حيدر الكعبي*
كانت جدتي أم غاوية تعتقد أن أصل الخنزير إنسان. وأن أم الخنزير، التي كانت امرأة آدمية ككل النساء، قد توسَّلتْ إلى الله أن ينزل عليها خرقة قماش لتنظف بها مؤخرة ابنها. وكان هذا طفلاً آدمياً كسائر الأطفال. فأشفق الله على الأم وأنزل عليها لفافة كبيرة من القماش القطني الأبيض الناصع. فاعتزت بها، ولم يهُن عليها أن توسخها. ودَعَتِ الله أن يرسل إليها غيرها. فأنزل الله عليها لفافة أخرى من القطيفة زاهية الألوان أكبر من سابقتها وأجمل، فأعجبتها واحتفظت بها هي أيضاً. وطلبت من الله أن يرسل غيرها، فأنزل الله عليها لفافة من الحرير الفاخر أكبر من سابقتيها، فحرصت عليها حرصاً شديداً وأبقتْها هي أيضاً. ثم قامت فمسحت مؤخرة ابنها بقطعة خبز. فغضب الله عليها غضباً شديداً، ومسخها هي وابنها خنزيرين.
كنت أسترجع هذا في ذهني وأنا أتأمل جثة الخنزير البرّي الذي أقض مضاجعنا البارحة. الشعر الوبري الناتئ الذي يجلل رأسه، والذي له لون القصب المحيط به، رمادي مزرق، واخز، إبَريّ، قصير، كثيف. لكن الشعر الممتد على طول عموده الفقري أطول، وأخشن، وأشد نتوءاً، حتى ليبدو أشبه بأسنان الأمشاط الخشبية. أما أديمه فسميك، رمادي، مسودّ، يصعب تمييزه من أدغال القصب والبردي. إن النظرة القريبة تظهره أشبه بمرتفع تغطيه الغابات، وتبقِّعه الظلال، بدرجات متفاوتة من الدكنة. كان نور الفجر الباكر يعجز عن اختراق تلك الأدغال المتلاطمة، فيتلبث في المرتفعات. ومن أغوار غابات الشعَر هذه تنبثق كالجزيرة عينٌ شبه بشرية لم ينجح الموت في إغماضها، ولا في إطفاء بريقها. عين إهليلجية ذات حدقة صقيلة تتداخل فيها ألوان الفضة والزئبق والغيم. يحيط بها إطار أصفر محمر، ويتوسطها بؤبؤ كفلقة من حجر كريم بلون الكحل، أزرق مسودّ.
بدا الحيوان الميت كأنه يراقبني ويرصد حركاتي. تلك العين هي الجزء الوحيد الحي في هذه الكتلة الوحشية الهامدة، المتجمدة في وحشيتها. وبدت أذناه متوفزتين لالتقاط أدنى نأمة، فكأنهما جناحا خفاش. وامتد خطمه الطويل كنصف خرطوم بموازاة مجرى الماء (الخالي الآن). كانت مقدمة الخطم تشبه مقطعاً عرضياً لثمرة كَمَأ ضخمة. وبدا المنخران المستديران كوَجْرَين لأحد القوارض، جرذ أو سنجاب أو ابن عرس— وجرين متماثلين في السعة والاستدارة. بدا ذلك الوجران كأنهما يتحركان— كأنهما يتسعان ويضيقان. كان خطم الخنزير ينتهي بقرص غضروفي مدعم بعظْمة قوية تمكّن الحيوان من قلب التربة المتماسكة بخطمه. وفي أسفل ذلك الخطم، كان ثمة نابان مقوسان ينتآن خارج الفم كهلالين عاجيين، أو كقرنَي ثور. وقد التوى الذيل الرفيع صانعاً حلقة صغيرة في نهايته السائبة. وكانت رقبة الخنزير لا تتميز عن سائر الجسد، فكأنها امتداد للسنام الذي يتصل بها مباشرة من الخلف قبل أن يتدرج في الارتفاع. رقبة قصيرة، متخشبة، جاسئة، تجعل استدارته أصعب وأقل مرونة. أما رأسه فمكلل بلبدة أشد دكنةً من سائر شعره، تتصل بحدبة جسيمة، ثقيلة تسرّع اندفاعه إلى الأمام، وتزيد في صعوبة استدارته. وقد أثار استغرابي أن هذا الرأس وتلك اللبدة تشكلان حوالي ثلث الكتلة الكلية للجسد.
