د.عبد المنعم همت
في اللحظات المفصلية من حياة الشعوب، حين تتكاثف الأزمات، وتتزاحم المآسي، وتضيق فسحة الأمل، يكون الرهان الحقيقي على وعي الإنسان بقدرته على التحول، لا على قدرته على التحمل. فكم من أمةٍ أجادت فن الصبر حتى تحولت إلى ضحية له، تجرّعته جرعة بعد أخرى، إلى أن أصبح الإرجاء فيها عادة، والتأجيل حكمة، والموت البطيء قدرًا. تلك الشعوب لم تكن تفتقر إلى الذكاء أو التاريخ أو الإمكانيات، بل إلى لحظة قرار كانت تتطلب شجاعة الخروج من الكهوف، لا مزيدًا من التكيف داخلها.
إن أحد أكبر الأخطاء التي ترتكبها المجتمعات المأزومة هو اللجوء إلى المسكنات النفسية والرمزية بدلاً من خوض غمار المواجهة الفكرية والتحول الجذري. ذلك النوع من “التدبير الخاطئ” لا يأتي غالبًا من الجهل، بل من الخوف المقنع بالحكمة، من القلق الذي يرتدي عباءة الصبر، من الذكاء العاجز الذي يعرف موضع الخلل لكنه لا يملك جرأة المواجهة. وهنا بالضبط تكمن المفارقة: أن يكون الإنسان قادرًا على تشخيص علله، لكنه غير راغب أو غير مؤهل للشفاء منها.
فالصبر، رغم ما له من حمولة أخلاقية ودينية وثقافية، يمكن أن يتحول إلى أداة قتل ناعم حين يُستخدم ذريعةً لتجميد الحراك، أو غطاءً لتأجيل التحول. والمجتمع الذي يُدمن المسكنات سيجد نفسه يومًا وقد فقد الإحساس تمامًا، لا بالألم ولا بالأمل. ذلك أن لحظة التحول، إن لم تُقتنص في وقتها، تتحول إلى ثقب أسود يبتلع الإمكانات، ويترك الإنسان في مواجهة أشباح الفرص الضائعة.
وحين نتحدث عن المشكلات التي تمس الثقافة والهوية والإنسان، فإننا لا نتحدث عن تفاصيل قابلة للإهمال أو التجاوز، بل عن الجذور التي تحدد شكل المجتمع ومصيره. إنها القضايا التي إذا أُهمِلت أو أُرجئت، تحولت إلى أمراض مزمنة تنهك الجسد الثقافي وتشوّه الوعي الجمعي. إذ لا يمكننا أن نبني مشروعًا وطنيًا أو حضاريًا على أرض ثقافية مهترئة، أو على هوية متآكلة، أو على إنسان مسحوق لم يعد يؤمن بذاته. ولذلك فإن “التدبير” هنا لا يعني التخطيط البيروقراطي ولا الإدارة التقنية، بل الوعي الفلسفي العميق بمصادر العطب، واستشراف آفاق المعالجة عبر مشروع ثقافي شامل يعيد بناء الإنسان قبل أن يعيد بناء المؤسسات.
وهنا ، تبرز مسؤولية المثقف النوعي بوصفه ضمير المرحلة، وليس مجرد شاهد عليها. المثقف الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع أو التبرم منه، بل يدرسه بعمق، ويتفاعل معه، ويسعى لتحويل وعيه إلى مشروع قابل للتحقق. لكنه، ورغم كل هذا، لا يستطيع وحده أن يكون بديلاً عن الحركة الاجتماعية، ولا أن ينجز وحده ما تتطلبه منظومة متكاملة من الفعل الجماعي. فالمثقف لا يملك عصًا سحرية، بل يحتاج إلى شبكة واعية تحيطه، إلى منابر تترجم أفكاره، إلى بيئة تتفاعل مع رؤاه وتحولها إلى برامج، وإلى مجتمع لا يكتفي بالتصفيق له بل يشاركه الحلم والمسؤولية.
غير أن هذه الشبكة، في واقع مثل واقع السودان، تكاد تكون ممزقة. إذ تقف الخصومات الحادة، والانقسامات الأيديولوجية، والولاءات الضيقة، حجر عثرة أمام نشوء وعي جمعي حاضن للأفكار الجديدة. كلما حاول صوت العقل أن يخرج، غطته ضوضاء الصراع، وكلما أرادت فكرة أن تنمو، صادفت جدارًا من الشك أو العنف أو التجاهل. وفي خضم هذه الفوضى، تنزوي المسارات الجميلة، وتُهمّش الرؤى البناءة، ليبقى المجال مفتوحًا أمام من يملكون قوة الخطاب لا عمقه، وأمام من يجيدون إثارة الغرائز لا تحفيز العقول.
إننا، حين نقبل بالأذى ونُطبع معه، حين نُدرب أنفسنا على التأقلم مع المعاناة بدلاً من رفضها، فإننا نتحول تدريجيًا إلى كائنات مستلبة، عاجزة عن الغضب الإيجابي، عن الغليان الضروري للتغيير. التأقلم، حين يصبح سلوكًا عامًا، لا يدل على الحكمة، بل على تراجع في منسوب الكرامة الجمعية. والمجتمع الذي يتقن لعب دور الضحية، يجد نفسه بعد حين وقد تماهى مع جلاده، وصار يرى في ظلمه نظامًا، وفي قهره قدرًا، وفي معاناته بطولة.
