داود سلمان الشويلي/ العراق
يقول الدكتور طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي):
((للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرأن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلي مكة ونشأة العرب المستعرية فيها.
ونحن مضطرون إلي أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية من جهة، والقرآن والتوراة من جهة أخرى.)) (2).
ويقول المؤرخ فرج الله صالح ديب:
((وإبراهيم الموحد بالله، هو غير إبراهيم الذي طلب من وكيل أعماله في الإصحاح ٢٤ من سفر التكوين، فقرة ٢، أن يحلف بالعضو الذكري حيث جاء وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له. ضع يدك تحت فخذيه، أي احلف بالعضو الذكري؛ فهذا مرتبط بإبراهيم آخر؛ لأن الذاكرة وفقدان التحقيب التاريخي دمجت شخصيته في إبراهيم الموحد، الذي قال في
الفقرة ذاتها: وفاستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم»))(3).
ويقول المؤرخ فاضل الربيعي:
((أن هذه الشخصيات ليست تاريخية؛ بل شخصيات دينية نؤمن بوجودها الديني، لكننا لا نملك أي وثيقة تاريخية عنها، أي أنها تجسيد لعقيدة دينية تقوم على عبادة أو تقديس الأب والابن: داود وسليمان، سليمان ورحب- عم، إبراهيم وإسماعيل، إبراهيم واسحق الخ. وهذا أمر مؤكد بالنسبة لي، فموسى وسليمان وداود الخ، تجسيد لشخصيات دينية نؤمن بوجودها ( الديني) ولكنها من المنظور التاريخي شخصيات خلاصيّة مُتخيّلة.))
كان ابراهيم الخليل محورا للدراسات والبحوث التي يقدمها رجال الدين، والمؤرخين، والكتاب بشتى اختصاصاتهم، فكان شخصية مشاعية رافضة للتخصص العلمي، ولهذا كثرت عنه التصورات، فمن تك الدراسات من وجد فيه نبيا، ومنها من وجد فيه الجد الأكبر لأنبياء الأديان الموحدة، ومنهم من يرى انه شخصية خيالية، بطل خرافي، أو بطل اسطوري، وهكذا تعدد النظر اليه. فالدكتور السيد القمني يقول عنه:
((لا مراء أن شخصية النبي إبراهيم عليه السلام، تعد واحدة من أهم الشخصيات في التاريخ الديني، فقد بلغ هذا النبي منزلة لانزاع حولها في الأديان الكبري الثلاثة التي أفرزتها المواطن السامية شرقي المتوسط، اليهودية والمسيحية والإسلام، وتوطئة للبحث وراء ارتحالات النبي إبراهيم عليه السلام، والتي أدت – حسبما يخبرنا به التاريخ الديني – إلي نشوء علاقات بينه وبين أهل المنطقة، وماتبع ذلك بالضرورة من تفاعل جدلي في الفكر والثقافة والمعتقدات، نهييء السبيل برؤية مكثفة وموجزة لوضع النبي إبراهيم في الديانات الثلاث.
* فهو عند العبريين: أهم الآباء الأوائل للشعب العبري، وهو أب لسلسلة من الأبناء كانوا جميعا ذوي علاقة حميمة بالإله، وأنه يعود بموطنه إلي مدينه (أور الكلدانيين) علي شاطيء نهر الفرات، وأنه قد هاجر من موطنة ( أور UR ) في العراق القديم علي رأس قبيلته يبغي الذهاب إلي أرض كنعان، المفترض أنها أرض فلسطين الحالية، وأنه في كنعان التقي بربه، وهو الرب المعروف في التوراة بالاسم (إيل) أو (إل) – وإليه تنسب الأسماء مثل جبرائيل وميكائيل وإسرائيل وإسماعيل … الخ – ويفترض الباحثون أنه أصل لفظ الجلالة في اللغة العربية (إله – الله). وتذهب التوراة إلي أن الرب ( إيل) قد اتخذ من النبي إبراهيم خليلا (خل – إيل) ومن ثم أقطعه ونسله من بعده أرض كنعان خالصة لهم، أو بنص التوراة :
قال الرب لإبرام ارفع. وانظر إلي الموضع الذي أنت فيه، شمالا وجنوبا وشـــــرقــــــا وغــــــربـــــا، لأن جميع الأرض التي أنت تري لك أعطيها، ولنسلك إلى الأبد.))(سفر التكوين:١٣:١٤،١٥)(4).
وعند المسيحيين، هو:
((لايقل رتبة عنه عند اليهود، لأن إنجيل (متي) يقرر أن إبراهيم هو الجد الأعلي ليسوع المسيح، ومتي يصف إنجيله من البداية : أنه “كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم” – متي ١ : ١))(5).
وهو عند المسلمين:
((خليل الله النبي الكريم، أب الأنبياء جميعا، فقد انحدر من صلبه سلسلة من الأبناء والأحفاد، وأحفاد الأحفاد، يحملون بذرة النبوة، ومن ثم كانوا سلسلة من الأنبياء وهو ماتشير إليه الآيات القرآنية دون لبس، وذلك في قوله تعالي: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب)(العنكبوت: ۲۷)..))(6).
