كتبت: راضية تومي*
منى محمد صالح شاعرة وقاصة من السودان وتعود أصولها إلى إريتريا. تنتمي إلى هويّات متعددة تميّزها ملامح الذاكرة المشتركة والروح الإنسانية الممتدة.
ترى الشاعرة أن الأدب هو مساحة للذاكرة وطرح الأسئلة ومحاولة لفهم العالَم خارج حدود المباشر حسب تعبيرها. وزيادة على كتابة الشعر والقصة القصيرة، تكتب منى محمد صالح المقال الأدبي.
كتبتْ منى محمد صالح قصيدة عنوانها “خطأ صغير في هندسة الكون” بتاريخ 30 مايو 2026. ونص القصيدة هو كالتالي:
خطأ صغير في هندسة الكون
في طفولتي
لم يكن لنا بيتٌ
كان لدينا خطأ صغيرٌ
في هندسة الكون.
هفوةٌ من هفوات السماء؛
لذلك كانت العصافيرُ تدخل نومنا
من الجهةِ التي يخرج منها المطر.
تأويل القصيدة:
إن القراءة المتمعنة للقصيدة تكشف أنها تمتاز بالكثافة والاقتصاد اللغوي والانزياحات في المعنى. كما يلاحظ القارئ أن الكلمة المحورية فيها هي “بيت”. وسواء كان هذا البيت حقيقيا أم مجازيا فهو الحجَر الأساس لهذه القصيدة. يصرّح المتحدث (أو المتحدثة) في النص بأنه لم يكن له بيت في فترة الطفولة (لم يكن لنا بيتٌ). وهؤلاء ال”نا” هم العائلة، عائلته. يبدو هذا القول غريبا بعض الشيء. فالبيوت هي المكان الطبيعي الذي يعيش فيه كافة الناس ويرتاحون فيه وينامون فيه. صحيح أن مفهوم البيت من حيث البناء والمواد والشكل يتغير من ثقافة إلى أخرى، لكنه بشكل عام مفهوم عابر للثقافات يرمز للعائلة واجتماع أفرادها ومشاركة حياتهم مع بعض. لذا يبدو الأمر غريبا أن لا يكون لعائلة المتحدث في القصيدة، بيت. لكننا سنعرف حينما نقرأ بقية أسطر القصيدة أن البيت موجود لكنه بيت يشكِّل “خطأ”، وهذا في قول الشاعرة:
كان لدينا خطأ صغيرٌ
بمعنى أنه لم يكن بيتا بالمفهوم المعتاد بل هو بيت به خطب ما. فهو غير منسجم مع هندسة الكون أو أن موقعه الجغرافي غير مناسب. تتيح لنا قراءة بقية الأسطر فهْما أعمق وأفضل لماهيّة هذا الخطأ. فالبيت الموجود مثلا في مناطق الصراع والحروب ليس بإمكانه حماية ساكنيه، بل إن المكوث فيه يشكّل خطرا عليهم. والبيت المتهالك المتصدّع لا حيلة له للوقوف في وجه عدوان محتمل. لذا قد يكون مِن الخطأ البقاء فيه بالنسبة للبعض. ولكن لا يختار الساكن بيته عندما يكون هذا البيت مدينته أو وطنه الأم. أجل، إن المعنى الثاني للبيت في القصيدة هو الوطن. من ذا يختار موطن ولادته وجذوره الأولى؟ لكن عندما يولد الإنسان ويترعرع في منطقة تعاني من شر الحروب، أهلية كانت أو خارجية، فإنه يعيش حياة تحدّق بها المخاطر. لذا يفكر هذا الإنسان أن وجوده في بلد يتعرض فيه لخطر الموت اليومي بسبب صراعات هو ليس طرفا فيها أو صراعات قاتلة ولكن عبثية قد يكون خطأ كبيرا وهفوة ارتكبها القدَر، لذا قد يضطر هذا الشخص وغيره إلى هجرة قسرية لحماية أنفسهم من خطر الموت، رغم حبّهم لأوطانهم الأصلية وتعلّقهم بها. فيُفرض عليهم المنفى الذي يمنحهم السلام وغربة في الوقت نفسه بعيدا عن الوطن/البيت. وقد يتعدد المنفى ويصبح منافي عديدة تفرضها الظروف القاسية والمتغيرة في حياة المهاجرين.
كل إنسان يأتي إلى هذا العالَم يحلم بحياة كريمة وأول ما يبحث عنه هو الأمان كي يعيش مطمئنا على نفسه وعلى أرواح أحبائه، فإذا انتفى الأمان الذي مصدره قوة البلد أو حالة السلام، تصبح الحياة جحيما يؤرّق من حوصر داخله.

ثم تتكلم الشاعرة على لسان المتحدث (ة) عن العصافير التي قد تكون كناية عن الأطفال أو عن الحرية الهشة في قولها:
لذلك كانت العصافيرُ تدخل نومنا
هاته العصافير التي تلجأ إلى عالم الأحلام كي تعيش بأمان لأن الواقع مرّ والأمان غير مستتب فيه، مما يشير إلى حجم المعاناة التي يعيشها سكان ذلك البلد أو تلك المنطقة التي تعيش تحت نار الحروب. وبالمقابل، تخرج الأمطار من المكان ذاته الذي دخلت منه العصافير. أي أن الشاعرة تصنع تقابلا بين دخول العصافير وخروج الأمطار في قولها:
[…] كانت العصافيرُ تدخل نومنا
من الجهةِ التي يخرج منها المطر.
وهما سطران يدلان على حركية مستمرة في المكان وربما يعني ذلك أن الأطفال يحاولون العيش داخل أحلامهم كي يحتموا من وطأة الواقع القاسي والمخيف. أما الأمطار فقد ترمز إلى دموع الحزن التي لا تتوقف عن السّيلان.
الترجمة:
قمت بترجمة القصيدة إلى اللغة الفرنسية وكانت هذه هي النتيجة:
Une petite erreur dans l’architecture de l’univers
Quand j’étais enfant
Nous n’avions point de maison
Nous avions une petite erreur
Dans l’architecture de l’univers
Une bévue du ciel
C’est pourquoi les oiseaux entraient dans notre sommeil
Par l’endroit d’où sortait la pluie.
اتبعتُ جزئيا استراتيجية الترجمة الحرفية التي تحدّث عنها أنطوان برمان (وهي ليست الترجمة كلمة بكلمة) للحفاظ على بعض خصائص النص الأصلي، كما اخترت مفردات محددة مثل: ((enfant/maison لصنع موسيقى معينة في النص الفرنسي لِترنّ في أذن القارئ بشكل جذاب.
يمنح الشعر فضاء للتأمل والحُلم والبوح والهروب من واقع صعب لم يختره الإنسان الذي يعيشه. وتمنح اللغة الشعرية الأدوات التي تتيح للشاعرة صنع عالمها الخاص الذي تزرع فيه بذور الأمان والأحلام الجميلة. وقد تكون اللغة هي بيت الشاعرة التي تختار أن تستقر فيه وتغرس في تربته أشجار ذاكرتها.
بطاقة عن الشاعرة:
منى محمد صالح، كاتبة من السودان، أصولها إريترية. تكتب الشعر والقصة القصيرة والمقال الأدبي، وتهتم بالموضوعات المرتبطة بالذاكرة والمنفى والهوية والإنسان. نشرت نصوصا في العديد من المنصات والمجلات الأدبية العربية، وما تزال تواصل تجربتها الكتابية بين الشعر والسرد.
*راضية تومي كاتبة جزائرية





