المجلة الثقافية الجزائرية

الرواية بين متعة السرد وقلق الفكر

مها حسن*

 

وجدتني أتابع مسلسلًا أجنبيًا مليئًا بالتشويق: قصص حب وخيانات وجرائم ومفاجآت تتوالى بلا توقف. كنت أنتقل من حلقة إلى أخرى بنهم، لكن بعد أن انتهيت من العمل وأطفأت الشاشة، شعرت بفراغ غريب. سألت نفسي: عدا متعة التشويق والترقب، ماذا بقي لي من هذا العمل؟ ماذا أضاف إلى فهمي للحياة أو لنفسي؟

من هنا ينبع السؤال الذي يشغل بال كل من يهتم بالرواية اليوم: إلى أي حد تتكئ الرواية على الحكاية؟ وهل تكفي الحكاية وحدها لصنع رواية حقيقية؟

لم تعد رواية القصص اليوم حكرًا على الكتاب، بل أصبحت تحيط بنا في المسلسلات والمنصات الرقمية والأفلام والألعاب

لم تعد رواية القصص اليوم حكرًا على الكتاب، بل أصبحت تحيط بنا في المسلسلات والمنصات الرقمية والأفلام والألعاب. تتنافس هذه الصناعات جميعًا على شيء واحد: جذب انتباه المتلقي، إبقاؤه منتظرًا للحظة القادمة، للسؤال الذي سيجد إجابته في الحلقة التالية أو الصفحة التالية.

لا شك في أن القدرة على الحكي من أهم أسرار الفن. فالإنسان، منذ أقدم الأساطير، كان يحاول فهم العالم عبر القصص. تخيّل معي: في قصص الخلق الأولى – سواء في ملحمة جلجامش، أو في سفر التكوين، أو في الأساطير السومرية والهندية القديمة – كان السرد هو الوسيلة التي حاول بها الإنسان تفسير نشأة الكون، وسر الحياة، وسبب وجود الشر والموت والفوضى.

من الأساطير إلى حكايات ألف ليلة وليلة، جاءت شهرزاد، تلك الساردة الاستثنائية التي أنقذت حياتها ليلة بعد ليلة بحكاياتها. كانت تعرف أن القصة ليست مجرد تسلية، بل هي قوة وجودية قادرة على تعليق الموت نفسه. بهذا السلاح الروائي، حوّلت مصيرها ومصير الملك معًا.

الحكاية تمنحنا شخصيات نحبها أو نكرهها، وصراعات نتابعها بقلبنا، ومصائر تجعلنا نعيش تجارب خارج حدود حياتنا الضيقة. من خلالها نصبح نجومًا في ملحمة، أو ضحايا في مأساة، أو متسائلين في رحلة لا تنتهي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كل حكاية رواية؟ وهل كل رواية تنتهي بمجرد أن نعرف ماذا حدث؟

ربما تكمن المسافة بين الرواية التي نقرأها وننساها، والرواية التي ترافقنا سنوات، في شيء آخر يتجاوز الحكاية نفسها: في السؤال الذي تتركه داخلنا.

من الحكاية إلى السؤال

السؤال الذي يطرحه الروائي ليس فقط: ماذا حدث؟ بل: ماذا يكشف هذا الحدث عن الإنسان؟

لا يمكن للرواية أن تستغني عن السرد. فالرواية ليست مقالًا فلسفيًا ولا بحثًا فكريًا. إنها حياة متخيلة، لها شخصيات ومصائر وصراعات. لكن الحكاية في الرواية الكبرى لا تكون نهاية الطريق، بل بدايته. فالجريمة ليست دائمًا بحثًا عن القاتل، والحب ليس دائمًا قصة علاقة بين شخصين، والحرب ليست فقط مجموعة من المعارك. خلف كل حدث إنساني توجد منطقة أعمق تحاول الرواية استكشافها.

السؤال الذي يطرحه الروائي ليس فقط: ماذا حدث؟ بل: ماذا يكشف هذا الحدث عن الإنسان؟.

الجريمة قد تصبح سؤالًا عن الضمير، والحب سؤالًا عن الحرية والامتلاك، والحرب سؤالًا عن معنى الحياة والموت، والمنفى سؤالًا عن الهوية والانتماء. هنا تتحول الرواية من إعادة إنتاج الأحداث إلى محاولة فهمها.

في الجريمة مثلًا، تحوّل الرواية الحدث إلى سؤال إنساني واسع، وهذا ما قام به دوستويفسكي، أحد أعظم الأمثلة على قدرة الرواية على تجاوز الحدث.

في الرواية البوليسية التقليدية، تبدأ الجريمة بسؤال: من القاتل؟ ويكون هدف السرد الوصول إلى كشف الحقيقة وإعادة النظام الذي اختل. لكن في “الجريمة والعقاب”، نحن نعرف القاتل منذ البداية، إذًا، ليست الجريمة هي اللغز، بل الإنسان.

ما الذي يحدث داخل عقل راسكولنيكوف قبل الجريمة؟ كيف يستطيع الإنسان أن يبني نظرية تبرر له تجاوز الحدود الأخلاقية؟ كيف يمكن لفكرة مجردة أن تتحول إلى سلطة تبيح القتل؟ لم يكن دوستويفسكي مهتمًا بالجريمة بوصفها فعلًا خارجيًا فقط، بل بالهاوية الداخلية التي تكشفها الجريمة.

