د. محمود أبو فروة الرجبي
إذا جاز لنا وصف ما يجب أن نكتبه في عصرنا الحالي في الأدب العربي، فهو “أدب الصدمة” ليواكب الأحداث المؤلمة التي مرت أو تمر بها بعض الدول العربية، والتي تشكل بيئة خصبة لبناء روائي وسردي يعكس الواقع، ويعالجه بأسلوب أدبي.
تشرفت بمناقشة هذا الـموضوع في لقاء لي في برنامج “دنيا يا دنيا” في قناة رؤيا الأردنية، من تقديم المتميزين “غادة سابا” و”ناصر الشيخ” ومن إعداد المبدع “مؤمن حسن”، وسعدت بتطرق قناة منتشرة مثل رؤيا مثل هذه الـمواضيع العميقة.
في الحقيقة، لم تعد الرواية العربية الحديثة، في كثير من نماذجها، معنية بسرد ما جرى فقط، بل أصبحت أكثر انشغالا بالسؤال الأعمق: ماذا فعل ما جرى بالإنسان؟ ومن هنا يمكن الدخول إلى ما يسمى بـ«أدب الصدمة»، وهو أدب لا يكتب العنف بوصفه حدثا عابرا، ولا الحرب بوصفها معركة تنتهي بتوقف الرصاص، بل يكتب الأثر الممتد في الذاكرة والجسد واللغة والهوية.
أدب الصدمة، بهذا المعنى، هو أدب الذاكرة المجروحة. إنه يحاول أن يفهم الخراب لا أن يصفه فقط، وأن يقترب من الإنسان الذي نجا جسديا، لكنه ظل محاصرا بما رآه وفقده وخافه. لذلك لا تبدو الصدمة في هذه الروايات حادثة منتهية، بل تتحول إلى طريقة في النظر إلى العالم، وإلى نمط حياة، وإلى شرخ داخلي يواصل العمل في الشخصيات حتى بعد انقضاء الحدث المباشر.
وقد حضر هذا الاتجاه بقوة في الرواية العربية مع الحروب الأهلية، والاحتلال، واللجوء، والانهيارات السياسية، والنزاعات التي عاشتها بلدان عربية عديدة، خصوصا في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. فالواقع العربي، في العقود الأخيرة، لم يعد يقدم للروائي مادة هادئة، بل صار يضعه أمام أسئلة الفقد، والمنفى، والخوف، وانكسار البيت، وتفكك العائلة، وتبدل معنى الوطن.
على سبيل الـمثال في رواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي، لا تقف الحرب في العراق العزيزة على قلب كل عربي عند حدود التفجير والقتل، بل تتحول إلى جسد رمزي مركب من أشلاء الضحايا. هذا الجسد، أو “الشسمة”، لا يمثل شخصية غرائبية فحسب، بل يمثل عراقا ممزقا، ومجتمعا فقد قدرته على التمييز الكامل بين الضحية والجلاد، وبين العدالة والانتقام. وهنا يصبح الخيال وسيلة لكشف الواقع، لا للهروب منه؛ فالغرائبي في الرواية ليس زينة فنية، بل تعبير عن واقع بلغ من القسوة درجة لا تكفي اللغة الواقعية وحدها لتمثيله.
أما في رواية “الخائفون” لديمة ونوس، فإن الصدمة لا تظهر في صورة جثة أو مدينة مدمرة فقط، بل في صورة خوف داخلي ممتد. الخوف هنا ليس رد فعل مؤقتا، بل يتحول إلى بنية نفسية واجتماعية؛ خوف من الكلام، وخوف من السلطة، وخوف من الذاكرة، وخوف من المستقبل. وبذلك تنقل الرواية أثر العنف من الخارج إلى الداخل، وتجعل القارئ يرى كيف يمكن للأنظمة القمعية والحروب أن تسكن الجسد واللغة والعلاقات اليومية.
وفي رواية “وحدها شجرة الرمان” لسنان أنطون، تأخذ الصدمة شكلا آخر؛ إذ يتحول حلم جواد بالنحت والفن إلى عمل قاس في تغسيل الموتى. إن الانتقال من تشكيل الجمال إلى ملامسة الجثث يكشف كيف تبتلع الحرب أحلام الأفراد، وكيف يصبح الموت حاضرا يوميا لا استثناء طارئا. والمفارقة العميقة في الرواية أن ماء تغسيل الموتى يروي شجرة الرمان، وكأن الموت نفسه يغذي حياة أخرى، في صورة رمزية مؤلمة عن علاقة العراقيين بالموت والذاكرة والبقاء.

