عبدالعليم مبارك*
في قلب الجزائر العميقة، حيث تتلاقى جبال الأوراس مع سهول الشرق، وُلد رجل قُدّر له أن يصبح أحد أبرز أعلام الثقافة العربية المعاصرة. من أرض الحراكتة الممتدة بين باتنة وخنشلة، انطلق الطاهر وطار ليخط مسيرة استثنائية جمعت بين النضال السياسي والإبداع الأدبي، محتضناً لقب “رائد الرواية الجزائرية باللغة العربية” بجدارة لا تُضاهى.
*من الجذور الأمازيغية إلى عالمية الأدب*
نشأ وطار في كنف أسرة أمازيغية عريقة، وكان الطفل المحظوظ الذي جاء بعد فقدان والدته لثلاثة أطفال قبله، ما جعله محط عناية وتدليل خاصين. هذه البداية المؤثرة شكّلت شخصيته الحساسة التي انعكست لاحقاً في أعماله الأدبية العميقة.
في ظل الاستعمار الفرنسي الذي كان يقيّد تعليم الجزائريين، وجد وطار طريقه إلى المعرفة عبر مدرسة جمعية العلماء المسلمين عام 1950، ثم انتقل إلى معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة. لكن اندلاع الثورة التحريرية غيّر مجرى حياته تماماً، فسافر إلى تونس ليدرس بجامع الزيتونة قبل أن ينضم إلى صفوف جبهة التحرير الوطني في 1956.
*مثقف ثائر في زمن التحولات*
لم يكن وطار مجرد كاتب يراقب الأحداث من بعيد، بل كان مناضلاً حقيقياً عمل في اللجنة الوطنية للإعلام ثم مراقباً وطنياً حتى إحالته على التقاعد المبكر عام 1984. هذه التجربة النضالية أثرت عمق كتاباته وأكسبتها طابعاً واقعياً مؤثراً.
في المجال الإعلامي، كان وطار رائداً حقيقياً. أسس أول أسبوعية في تاريخ الجزائر المستقلة “الأحرار” عام 1962، تلتها “الجماهير” في 1963، و”الشعب الثقافي” في 1974. رغم إغلاق هذه المنابر تباعاً من قِبل السلطات، إلا أن وطار لم يتوقف عن محاولة إيجاد فضاءات للتعبير الحر والفكر النقدي.

عندما أسس جمعية “الجاحظية” عام 1989، لم يكن يعلم أنها ستصبح ملاذاً آمناً للمثقفين والكتاب خلال العشرية السوداء. في زمن كان فيه الرصاص يحصد الأقلام، وقف وطار شامخاً يدافع عن حق الفكر في الوجود والتعبير.
موقفه من إلغاء انتخابات 1992 وتعليقه على اغتيال الطاهر جاووت أثار جدلاً واسعاً، لكنه كان دائماً صادقاً مع مبادئه، رافضاً الانحياز الأعمى لأي طرف على حساب الحقيقة والعدالة.
*إبداع يتجاوز الحدود*
في “اللاز” (1974)، تجرأ وطار على انتقاد الثورة من الداخل، مسلطاً الضوء على تناقضاتها واغتيال مثقفيها. وفي “الزلزال”، حاكم النزعة الإقطاعية وانتصر لسياسات التأميم. هذه الجرأة الأدبية جعلت أعماله تُترجم إلى أكثر من عشر لغات، محطمة الحدود الجغرافية والثقافية.
روايات مثل “الحوات والقصر” و”العشق والموت في الزمن الحراشي” و”عرس بغل” و”الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي” أصبحت علامات فارقة في تاريخ الأدب العربي. كما أن قصصه الطويلة مثل “الطعنات” و”الشهداء يعودون هذا الأسبوع” ترجمت إلى أعمال سينمائية ومسرحية حصدت جوائز مهمة.
*إرث خالد وتقدير عالمي*
التقدير لم يأت فقط من الوطن العربي، بل من المنظمات الدولية أيضاً. جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية وجائزة اليونسكو للثقافة العربية عام 2005، وجائزة مؤسسة العويس للقصة والرواية 2010، كلها شهادات على عمق تأثير أعمال وطار.
عندما رحل في 12 أغسطس 2010 عن عمر يناهز 74 عاماً، فقدت الثقافة العربية أحد أبرز أعلامها. لكن إرثه الأدبي الزاخر، الذي يُدرّس في جامعات العالم، يبقى شاهداً على عبقرية رجل جمع بين الالتزام والإبداع، بين النضال والفن، ليُثبت أن الكلمة الصادقة قادرة على مقاومة كل أشكال القهر والظلم.
الطاهر وطار لم يكن مجرد كاتب، بل كان ضمير أمة وصوت جيل آمن بأن الأدب رسالة قبل أن يكون متعة، وأن المثقف الحقيقي هو من يقف مع الحق حتى لو كان وحيداً.
كاتب و روائي مصري





