المجلة الثقافية الجزائرية

أسبقية الخبز على الكرامة

عبد الكريم ساورة

في مسرح الحياة عليك أن تتعلم أن لاتكون متسرعا في الأحكام، وما قد تحكم به الآن قد تضطر لتغييره مستقبلا نظرا لطبيعة الظروف التي قد تعيشها في مرحلة من مراحل الحياة. وهذا لعمري قدر الإنسان الجاهل بأسرار الأمور، ولعل وقفة صغيرة على مسار التاريخ نعثر على الكثير من الرجال سواء في ميداني السياسة والدين غيروا من موقفهم انتصارا لموقف الزعيم وتوجهاته ولو كانت خاطئة، إما خوفا من بطشه أو طمعا في منصب ما، أو تزلفا لشخصه تقربا منه.

وقد تدفع الظروف في بعض الأحيان أن يتنازل المرء على أشياء ذات قيمة كبيرة، لم يكن يعتقد يوما أنه سيتنازل عنها، وذلك حماية لثروته أو لزوجته أو لأولاده ، وهذه قد يعتبرها البعض خيانة بينما يعتبرها هو نفسه ” تنازلا ” من أجل حماية مصالحه حتى لا يصيبها الضرر، وقد تجده يدافع عن موقفه بقوة وهو يعلم علم اليقين مع نفسه أنه ” باع ” مبادئه بثمن بخس ، وأنه ولج دائرة التعفن من بابه الكبير، ولكن يبقى التاريخ هو الحكم في تبيان الصواب من الخطأ الذي قد يكون ارتكبه شخص ما في لحظة وهن. 

كان العرب قديما يقولون ” صاحب الحاجة أعمى ” وهذا المثل نجد مترجما بقوة في الآونة الأخيرة بيننا، حيث نلاحظ في كل مناسبة الكثير من الرجال والنساء والشباب يبيعون كل شيء من أجل الوصول إلى تحقيق الهدف، والخطير قد يكون هذا الهدف صغيرا جدا ومع ذلك تجد كل واحد من هؤلاء الثلاثة متشبتا بموقفه رغم ضآلة قيمته، نظرا لصغر النفس ودرجة الإحتقار التي بلغها الإنسان في تحقيق صغائر الأمور في الآونة الأخيرة.

يبدو أن الكثير من القيم التي كانت تؤسس لمسار الإنسان بدأت تتفكك، وأهمها الكرامة، فقد بدأ الكثير من الأصوات تنادي بأسبقية الخبز على الكرامة، وهذه الأسبقية ليست تنازلا أو خِذْلانا في نظرهم وإنما هو تعايشا مع منطق العصر وسطوة السوق، ونجد العديد منهم يبرهن بكل الدلائل أن الظروف أصبحت صعبة وأن الواقع لم يترك لهم فرصة الإختيار والذكي هو من يعرف كيف تأكل الكتف وفي وقت قياسي قبل أن يسبقه المنافسون في الذل.

قد يقول رجل خَبِرَ الحياة وزهد فيها قائلا : ” لاتجعل من ذل الحاجة سيفا يقطع رقبتك “، لكن هذه الحكمة البالغة لم تعد تجد آذانا صاغية في عصرنا الراهن، لأن الأغلبية أصبحوا يعبدون المال، وحاجتهم الكبيرة للمال جعلتهم يتنازلون عن كل مايرتبط بمفهوم العزة والكرامة، وهنا تحول شعار ” من يدفع أكثر يتحكم أكثر ” ، ونظرة بسيطة للواقع نجد الكثير من النماذج الفاسدة من حولنا تتحكم في رقابنا وتعيث فسادا كما تشاء دون حسيب أو رقيب، وهذه أكبر آفة أصابت البناء القيمي في الوطن العربي وأصبحت نماذج يحتدى بها مع الأسف الشديد.

كاتب صحافي مغربي