وفي “حكاية زهرة” لحنان الشيخ، تحضر الحرب الأهلية اللبنانية لا بوصفها خلفية سياسية فقط، بل بوصفها قوة تقتحم الجسد والبيت والذات. فالحرب لا تدمر الشوارع وحدها، بل تكشف هشاشة العلاقات، وتضع الإنسان أمام خوفه ورغباته وانكساراته. وهنا أيضا تصبح الرواية أقدر من الخبر الصحفي على الدخول إلى المنطقة الداخلية للحدث؛ فالخبر يقول لنا: ماذا حدث؟ أما الرواية فتسأل: كيف عاش الإنسان ما حدث؟ وكيف تغير بعده؟
وقد غيرت الحروب والنزاعات أسلوب كتابة الرواية العربية نفسها. فلم تعد الرواية الخطية التقليدية كافية لتمثيل واقع متشظ؛ لذلك ظهرت بنى سردية تقوم على تكسير الزمن، وتعدد الرواة، وتداخل الأصوات، وامتزاج الواقعي بالغرائبي والرمزي. كأن الشكل الروائي نفسه أصيب بما أصاب الواقع من تفكك. فالتشظي لم يعد موضوعا داخل الرواية فقط، بل صار طريقة في بنائها.
غير أن الكتابة عن الحروب تحمل خطرا حقيقيا، هو أن تتحول المأساة إلى مادة للاستهلاك العاطفي أو الإثارة السريعة. يحدث ذلك عندما يكتفي النص بوصف العنف، أو باستعراض الألم، دون أن يمنح القارئ فهما أعمق لتجربة الإنسان. فالأدب الحقيقي لا يستثمر المأساة، بل يصونها؛ لا يحول الألم إلى مشهد استعراضي، بل يحاول أن يمنحه معنى إنسانيا وأخلاقيا.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال الرواية الفلسطينية أو الروايات التي تحدثت عن فلسطين بوصفها من أوضح تجليات أدب الصدمة والذاكرة. في أعمال غسان كنفاني، مثل “رجال في الشمس”و”عائد إلى حيفا”، لا نقرأ النكبة بوصفها حدثا سياسيا فقط، بل بوصفها سؤالا عن الهوية والبيت والعودة والمسؤولية. وكذلك في مشروع إبراهيم نصر الله، ولا سيما “الملهاة الفلسطينية و”زمن الخيول البيضاء، نجد أن الذاكرة لا تستعاد من أجل الحنين وحده، بل من أجل فهم الاقتلاع، والمقاومة، وتحول المكان إلى جرح مفتوح.
وقد كتبت شخصيا رواية في هذا السياق وهي “الطرموخ” التي عالجت الصدمة الفلسطينية والعربية بعيد الاحتلال البريطاني، ودعم العصابات الصهيونية، والبدء بحرب الإبادة التي ما زالت مستمرة للآن ضد الشعب العربي الفلسطيني، وتطرقت إلى عقلية التآمر الاستعمارية، وبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، بمختلف مكوناته، وطوائفه، وتكويناته الفكرية، والسياسية، والفلسفية.
أما أردنيا، فيمكن قراءة عدد من الأعمال ضمن هذا الأفق، وإن لم تحمل دائما تسمية «أدب الصدمة» صراحة. فهناك نصوص تشتبك مع أثر الهزيمة، واللجوء، والسجن، والذاكرة، والاغتراب، والتحولات الاجتماعية والسياسية. ويمكن أن نذكر هنا تيسير سبول في “أنت منذ اليوم” بوصفها نصا مرتبطا بصدمة هزيمة 1967، وإبراهيم نصر الله في أعماله الفلسطينية، وسميحة خريس في اشتغالها على ذاكرة المكان والتحولات، وإلياس فركوح في مقاربته للاغتراب والتشظي الداخلي، إلى جانب كتاب آخرين تناولوا القلق الاجتماعي والسياسي وأثر القمع والمنفى.
إن أدب الصدمة العربي لا يمنحنا علاجها جاهزا، ولا يدعي أنه قادر وحده على ترميم المجتمعات المكسورة، لكنه يفتح باب الفهم. إنه يساعدنا على تسمية الألم، وعلى الاعتراف بما حدث، وعلى مقاومة النسيان. وفي هذا تكمن أهميته؛ فهو لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يعيد بناء المعنى بعد الخراب.
لذلك يمكن القول إن الرواية العربية الحديثة، وهي تكتب الحرب واللجوء والخوف والموت، لا تكتب الماضي وحده، بل تكتب سؤال الإنسان العربي عن نفسه: كيف ننجو؟ كيف نتذكر؟ وكيف لا نسمح للصدمة أن تتحول إلى قدر أبدي؟ إن أدب الصدمة، في جوهره، ليس أدب اليأس، بل أدب مواجهة الجرح كي لا يبقى مخفيا، وأدب البحث عن معنى وسط عالم فقد كثيرا من معانيه.
لا بد ان ينهض الأدباء العربي للتعبير عن الجروح النازفة في أجزاء عديدة من الوطن العربي العزيز من خلال روايات توثق، وتعكس البعد الإنساني في هذه الجروح.





