لفت المكان .. حاول البعض من

الحاضرین اللحاق بالرأس .. لكنھ كان أسرع منھم جمیعا .. تحیر المشیعون في أمر الدفن .. رأى

بعضھم أن لایتم الدفن حتى یرجع الرأس إلى الجسد .. وقال آخرون بأن الرأس لن یرجع مرة

أخرى .. طال النقاش حتى اتفقوا أخیرا على دفن الجثمان بدون رأس .

اختفى الرأس ونسي الناس أمره .. حتى بدأ یظھر في شوارع المدینة وینط فوق أسطح البیوت ..

كان رأس ( أبوركلة ) یقضي اللیالي متلصصا على النوافذ المشرعة .. وفي بعض الأحیان كان

یصدر أصواتا مزعجة.. ویطلق لعناتھ وشتائمھ على الناس من أعلى أسطح البیوت .. وفي

تجمعات المآتم والأفراح كان یقترب من المكان متخذا أحد أسطح البیوت ملاذا آمنا لھ .. ویبدأ في

إفشاء أسرار البیوت التي اطلع علیھا من خلال تلصصھ على نوافذھا .. ثم یطلق شتائمھ التي

اعتاد علیھا .

أثار رأس ( أبوركلة ) الفتن والمشاكل في أغلب بیوت المدینة .. حاول السكان القبض علیھ ..

حاولوا اللحاق بھ .. نصبوا لھ الكمائن .. طارده رجال الشرطة لكنھ كان أسرع منھم جمیعا وأكثر

دھاء .

وفي أیام الجمع وأثناء خطب الجمعة كان أئمة المساجد یدعون فوق المنابر على رأس ( أبوركلة

) بالھلاك .. وكان المصلون یرفعون أیدیھم مؤمنین على الدعاء .

اجتمع المجلس البلدي في المدینة مع مدیر الشرطة .. تباحث الأعضاء في حل للمشكلة .. وضعوا

خطة محكمة للإیقاع برأس ( أبوركلة ).. اتفقوا على أن یرتدي رجال الشرطة ملابس مدنیة

ویخفوا مسدساتھم تحتھا .. وینتشر القناصة مختبئین بین أسطح البیوت .. على أن یتم ذلك في

أثناء إحدى الإحتفالات الوطنیة .. وبالتعاون مع السكان الذین یقومون بمراقبة الشوارع وأسطح

البیوت والإبلاغ عن رأس ( أبوركلة ) في حالة ظھوره .

وفي مساء احتفالي یضج بالموسیقى والأغاني الوطنیة.. وفیما كانت العیون ترصد وتراقب من

زوایا مختلفة .. ظھر رأس (أبوركلة) بعد احمرار الشفق بقلیل .. كان ینط فوق أسطح البیوت

برجلیھ اللولبیتین .. ویطلق الشتائم .. تھیأ القناصة فوق الأسطح .. ثم انھال الرصاص على

الرأس الذي بدأ ینط بحركات سریعة محاولا تفادي الرصاصات .. وفي إحدى قفزاتھ أصابتھ

رصاصة في جبھتھ فسقط .. اقترب منھ أحد القناصین .. وأطلق علیھ سیلا من الرصاص ..

فحدث أمر أذھل الجمیع .. كان رأس ( أبوركلة ) ینشطر إلى قطع صغیرة ..كل قطعة منھ تتحول

إلى رأس برجلین لولبیتین ..

تلك اللیلة امتلأت شوارع المدینة برؤوس كثیرة تنط وتقفز من الشوارع حتى أسطح البیوت

وتطلق الألفاظ النابیة .

محمـد العنـیزي ــ لیبیا