الكاتب: جبريل آدم جبريل*
لم يكن التعليم العالي في تشاد يوماً ترفاً فكرياً أو زينة حضارية تُضاف إلى مؤسسات الدولة، بل كان – في وعي الرعيل الأول بعد الاستقلال – أملاً معقوداً على أن تنهض أمة أنهكها البؤس، غير أن الناظر إلى الجامعات التشادية اليوم، وهو يقارن بين ما كانت عليه في عقود سابقة وما آلت إليه الآن، يقف أمام مفارقة مؤلمة: مؤسسات تحمل اسم “التعليم العالي” لكنها فقدت الكثير من جوهره ومضمونه، لقد تراجعت هذه المنظومة تراجعاً واضحاً، وتسللت إليها علل طارئة صار من الصعب تجاهلها: ضعف تكوين الطلبة، وانحطاط بنية المنظومة التعليمية ذاتها، وتآكل مصداقية البحث العلمي، وهذا المقال محاولة لتشخيص هذا الواقع بتماه طفيف مع الألم، دون مجاملة ولا تهويل، ثم البحث عن سبل معالجته بما يراعي خصوصية البيئة التشادية وإمكاناتها المتاحة.
يُلاحظ المتابع لمخرجات التعليم العالي في تشاد أن نسبة معتبرة من الطلبة يصلون إلى الجامعة وهم يحملون معهم عجزاً تراكمياً من مراحل التعليم الأساسي والثانوي: ضعفاً في اللغة، سواء الفرنسية أو العربية، وضعفاً في المهارات المنهجية الأساسية كالقراءة النقدية والتحليل والتعبير الكتابي، مع سطحية قاتلة، وهذا العجز لا ينشأ عن فراغ، إنما هو انعكاس مباشر لأزمة بنيوية تبدأ من التعليم الأساسي: اكتظاظ الفصول، وقلة المعلمين المؤهلين، وغياب المتابعة الأسرية والمجتمعية، وانتشار ظاهرة التسيب المدرسي، وفقدان الموجه والوجه معا.
والنتيجة أن الجامعة، بدل أن تكون محطة لصقل المواهب وتعميق المعرفة، تجد نفسها مضطرة إلى “ترقيع” ثغرات ينبغي أن تكون قد سُدّت قبل الوصول إليها، وهذا يفسر ظاهرة تكرار الطلبة للسنوات الدراسية، وارتفاع نسب الرسوب، وضعف قدرة الخريجين على مواجهة سوق العمل أو مواصلة البحث العلمي.
إضافة إلى ما سبق، انحطاط المنظومة التعليمية ذاتها، لأن الخلل لا يقتصر على مدخلات الطلبة، بل يمتد إلى بنية المنظومة الجامعية نفسها، فالمناهج في كثير من الأحيان قديمة لا تواكب تطورات العلوم والتقنية، والأساتذة يعانون من ضعف التكوين المستمر وقلة الحوافز، حتى أن بعضهم يضطر إلى الجمع بين وظائف متعددة ليواجه ظروف المعيشة، وتخلفهم عن العصر وما وصل إليه من حداثة، مما ينعكس سلباً على جودة التدريس والبحث، يُضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية: قاعات مكتظة، مكتبات فقيرة المحتوى وغير محدّثة، شبكات إنترنت ضعيفة أو منعدمة في كثير من الحرم الجامعية، وغياب المخابر العلمية المجهزة في التخصصات العلمية والتقنية.
كما لا يمكن إغفال البعد الإداري: فوضى في التسجيل والامتحانات، وتسييس بعض القرارات الأكاديمية، وضعف الحوكمة الجامعية، مع تكتلات قبلية ومناطقية نتنة، كل هذا يصنع بيئة تعليمية هشة، تفتقر إلى الشفافية الاستقرار الذي هو شرط أساسي لأي عملية تعليمية جادة.
