عماد عبيد
إلى أينَ تمضيَ كظلِّ المسافرْ
إلى أين تمضي،
وليلُكَ لما يزالُ عميقاً
شرايينُ شجوكَ تسري بغُلٍّ
ودمعُكَ حبرٌ توشّى المحاجرْ
وجيبُكَ مهرٌ عصيُ المراسِ
تخطّى المناسكَ قبلَ الزحامِ
إلى أينِ تمْضيَ غداةَ نجيءُ
قَفَرْنا الفجاجَ، ورُدنا الحواضرْ
فخابَ القصاصُ، ولذَّ الرقيقُ
تقاطرنا صحواً إلى أنْ غَفَوْنَا
شمرْنا المسافةَ جمزاً وحلجاً
وفاضٌ خليٌ، وكفُّ رجيفُ
بلغنا المصائرَ قبلَ الهوانِ
فأطرقنا ذنْباً عذولَ الخواطرْ
***
إلى أينَ تمضيَ
وأنتَ القليلُ
إلى ردهةٍ في المدارِ الكثيفِ
إلى فسحةٍ في جوفِ نيزكْ
إلى القاصياتِ شِعابَ المجرّةْ
مسارك وعرٌ وسُرجكَ تخبو
وذاكَ الأديمُ يلاطمُ محلاً
(أتعلمُ أنّكَ جرمٌ صغيرٌ)
وما زلتَ تدبو كحبوِ الكفيفِ
صداكَ تعالى بوادٍ جديبٍ
فلا أنتَ برقٌ تمخّضَ رعداً
ولا أنتَ وعدٌ لعرسِ المسرّةْ
تمهّلْ برسلكَ واطنبْ رياحكْ
أكانَ عليكَ حصادَ الجذورِ
وجزَّ الجذوعَ بسيفِ الرقيبْ
اغمدْ بذارَكَ في مهدِ كرمٍ
واسدلْ عليكَ ستارَ المبرّةْ
يؤون الأوانُ إذا ما حنثتَ
بذاتِ اليمينِ التي وطّنْتكَ
قطافُكَ يدنو دنّوَ الخريفِ
فاعصرْ يقينكَ كلَّ استواءٍ
وخمّرْ ظُنونكَ للعادياتِ
فها أنتَ تمضي إلى حيثُ تسطوَ
عليكَ الحياةُ سطوَ العريفِ
….
إلى أينَ تمضيَ بتلكَ الكواهلْ
تنوءُ بوزرٍ شقيِ الرزَايا
تركتَ لنوحٍ شراعَ السفينةْ
فأرداكَ أُنساً يناطحُ جنّاً
لعنقاءِ غولكَ هيبُ الحكايةْ
أكان عواضكَ خلاً وفياً
إذا ما عَسرتَ ذرفتَ النواهلْ
مُحالٌ وْلدْتَ، مُحالٌ ستحيا
رُفاتُكَ حطّتْ على قاعِ صَفْصَفْ
نعاكَ المُشيّعُ قبلَ الجنازةِ
تعوّلُ حيناً على ضرعِ نخلةْ
وحيناً تفورُ لديكَ المناهلْ
ألا ليتَ تمضي لمجدِ الغوابرْ
لأضغاثِ ذكْرى طوَتها الصروفُ
لحقبةِ صبٍّ تمرأيتَ فيها
لزهرةِ دفلى على دربِ حُلمكْ
لقوسٍ يحزُّ ربابَ الحناجرْ
فاطرحْ ركابكَ، وارخِ هواكَ
واصرفْ رجاكَ بتلكَ المجاهلْ
عرينُكَ أضحى وَهِيَ السياجِ
وعزمُكَ غضٌّ أليفُ المرامِ
تجمّلْ رويداً على سطحِ ماءٍ
وغازلْ مهاهُ بلحظِ المسامرْ
إلى أينَ تمضي كليلَ البلاءِ
فهذي المجنّةُ قفرُ الأواهلْ
….
عماد عبيد … محامٍ وشاعر سوري