وهذا ليس قدر السودان، لكنه واقعه المأزوم، والذي لا يمكن أن يُفهم دون تفكيك بنيته الثقافية والسياسية والاجتماعية. إنه بلد يتمزق بين إرث استعماري لم يُفكك بعد، وبين نخب سياسية تعيد إنتاج الماضي في خطابها وسلوكها، وبين جماهير أُرهقت حدّ الغياب. ووسط هذا كله، ينهض سؤال: أين الفاعل الثقافي؟ أين تلك القوة الناعمة التي تُبنى بها الأمم؟ الإجابة ليست في غياب المثقف فحسب، بل في عزله، في تحويله إلى شاهد عاجز، أو في وضعه في خانة الشك والتخوين.
وفي هذا المعنى، فإن الثقافة ليست ترفًا كما يظن البعض، بل هي المجال الذي تُعاد فيه صياغة الإنسان. لا نهوض من دون ثقافة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بين الفرد والجماعة، بين الذات والآخر. والمجتمع الذي يحتقر الثقافة، أو يرى فيها شيئًا هامشيًا، هو في الحقيقة مجتمع يعطل أدوات خلاصه، ويغلق أبواب نجاته.
الثقافة، كما يفهمها العقل الفلسفي، ليست محض إنتاج رمزي، بل هي ممارسة للحرية، وتمرين على التفكير، وشكل من أشكال المقاومة الهادئة. إنها الأرض التي تنبت فيها الأسئلة، وتُصاغ فيها الرؤى، ويُعاد فيها تشكيل الوعي. ولهذا فإن السلطة، أيًّا كان نوعها، تخشى المثقف الحقيقي، لأنه لا يُهادن، ولا يتواطأ، ولا يبحث عن تسويات سريعة، بل يعمل على المدى الطويل، ويغرس حيث لا يرى الناس شجرة، لكنه يعرف أن الثمار قادمة.
ولذلك، فإن المجتمعات التي تنهض لا تفعل ذلك من خلال الانقلابات أو التحولات السطحية، بل من خلال إعادة إنتاج خطابها الثقافي، من خلال المصالحة مع ذاتها، عبر مراجعة تاريخها لا تقديسه، وفضح أخطائها لا دفنها، والانفتاح على مستقبل لا يُصاغ بردود الفعل، بل بالمبادرة الجريئة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأمم التي تهرب من الألم المؤقت تقع في معاناة دائمة، وأن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في الانتصار على العدو، بل في الانتصار على الخوف، وفي تجاوز الرغبة في البقاء ضمن منطقة الراحة، تلك المنطقة التي وإن بدت آمنة، إلا أنها قبر مفتوح لمن يرفضون التحول.
إن الشعوب تُهزم حين تفقد شهيتها للحلم، حين لا تعود قادرة على تصور مستقبل أفضل، حين يتراجع الخيال إلى درجة يصبح فيها الواقع الكارثي هو المعيار الوحيد للحكم. وعندها، ينشأ ما يسميه بعض المفكرين “الواقع الطبيعي للمأساة”، حيث تُمارس السياسة كإدارة دائمة للأزمة، وتُصبح الثقافة مجرد تعليق ناعم على جدار الخراب.
السودان لا يحتاج إلى المزيد من الصبر، بل إلى ثورة وعي. لا إلى خطب جديدة بل إلى مخيلة جديدة. لا إلى قادة يكررون ما سبق، بل إلى عقول تبتكر ما لم يحدث. وهذا لا يكون إلا بالخروج من لعبة التوازنات التقليدية، ومن منطق التعايش مع الألم، والدخول في مشروع نهضوي شامل، يتجاوز الأحزاب والطوائف والقبائل، ليبني إنسانًا جديدًا قادرًا على الفعل، لا على التأقلم.
لكن هذا لا يكون بشعارات عاطفية، بل بمشروع معرفي، بمراجعات حقيقية، وبإعادة تعريف للمثقف ودوره. المثقف الذي لا يُزعج مجتمعه لا يستحق صفة المثقف، والذي لا يتحدى الثوابت الجوفاء، لا يُحدث تحولًا. فالثقافة الحقيقية هي التي تصنع الاضطراب الإيجابي، وهي التي تحرك المستنقعات الراكدة، لا التي تزينها بالكلمات.
لقد حان الوقت لأن ندرك أن التغيير ليس لحظة رومانسية، بل معركة فكرية وأخلاقية. وأن الإنسان، حين يُهزم في داخله، لا ينتصر خارجه. وأن الشعوب، حين تُدمن الانتظار، فإنها تموت واقفة.
لذلك، فإن مسؤوليتنا الآن ليست فقط في أن نُدين الواقع، بل في أن نعيد تشكيله. لا أن نلعن الظلام، بل أن نجرؤ على إشعال نار، حتى وإن كانت صغيرة. لأن الشرارة الأولى، وإن بدت ضئيلة، قادرة على إشعال حرائق الأسئلة.
وإن لم نفعل، فإننا لا نخون فقط حاضرنا، بل نُجهض إمكانات المستقبل.
فإما أن نكون شهداء الوعي، أو أسرى التأجيل.





