د زهير الخويلدي
مقدمة: يطرح مفهوم التوازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، كما يتبلور في فكر أنطونيو غرامشي عبر فكرة الهيجيمونيا الثقافية، إشكالاً فلسفياً عميقاً يتجاوز مجرد التصنيف النظري ليصل إلى صميم العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين النظرية والممارسة، وبين الحرية والإكراه. فغرامشي لا يقدم نموذجاً جاهزاً للتوازن، بل يكشف عن توتر بنيوي يجعل من أي توازن مستقراً أمراً مشكوكاً فيه، ومن أي هيمنة ثقافية مشروعاً مفتوحاً على التناقض. هذه الدراسة تتبنى مقاربة استشكالية ترفض الإغلاق النظري، وتضع المفاهيم في حالة مساءلة مستمرة، متسائلة: هل يمكن أصلاً تحقيق توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي دون أن ينقلب هذا التوازن إلى شكل جديد من الهيمنة؟ وهل تستطيع فلسفة عملية ملتزمة أن تحافظ على نقديتها وهي تلتزم بمشروع تحويلي؟ وهل الهيجيمونيا الثقافية جسر يربط المجالين أم آلية تذيب الحدود بينهما؟
التمييز بين المجتمع السياسي و المجتمع المدني
يبدأ الإشكال من التمييز ذاته. يقيم غرامشي فرقاً تحليلياً بين المجتمع السياسي، بما هو جهاز الإكراه المباشر المتمثل في الدولة بالمعنى الضيق (الجيش والشرطة والإدارة والقضاء)، وبين المجتمع المدني بما هو فضاء المؤسسات «الخاصة» من مدارس وكنائس ونقابات وصحافة وأحزاب وجمعيات ثقافية، حيث يُنتج الرضا ويُعاد إنتاجه. غير أن هذا التمييز سرعان ما ينكشف عن هشاشته. فالمجتمع المدني ليس فضاءً محايداً أو حراً بالمعنى الليبرالي، بل هو الميدان الذي تُمارَس فيه الهيمنة الثقافية بأدوات الإقناع والتربية والتنشئة. والمجتمع السياسي ليس مجرد قوة قسرية عارية، بل يستمد شرعيته من الرضا الذي يُصنع في المجتمع المدني. هنا يظهر التوتر الأول: إذا كان كل من المجالين يعتمد على الآخر، فأين يبدأ أحدهما وأين ينتهي الآخر؟ وهل يمكن الحديث عن توازن بينهما أم عن تداخل عضوي يجعل الفصل مجرد أداة تحليلية مؤقتة؟
مفهوم الهيجيمونيا الثقافية
تتعمق المفارقة مع مفهوم الهيجيمونيا الثقافية. فالهيمنة عند غرامشي ليست سيطرة قسرية فحسب، ولا موافقة طوعية خالصة، بل تركيب معقد من الإكراه والرضا، من القيادة الفكرية والأخلاقية ومن القدرة على فرض رؤية للعالم بوصفها الرؤية «الطبيعية» أو «المشتركة». الهيمنة الثقافية تعمل أساساً في المجتمع المدني، لكنها لا تكتمل إلا حين تتمكن من اختراق المجتمع السياسي وإعادة تشكيله. السؤال الاستشكالي هنا حاد: هل الهيمنة الثقافية تحقق التوازن بين المجالين أم تلغيه؟ إذا نجحت الهيمنة في صنع رضا واسع، فإنها تجعل الإكراه السياسي أقل ظهوراً، فيبدو المجتمع وكأنه متوازن، بينما هو في الواقع تحت قيادة طبقة أو تحالف طبقي معين. أما إذا ضعفت الهيمنة الثقافية، فيضطر المجتمع السياسي إلى الاعتماد أكثر على الإكراه المباشر، فينكشف الخلل. بهذا المعنى، يبدو أن «التوازن» ليس حالة مستقرة يمكن السعي إليها، بل أثر جانبي لهيمنة ناجحة أو مؤشر على أزمة هيمنة.
طبيعة السلطة
يطرح هذا التشخيص إشكالاً فلسفياً جوهرياً حول طبيعة السلطة. هل السلطة في التحليل الغرامشي قابلة للتجزئة والتوزيع المتوازن، أم أنها بطبيعتها ميالة إلى التمركز وإعادة الإنتاج الذاتي؟ إذا كانت الهيمنة الثقافية هي الآلية المركزية، فإن أي مشروع يسعى إلى «توازن» بين المدني والسياسي يجد نفسه أمام خيارين متوترين: إما أن يقبل بوجود هيمنة ما (حتى لو كانت هيمنة مضادة)، فيظل داخل منطق الهيمنة نفسه، وإما أن يرفض الهيمنة مطلقاً، فيقع في مثالية تنكر واقع السلطة. الفلسفة العملية الملتزمة تواجه هنا مأزقها الخاص: كيف تلتزم بمشروع تغيير دون أن تعيد إنتاج أشكال الهيمنة التي تنتقدها؟ وكيف تحافظ على نقدية المفهوم وهي تستخدمه كأداة نضالية؟
المثقف العضوي والكتلة التاريخية
يمتد الإشكال إلى مسألة المثقفين العضويين والكتلة التاريخية. يرى غرامشي أن الهيمنة تُبنى عبر عمل المثقفين الذين يربطون بين الطبقات والمجتمع المدني والدولة. لكن هذا الربط نفسه يثير أسئلة حول الاستقلالية والالتزام. هل يمكن للمثقف أن يكون عضوياً ملتزماً بمشروع طبقي أو شعبي دون أن يفقد قدرته على النقد الجذري؟ وهل الكتلة التاريخية التي تحقق هيمنة جديدة تحقق توازناً حقيقياً بين المدني والسياسي أم مجرد إعادة ترتيب لعلاقات القوة؟ الإشكال هنا مزدوج: فمن جهة، بدون التزام عضوي تبقى الفلسفة مجرد تأمل نظري عاجز؛ ومن جهة أخرى، قد يحول الالتزام العضوي الفلسفة إلى أيديولوجيا تبريرية. التوتر بين النظرية الخالصة والممارسة الملتزمة لا يُحل داخل فكر غرامشي، بل يُعاش كمشكلة دائمة.