فيما دلل العالم التوراتي الألماني “يوليوس فيلهاوزن”:
((على أن قصص الآباء في كلا المصدرين اليهوي والإيلوهي إنّما عكست مخاوف الحكم الإسرائيلي الملكي المتأخر، التي تم إسقاطها على حياة الآباء الأسطوريين في ماض أُسطوري بشكل كبير. وبناء عليه ؛ يجب النظر إلى القصص التوراتية كأساطير وطنية لا يزيد أساسها التاريخي على الأساس التاريخي لأسفار أوديسوس في مَلْحَمَة هُوميروس أو قصة تأسيس “أينياس” لمدينة))(7).
***
ناقشنا في (الباب الثالث – الجغرافية) قضية رحلة ابراهيم من أور الكلدانيين إلى حران، ومن ثم إلى أرض فلسطين، ومنها إلى مصر، والعودة إلى أرض فلسطين، وبينّا عوار هذه الرحلة، اعتمادا على دراسات المؤرخ الربيعي، وأوضحنا انها قد تمت في اليمن القديم.
***
ابراهيم و سارة:
بعد دراسة العلاقة بين ابراهيم وزوجته الكبيرة بنت عمه، من الناحية الروحية، والثقافية، يصل المؤرخ الربيعي إلى:
– ان السرديات الدينية الكبرى ليست تاريخا.
– تهتم هذه السرديات بما ترمز له، وما تدل عليه.
– ان سفر التكوين ليس رواية تاريخية، أي قصة وقعت أحداثها في الواقع العياني، بل هي ربما ترتكن إلى ما هو ظلال للتاريخ.
– اذن القصة ترمز ولا تقول تاريخا.
يقول المؤرخ فاضل الربيعي عن هذه القصة:
((وكما هو الحال مع السرديات الدينية الكبرى؛ فإن ما يُروى فيها ليس تاريخاً صافياً وحقيقياً – لأنها في الأصل لا تهتم بهذا الجانب قدر اهتمامها بالرموز والدلالات الروحية والثقافية التي ترسلها إلينا في الواقع، يجب أن يُنظر إلى (سفر التكوين) على أنه رواية لا تقول التاريخ، لكنها تختزنه ضمن منظومة رموز يتعيّن تفكيكها بنزاهة ودون تعسف. وفي قلب هذا السفر، يجب أن ننظر إلى قصة إبراهيم وسارة على أنها قصة الرعاة الذين تخيلوا أرض الميعاد، بوصفها أرض استقرارهم بعد الرحيل. وهذه هي بالضبط قصة التحالف السبأي الحميري. من المؤكد، طبقاً للنقوش المسندية، فقد عاش إبرهم إبراهيم النبي – الكاهن في عصر المكرب الكبير يثع أمر بن إيل كربيثع أمر الأول نحو 950 ق.م 85 ) وقد رفض الخضوع للآشوريين وديانتهم وتمرد هلى الأوثان والأصنام التي فرضت على شعب اليمن وحطمها كما في القصة القرآنية. في هذا العصر خضع مكاربة اليمن في حضرموت ووسط اليمن (الجوف) لسلطة الآشوريين كما تقول السجلات التاريخية الآشورية.
وكنتُ نشرت في مؤلفاتي عشرات النقوش التي تشير إلى ذلك. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني وببساطة أن السردية التاريخية التقليدية الزائفة التي أنشأها اللاهوتيون الاستشراقيون قد هيمنت على عقولنا بقوة الكذب والتزييف، وأن إبراهيم في التاريخ الحقيقي عاش ككاهن ملك في اليمن وليس في فلسطين كما في التاريخ الزائف، وأن أسرته أسرة الخليل تعرضت للإضطهاد على أيدي الآشوريين، وأنه هاجر فراراً من عبادة آلهتهم.
سوف يصبح التاريخ حقيقياً حين نستبدل الرواية الزائفة بأخرى حقيقية، تستند إلى الأركيولوجيا وليس إلى الرويات الدينية والمثيولوجية. وفي هذه الحالة ستكون هجرة إبراهيم إلى فلسطين هجرة وهمية اختلقتها روايات استشراقية – لاهوتية مهووسة بقصص التورة.))(8).
***
الهوامش:
() فصل من كتابي المعد للطبع (التزوير الفاضح لسرديات التوراة – نظرية المؤرخ فاضل الربيعي عن اسرائيل المتخيلة).
(2) في الشعر الجاهلي – ص226.
(3) اليمن وأنبياء التوراة – ص 158.
(4) النبي ابراهيم والتاريخ المجهول – ص11.
(5) المصدر السابق – ص13.
(6) المصدر السابق – ص 13.
(7) التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها – ص66.
(8) ابراهيم وسارة – ص191.





