حسن عجمي
ثمة فرق بين التخلف والسوبر تخلف. الشعب المتخلف هو الشعب الذي لا ينتج ما هو مفيد للعالم و البشرية بينما الشعب السوبر متخلف فهو الذي يطوّر التخلف من خلال استخدام العلم من أجل التجهيل. السوبر تخلف هو تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال استغلال العلوم والتكنولوجيا من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب. قانون السوبر تخلف هو التالي: السوبر تخلف = التكنولوجيا ÷ العِلم. وبذلك مع ازدياد استخدام التكنولوجيا وتناقص العِلم (أي تناقص قبول العِلم وعدم المشاركة في إنتاج العلوم)، يزداد تطوّر التخلف. السوبر تخلف سائد في الشرق والغرب معاً. مثل ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية لتقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل و رفع رايات التجهيل والتعصب.
العِلم خالٍ من اليقينيات فالنظريات العلمية تُستبدَل بشكل دائم بنظريات علمية أخرى مختلفة. وبما أنَّ العِلم يخلو من اليقينيات، إذن بقبول العِلم والمشاركة في إنتاجه نتحرّر من يقينياتنا المُسبَقة مما يحرِّرنا من التعصب فيسمح بنشوء مجتمعات سلمية ومسالمة. وعلماً بأنَّ العِلم يحرِّرنا من اليقينيات والتعصب و هو بذلك ضمانة التحرّر الفكري فالسلوكي، إذن رفض العِلم وعدم المشاركة في إنتاجه يؤديان إلى سيادة اليقينيات والتعصب فزوال الحريات الفكرية والسلوكية مما يدفع إلى استخدام التكنولوجيا للدفاع عن يقينياتنا المطلقة ضد الآخرين ومعتقداتهم. من هنا، مع زيادة استخدام التكنولوجيا (كزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) وتناقص قبول العِلم و زوال المشاركة في إنتاج العلوم، يسود التعصب و تهيمن اليقينيات مما يحتِّم سيادة السوبر تخلف الكامن في استخدام التكنولوجيا للتعبير عن تعصبنا ليقينياتنا المطلقة و رفضنا للآخرين ومعتقداتهم. هكذا يولد السوبر تخلف و يَسود من خلال رفض العِلم المؤدي لا محالة إلى استغلال التكنولوجيا لنشر التعصب والجهل والتجهيل بهدف الدفاع عن يقينياتنا الكاذبة. فالحضارة تكمن في إنتاج العلوم. و بذلك رفض العلوم يحتِّم زوال الحضارة فسيادة السوبرتخلف.
لكن السوبر تخلف قد تطوّر وأمسى سوبر تخلفاً فائقاً. من معالم السوبر تخلف الفائق استخدام العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة. فبينما من المفترض أن تكون العلوم والمعارف أعمدة بناء الحضارة والإنسان، أصبحت العلوم والمعارف أدوات لقتل الإنسان وإنسانيته وحضارته. مثل على السوبر تخلف الفائق الكامن في استغلال العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة هو استخدام الذكاء الاصطناعي لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر اليومية كما حَدَث ويحدث في فلسطين ولبنان مثلاً. فبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي مصدراً للمعرفة والعلوم، أمسى أداة قتل واقتتال. استغلال علوم الذكاء الاصطناعي ومعارفه لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر استغلال للعِلم والمعرفة من أجل تدمير الحضارة وإنسانية الإنسان. لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بتغييب العقل والتفكير والبحث العلمي من خلال تقديم إجابات سريعة على أيّة أسئلة وتساؤلات بل تحوّل أيضاً إلى أداة قمع واضطهاد من جراء ممارسته للإرهاب بقتل الأبرياء في الإبادات الجماعية والمجازر بالإضافة إلى ممارسته للسوبر إرهاب الفكري الكامن في تضليل العقول من خلال تقديم إجابات مُحدَّدة على أيّ سؤال فكري فلسفي أو علمي بينما الحقيقة هي أنه لا توجد إجابات مُحدَّدة في الفلسفة والعلوم بل ثمة خلاف فكري حيال كلّ مسألة فكرية فلسفية وعلمية مما يناقض ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي الكاذب.
أما المعادلة الأساسية المُعبِّرة عن السوبر تخلف الفائق فهي التالية: السوبر تخلف الفائق = تلقي المعلومات ÷ إنتاج المعرفة. فمع زيادة تلقي المعلومات وتناقص إنتاج المعرفة، يفقد الإنسان إنسانيته ويتحوّل إلى آلة مما يجعله يستخدم المنجزات الحضارية كالعلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة والإنسان. حين يغدو الفرد متلقياً للمعلومات بدلاً من أن يكون مُنتِجاً للمعرفة، يصبح عندئذٍ كينونة منفعلة بالمعلومات التي يتلقاها بدلاً من أن يكون فعّالاً في إنتاج المعرفة. وبذلك يخسر الفرد إنسانيته الكامنة في الإبداع المتمثل في بناء المعرفة على ضوء التفكير المنطقي والعلمي. و بفقدان إنسانيته يستغل الفرد المعارف والعلوم و ما تتضمن من تكنولوجيا لتدمير الإنسان و حضارته كأن يشارك في ارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر من خلال مثلاً استخدام معلومات الذكاء الاصطناعي لتحديد مَن سيقتل وكيف سيقتله. لقد أمسى السوبر تخلف الفائق المنظومة الأساسية السائدة في الشرق والغرب معاً. فمعظم البشر ليسوا سوى متلقين للمعلومات بدلاً من أن يكونوا منتجين للمعرفة و ذلك مثلاً من خلال اعتمادهم على التلفون الذكي كمصدر للمعلومات بدلاً من المساهمة في الإنتاج المعرفي والإبداع الحضاري.
ثمة فرق بين المعلومات والمعرفة. فالمعلومات إما صادقة و إما كاذبة والحصول عليها يجعلنا مجرّد متلقين بينما المعرفة صادقة بالضرورة المنطقية والعلمية و لا تتحصَّل سوى من خلال المشاركة في إنتاجها على ضوء التفكير المنطقي والاستنتاج العلمي. وبذلك المعلومات تحوِّلنا إلى كينونات منفعلة بينما المعرفة تمكّننا من امتلاك إنسانيتنا من خلال جعلنا فعّالين في إنتاجها. على أساس هذه الاعتبارات، معظم شعوب الأرض فقدت تحضّرها وإنسانيتها لأنها مجرّد كينونات منفعلة مستهلكة لمعلومات مُحدَّدة سلفاً مما مكَّن من سيادة السوبر تخلف الفائق.





