المجلة الثقافية الجزائرية

أشباح وأشباح

عبدالقادر رالة

لم أكن أستطع الذهاب إلى الحمام لوحدي، فتأخذني أمي وهي تعنفني ساخرة، إنها تشعر بالخيبة لأنها تعتقد بأني رجلٌ تستطيع أن تعتمد عليه في مستقبل الأيام !…

والسبب قصص الأشباح المرعبة التي كانت ترويها جدّتي فيتسلل ُ الخوف إلى قلبي الصغير. 

وحينما تكون جدّتي تحكي، ألتفتُ أكثر من مرة نحو باب الغرفة، أو أتطلعُ إلى السقف لعل الشبح البشع ينظر إلينا ويفكر في خطة شريرة لاختطافي أنا أو أختي الصغيرة!

وأكثر ما كان يفزعني أن جدّتي كانت تحكي عن أناس واقعيين كنت أعرفهم ، و ألتقيهم في الشارع ، أو عند البقال سي الطيب !…

سي بسدات ، فمصباح غرفته كان ينطفئ لوحده كل ليلة على الساعة التاسعة وربع ! واستدعى أكثر من كهربائي ماهر، أكدوا له أنه لا يوجد أي خلل، وفي النهاية اضطر لبيع بيته خوفا على زوجته وأولاده! وهو إنسان قارب الستين من عمره، كنتُ أعرفه…

أما سي محمود فإني كنتُ التقيه تقريباَ يومياَ عند البقال ، فالرأس المقطوع الذي يقطر دما يتدحرج كل ليلة في حوش منزله المحاذي لمكتب البريد، لذلك لم يكن يسمح لأولاده الصغار أن يتركوا غرف نومهم بعد السابعة مساء ، غير أنه كان أشجع من سي بسدات فلم يرحل عن بيته الذّي ولد وكبر فيه!

سليمة الزّوجة الجميلة الفاتنة التي عشقها الجنّي، لكنها رفضتْ أن تسير معه إلى عالمه، لأنها تحب عالم البشر الذي فيه زّوجها، أولادها، والديها وجيرانها.. فكان ذلك الجنّي العاشق يأتي كل ليلة إلى المطبخ فيثير الفوضى ويكسر الأواني!…

أما فتيحة الطيبة اللينة فالجنية الجميلة هي التي تعلق قلبها بزّوجها ، فكانت تحس بجسمها الساخن بينها وبين بعلها لما يكونا نائمين في الليل ! رأتها مرة واحدة على الهيئة الإنسية ، وتحت برنوس زوجها ؛ امرأة فاتنة ، عينان عسليتان ، وشعر اصفر ووجه يتوهج لكن حزين!..

و قريبة جدّتي، العجوز منيرة فكان الشبح المزّعج يزورها كل ظهيرة، يُفسد عليها قيلولتها… يأتيها في شكل ولدها الذي يكون في العمل، أو أحد أحفادها الثلاثة الذّين يكونون في المدرسة!….

هذه بعض الحكايات عن الأشباح التي وقعت في مدينتنا الصغيرة ، أو في المدن المجاورة ، غير أن ما كان يثير فضولي ، أن جدّتي ما تكلمتِ عن شبح أذى طفلاً، أو التهمه أو طارده ! رغم أن الطفل هو الأضعف و الأخوف!..

ولما سألت جدتي مرة في حضور عمتي وأمي، ابتسمتا ولم تقولا شيئا… 

أما جدّتي فغمزّتهما ثم شرعتْ في سرد قصة خالها التائه في الصحراء ولقائه بالسمندل الملك .