المجلة الثقافية الجزائرية

التوظيف في قطاع التربية… حين تُدفن الكفاءة تحت ركام الملفات

الكاتبة: وهيبة جمال عبد الكريم

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تؤلمه فيها الخسارة بقدر ما يؤلمه شعوره بأن موازين العدالة لم تعد واضحة. لحظات يقف فيها المرء أمام النتيجة لا ليسأل: لماذا لم أنجح؟ بل ليسأل: على أي أساس أصبحت معايير النجاح تُحدَّد؟

اليوم، لا أكتب لأنني رسبت في مسابقة توظيف، فالفشل وارد، ولا أحد يملك حق النجاح لمجرد اجتهاده. لكنني أكتب لأن آلاف المترشحين خرجوا من هذه المسابقة يحملون سؤالًا واحدًا: هل نختار الكفاءة حقًا، أم نكتفي بفرز الملفات؟

لكن جوهر النقاش لا يتعلق بالأرقام في حد ذاتها، بل بالأسس التي ينبغي أن تقوم عليها عملية الاختيار. فإذا كان الهدف هو انتقاء أفضل من يحمل رسالة التعليم، فإن المعيار يجب أن يكون أقرب ما يكون إلى قياس الكفاءة الحقيقية، لا مجرد استيفاء شروط إدارية أو جمع أكبر عدد من النقاط.

فالمعلم لا يُقاس بتاريخ تخرجه فقط، ولا بعدد الوثائق الموجودة في ملفه، وإنما يُقاس بقدرته على الشرح، وإدارة القسم، والتواصل مع المتعلمين، وحل المشكلات التربوية، وإيصال المعرفة. تلك هي المؤهلات التي يحتاجها التلميذ، وهي التي يحتاجها الوطن.

لكن السؤال الذي لا أجد له جوابًا هو: أين تُختبر الكفاءة فعلًا؟ إنها لا تظهر في ورقة إدارية، ولا في تاريخ الحصول على الشهادة، بل تتجلى عندما يقف المترشح أمام لجنة تحاوره، وتختبر علمه، وشخصيته، وقدرته على الشرح، وسلامة لغته، وسرعة بديهته. فإذا كان الامتحان الشفهي هو الأداة الأقرب لقياس هذه الجوانب، فلماذا لا يُمنح الوزن الذي يستحقه؟

إن اختيار المعلم لا ينبغي أن يشبه مجرد فرز الملفات الإدارية، بل يجب أن يكون عملية دقيقة هدفها اكتشاف من هو الأقدر على التعليم.

ومن زاوية أخرى، يظل سؤال آخر مطروحًا للنقاش: لماذا تُفتح مسابقات التوظيف أمام موظفين يشغلون مناصب مستقرة، في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف العاطلين عن العمل فرصة أولى؟ ولا يتعلق الأمر بحرمان الموظف من حقه في تطوير مساره المهني، بل بالبحث عن توازن يحقق العدالة الاجتماعية ويمنح الأولوية لمن لم يحصل بعد على فرصة عمل.

إن الثقة في مؤسسات الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى عندما يشعر المواطن أن الجدارة هي المعيار الأول، وأن الشفافية هي الضمانة الأولى، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُرى.

إن المطالبة بمراجعة معايير الانتقاء ليست اعتراضًا على نتائج مسابقة بعينها، ولا تشكيكًا في من نالوا حقهم في النجاح، بل هي دعوة إلى تطوير منظومة التوظيف بما يضمن تكافؤ الفرص، ويعزز ثقة المترشحين في عدالة الإجراءات، ويجعل الكفاءة التربوية هي المعيار الحاسم في اختيار من يتولى مسؤولية تعليم الأجيال.

فكل نظام قابل للتطوير متى كان الهدف منه تحقيق مزيد من الإنصاف والشفافية، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ولذلك، فإن إصلاح التوظيف في قطاع التربية لا يبدأ بزيادة عدد المناصب فقط، بل يبدأ بإعادة النظر في آليات الانتقاء، ومنح الامتحان الذي يقيس القدرة الحقيقية على التدريس وزنًا يليق بأهميته، ونشر تفاصيل التنقيط بوضوح، حتى يقتنع الجميع بأن من حصل على المنصب، حصل عليه لأنه الأجدر، لا لأن معادلة التنقيط رجحت كفة عنصر قد لا يعكس دائمًا الكفاءة المهنية.

إن الأمم لا ترتقي بكثرة المدارس وحدها، بل بمن يقف داخل أقسامها. وإذا أخطأنا في اختيار المعلم، فلن يكون المتضرر مترشحًا خسر منصبًا، بل جيلًا كاملًا قد خسر معلمًا كان يستحق أن يكون في مكانه.

ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي لقطاع التربية يبدأ أولًا من إصلاح طريقة اختيار من سيصنع مستقبل الأجيال