كل هذه الظواهر أدت إلى تراجع مصداقية البحث العلمي، وهو الأخطر ربما، فقد أصبحت الرسائل الجامعية والبحوث، غير قليل من الحالات، عملية شكلية تُنجز لغرض الحصول على الشهادة لا لغرض إنتاج معرفة حقيقية أو معالجة قضية علمية أو مجتمعية فعلية، خاصة الجانب الأدبي، وانتشرت ظواهر مقلقة كالنسخ والاقتباس غير الموثق، والاستعانة بجهات خارجية لإنجاز البحوث مقابل المال، وضعف آليات التحكيم العلمي الرصين، مما أفقد الشهادة الجامعية جزءاً من قيمتها الرمزية والمعرفية.
وحين يفقد البحث العلمي مصداقيته، فإن الجامعة تفقد مبرر وجودها الأعمق: فهي ليست مكاناً لمنح الشهادات والرتب الأكاديمية الماذبة، إنما هي – في جوهرها – مؤسسة لإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع من خلالها.
إن معالجة هذه الأزمة لا تكون بنقل تجارب جاهزة من بيئات مختلفة، إنما بحلول واقعية تنطلق من الإمكانات المتاحة والقيود القائمة في تشاد.
في مواجهة ضعف تكوين الطلاب، ينبغي الاستثمار في التعليم الأساسي والثانوي باعتباره القاعدة التي تُبنى عليها الجامعة، مع إحداث برامج تأهيلية استدراكية (“سنة تأسيسية”) في بداية المسار الجامعي تُعنى باللغة والمهارات المنهجية قبل الدخول في التخصص، وهي تجربة ناجحة في عدة بلدان أفريقية محدودة الموارد.
أما في مواجهة انحطاط المنظومة، لا حاجة بالضرورة إلى استثمارات ضخمة تفوق طاقة الدولة، بل يمكن البدء بخطوات ممكنة: تحسين حوكمة الجامعات وتفعيل الشفافية في التسيير الإداري والمالي، والاستفادة من التعليم الرقمي والمكتبات الإلكترونية المفتوحة المصدر لسد فجوة نقص الكتب والمراجع بكلفة منخفضة، وتشجيع الشراكات مع الجامعات الإقليمية (في الكاميرون والسودان ومصر ودول الخليج) لتبادل الأساتذة، والمنح الدراسية بعيدا عن التحيز، إضافة إلى معالجة أوضاع الأساتذة المعيشية كخطوة ضرورية لاستقرار العملية التعليمية والحد من التجاوزات.
أما تراجع مصداقية البحث العلمي، لا بد من تفعيل آليات تحكيم علمي حقيقية، ولو بسيطة في بدايتها، وربط الترقيات الأكاديمية بجودة الإنتاج العلمي لا بكمّه الشكلي، وتشجيع البحوث التي تعالج قضايا تشادية ملموسة كالأمن الغذائي والتصحر وإدارة المياه والصحة المجتمعية، بما يعيد للبحث العلمي معناه ووظيفته الاجتماعية، ويجعل الطالب والأستاذ على حد سواء يشعران بجدوى ما ينتجانه، مع وجود رقابة حقيقة فاعلة، وشفافة، مع تصحيح الهدف من البحوث للطلاب والمعلمين معا.
إن التعليم العالي في تشاد أمانة أجيال، ومسؤولية جماعية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، إنما تشمل الأسرة والمجتمع والأستاذ والطالب، والاعتراف بحجم الأزمة ليس تشاؤماً، بل هو الخطوة الأولى الضرورية نحو الإصلاح، فالأمم لا تُبنى بالشهادات المزخرفة الجوفاء، ولكنها تنبنى بالعقول المكوَّنة تكويناً صحيحاً، القادرة على التفكير والإنتاج والإسهام في نهضة بلدها، وما دام في الأمة من يرى الخلل ويسعى إلى تسميته وعلاجه، فإن الأمل في إصلاح هذه المنظومة يبقى قائماً.
كاتب من جمهورية تشاد.