لم يكن الصبح قد أسفر بعد. إذ لم أستطع العودة إلى النوم بعد ما حدث. ولعلّي لم أكن قد نمت إلا ساعة أو نحوها، بعد تقلب طويل في فراشي بسبب لسع البعوض، حين استيقظتُ فجأة على ضجة غريبة. كان نباح جوقة من الكلاب يختلط بنخير حيوان غريب ذي أظلاف. يركض في نوبات متقطعة، تتخللها فترات سكون. ينشغل أثناءها بالتهام قضمات سريعة شرهة من الشلب. بدت الكلاب مستثارة، تنبح مجتمعة، ثم يخفت نباحها أمام صولة مفاجئة من الحيوان الدخيل فتهرب، ثم تعود فتنبح. ورأيت خالي زغير يركض حاملاً بيد واحدة بندقية ذات ماسورة طويلة، رافعاً فوهتها إلى السماء. ثم يجثم قرب مرتفع قريب أشبه بربوة بمحاذاة مجرى الماء. بدا ظل البندقية طويلاً في ضوء القمر، وهو يسددها جهةَ الغرب حيث تمتد حقول الشلب.
كان الخنزير يصول على الكلاب بين الحين والحين، كلما ضاقت المسافة بينه وبينها. وظهر التردد على خالي. كان يخشى أن يصيب أحد الكلاب. ووسط النباح والنخير والكر والفر وصوت وقع الأظلاف على الأرض الغرينية، وتكسر أعواد الشلب، وخشخشة البردي، دوّى انفجار تردد صداه في أعماق الهور. وسمعنا صرخة حادة طويلة. وسكنت الكلاب. ثم عادت تنبح بشراسة كأنها أصيبت بالسعار. وشَرَعَتْ حركة الحيوان المتوحش تتباطأ وترتبك، وبدا كأن إحدى قائمتيه الخلفيتين قد انزلقت وهو يحاول صعود مرتفع طيني محاذٍ للترعة، قبل أن يظهر جسدُه كاملاً في ضوء القمر، وقد نجح في ارتقاء المرتفع الآن بمشقة واضحة. وما زالت الكلاب تتأثره، وتزعجه، وقد أدركت بغريزتها أن قواه بدأت تخور فطمعت فيه، وأَمِنَتْ جانبَه. وللحظة، برزتْ حدود كتلته الضخمة المضاءة من أعلاها، المعتمة في أسفلها، هدفاً سهلاً. ورأيت شريطاً من الشعر الناتئ كالأشواك يمتد طولياً مع امتداد ظهر الخنزير، حيث ينبغي أن يكون عموده الفقري. بدا محدودباً، نصفه الأمامي أكبر بكثير من الخلفي. كل ثقله في مقدمته.
لكن ما أثار دهشتنا هو الحيوية المفاجئة التي دبت في الخنزير فجأة. بدا كأن فكرة طارئة خطرت في رأسه المدلهم. فاتجه بجسده نحونا على غير توقع، بسرعة لا تُتوقع من حيوان جريح. وأصدر نخرة طويلة وهو يقذف جسمه علينا. وتخلفت الكلاب تحت صدمة المفاجئة. وشعرتُ بقلة حيلتي، أنا الأعزل، أمام هذه الكتلة الوحشية العمياء، الثقيلة، الشرسة التي تتقدم نحونا بجسارة جنونية. ولم يعد يفصلنا عن الوحش المهاجم غير نحو عشرين ذراعاً حين انطلقت رصاصة أخرى من بندقية خالي، وندت عن الخنزير نخرة قوية، كمن يكرع الماء بصوت عالٍ، وكان قد شارف الساقية المجاورة، والتي تمتد بموازاتنا، من جهة البيت، صانعةً مانعاً طبيعياً أمامنا. ونحن أنا وخالي زغير، نقعي بمحاذاة جرفها. كان الخنزير قد أوشك على الخوض في الساقية حين زلَّت قائمتاه الأماميتان على منحدر الجرف وتبعهما الجسد بأكمله منزلقاً بجلبة عالية على سفح الجرف، ثم اصطدم بدغل كثيف قبل أن يلمس الماء. وهمد كأنه كيس تراب، وبوزه الرطب اللاصف يواجهنا تماماً، وقائمتاه الأماميتان معقوفتان تحت جؤجئه الضخم.
رحت أتأمل هذا التل من اللحم الذي لن ينتفع به أحد، الذي كان ذات يوم رجلاً مثلنا، حسب رواية جدتي أم غاوية، وأنا أحدث نفسي قائلاً: “ألا ما أبهظ الثمن الذي دفعتْه أمه جزاءَ مسحِها مؤخرتَه برغيف الخبز طمعاً في قطعة القماش!”
*أوروك