في ’الجريمة والعقاب’، نحن نعرف القاتل منذ البداية، إذًا، ليست الجريمة هي اللغز، بل الإنسان

العقاب الحقيقي لا يبدأ عندما تقع يد العدالة على المجرم، بل عندما يبدأ الإنسان بمواجهة نفسه. راسكلونيكوف لا يعيش صراعًا مع الشرطة بقدر ما يعيش صراعًا مع ضميره. إن الرواية لا تبحث عن الجريمة، بل تبحث عن الإنسان الذي ارتكبها.

وهذا ما يجعلها تتجاوز كونها رواية عن قاتل لتصبح رواية عن هشاشة الإنسان، وعن العلاقة المعقدة بين الأفكار والأفعال، وبين الحرية والمسؤولية. كذلك في الحب، تستطيع الرواية تحويل القصة العاطفية إلى أسئلة وجودية كبرى.

في “مدام بوفاري” لغوستاف فلوبير، يتحوّل الحب إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يصطدم الحلم الرومانسي بالواقع الباهت؟ إيما بوفاري ليست فقط امرأة تبحث عن الحب، بل إنسانة أسيرة لصورة مثالية عن الحياة صنعتها الكتب والأوهام. الرواية لا تحاكم خيانة شخصية فحسب، بل تكشف المسافة المؤلمة بين الرغبة والواقع، وبين الخيال الذي يغذيه الأدب والحياة اليومية المملة التي تدمر من يحاول العيش فيه.

وفي “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز، يمتد الحب عبر عقود طويلة من الانتظار والشيخوخة والمرض. هنا يصبح الحب سؤالًا عن الزمن والوفاء والرغبة التي لا تموت. هل الحب قدر أم اختيار؟ وهل يستطيع أن ينجو من الزمن الذي يفسد كل شيء؟

بهذا يتحول الحب في الرواية الكبرى من قصة عاطفية إلى استكشاف وجودي يمس جوهر الهوية، الحرية، والرغبة الإنسانية في امتلاك الآخر أو التحرر منه.

كذلك يمكن تتبّع العديد من الموضوعات الأدبية التي تتحول في الرواية إلى أسئلة وجودية ومعرفية وتاريخية محرّضة على التفكير.

الرواية بوصفها طريقة لمعرفة الإنسان

يرى ميلان كونديرا أن الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة عن العالم

في كتابه “فن الرواية” يرى ميلان كونديرا أن الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة عن العالم، بل تكتشف مناطق من الوجود الإنساني لا تستطيع وسائل المعرفة الأخرى الوصول إليها.

ويذهب رولان بارت أبعد من ذلك حين يتحدث عن “موت المؤلف”، فيصبح النص فضاءً مفتوحًا يشارك فيه القارئ في إنتاج المعاني، وتتحوّل الشخصيات إلى كائنات حية تتجاوز نوايا الكاتب.

الرواية لا تشرح الإنسان من الخارج فحسب، بل هي طريقة فريدة لمعرفة الإنسان ومعرفة الذات في آن واحد. فهي تسمح لنا باقتحام أعماق النفس البشرية ومعرفة الذات. فكما فتح فرويد أبواب اللاوعي والرغبات المكبوتة، تفتح الرواية النفسية هذه الأعماق بطريقة فنية. في “الجريمة والعقاب” مثلًا، لا نتابع مجرد جريمة، بل نغوص مع دوستويفسكي في دوامة اللاوعي وراسكولنيكوف، حيث تتصارع الرغبة والذنب والتبرير الأخلاقي قبل عقود من ظهور التحليل النفسي.

الرواية لا تشرح الإنسان من الخارج، بل تجعلنا نعيشه من الداخل. الفيلسوف يسأل: ما الحرية؟ أما الروائي فيجعلنا نعيش شخصًا ممزقًا بين رغبته وخوفه ومسؤوليته. المؤرخ يدرس الحرب، أما الروائي فيجعلنا نسمع صوت الإنسان الذي يعيشها. لهذا تفكر الرواية بلغتها الخاصة، وتكشف الأفكار متجسدة في مصير بشري حقيقي.

ولكن كل هذا لا يعني أن الرواية هي فلسفة. ليس المطلوب منها أن تتحول إلى درس فلسفي، فحين تصبح الشخصيات مجرد أدوات لشرح أفكار الكاتب، تفقد الرواية روحها وتصبح مجرد نص تعليمي جاف.

متعة السرد وقلق الفكر

ربما لا تحتاج الرواية إلى الاختيار بين المتعة والفكر. فالسرد هو الباب الذي ندخل منه إلى الرواية، لكنه ليس المكان الوحيد الذي نبقى فيه. نقرأ لنعرف ماذا سيحدث، لكننا نحتفظ بالرواية لأنها جعلتنا نفهم ما حدث بطريقة أعمق.

نحن نعيش اليوم في عصر مليء بالحكايات كما لم يحدث من قبل

نحن نعيش اليوم في عصر مليء بالحكايات كما لم يحدث من قبل، حيث أصبح روي القصص أسهل من أي وقت مضى بفضل التقنيات الحديثة، وحتى الذكاء الاصطناعي. لكن حاجتنا الحقيقية لم تعد إلى قصص جديدة فقط، بل إلى روايات تساعدنا على فهم القصص التي نعيشها يوميًا. فالرواية التي تبقى معنا ليست فقط تلك التي تجعلنا نقلب الصفحات بحماس، بل أيضًا تلك التي – بعد أن نغلق الكتاب – تجعلنا نعيد النظر في العالم وفي أنفسنا. هي التي تقفز إلينا فجأة في لحظات الاستعصاء، لتضيء لنا احتمالات جديدة بطريقة سحرية.

*ضفة ثالثة