الحرب كاستراتيجية في الحكم
تزداد حدة الاستشكال حين ننظر إلى البعد الزمني والاستراتيجي. يميز غرامشي بين حرب المناورة (الصدام المباشر مع أجهزة الدولة) وحرب المواقع (البناء الطويل الأمد للرضا والهيمنة داخل المجتمع المدني). التوازن بين المدني والسياسي يبدو أكثر قابلية للتحقق عبر حرب المواقع، لأنها تعمل على تغيير موازين القوى الثقافية قبل الاستيلاء على السلطة السياسية. لكن هذا الخيار يفتح باباً على مفارقة جديدة: كلما طال أمد حرب المواقع، زادت احتمالات استيعاب القوى المضادة داخل النظام القائم، أو تحولها إلى جزء من هيمنة معدلة. هل الاستراتيجية الغرامشية قادرة على تحقيق تحول جذري دون أن تذوب في التسويات؟ وهل يمكن الحفاظ على الطابع الثوري للمشروع وهو يعمل داخل مؤسسات المجتمع المدني القائمة؟
الفلسفة العملية الملتزمة
يظهر إشكال آخر على مستوى الكونية والخصوصية. فكر غرامشي نشأ في سياق إيطالي محدد، حيث الدولة ضعيفة نسبياً والمجتمع المدني متطور جزئياً، مع وجود انقسام حاد بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي. نقل هذه المفاهيم إلى سياقات أخرى يثير سؤالاً حول قابليتها للتعميم. هل التوازن بين المدني والسياسي يأخذ الشكل نفسه في مجتمعات تختلف فيها طبيعة الدولة ودرجة تطور المؤسسات المدنية؟ وهل الهيمنة الثقافية تعمل بالطريقة ذاتها حين تكون وسائل الاتصال جماهيرية أو رقمية أو معولمة؟ الإشكال ليس في صلاحية المفاهيم، بل في خطر تحويلها إلى وصفات جاهزة تفقد قدرتها النقدية.
تواجه الفلسفة العملية الملتزمة، في ضوء هذه الاستشكالات، مهمة مزدوجة ومتعارضة: أن تستخدم التحليل الغرامشي لكشف آليات الهيمنة القائمة، وفي الوقت نفسه أن تبني مشروعاً بديلاً لا يعيد إنتاج المنطق نفسه. هذا يتطلب وعياً دائماً بالحدود: حدود الفصل بين المدني والسياسي، وحدود إمكانية الرضا الحر، وحدود استقلالية المثقف، وحدود الاستراتيجية طويلة الأمد. التوازن الذي يمكن الحديث عنه ليس توازناً سكونياً بين مجالين متكافئين، بل توتراً ديناميكياً يُدار باستمرار، ويُعاد التفاوض عليه في كل مرحلة تاريخية.
خاتمة
يظل السؤال المركزي مفتوحاً: هل يمكن لفلسفة ملتزمة أن تسعى إلى توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي عبر هيمنة ثقافية مضادة دون أن تتحول هذه الهيمنة إلى شكل جديد من السيطرة؟ وهل الإقرار بالطابع الإشكالي للمفاهيم الغرامشية يضعف قدرتها العملية أم يعززها بجعلها أكثر مرونة ونقداً ذاتياً؟ الإجابة لا تكمن في اختيار أحد الطرفين، بل في الإبقاء على التوتر حياً. فالقيمة الفلسفية لفكر غرامشي لا تظهر في تقديم حلول نهائية، بل في قدرته على جعل العلاقة بين المدني والسياسي، وبين الرضا والإكراه، وبين النظرية والالتزام، مشكلة دائمة تتطلب يقظة فكرية ومسؤولية عملية مستمرة. بهذا المعنى، يصبح الاستشكال نفسه شكلاً من أشكال الممارسة الفلسفية الملتزمة. فكيف يمكن تطبيق مفهوم الهيجيمونيا على السياسة الدولية ووسائل الاعلام الحديثة؟ وألا يحتاج المجتمع المدني العالمي الى نقد؟
كاتب فلسفي





