المجلة الثقافية الجزائرية

الطفلة التي بداخلي

  د. رفـیـقـة دريسي

على سریري في غرفتي المظلمة أحاول جاھدة أن اغمض عیناي لعل ھذا الضجیج یھدأ في عقلي، أغمض عیناي أخیرا لكن لا أنام أرى نفسي من الأعلى كأني في سطح الغرفة أتابع المشھد.
طفلة صغیرة تركض وتلعب تحت ظلال أشجار بیتھا الصغیر الذي یحتویھا ھي ووالدیھا، طفلة لا تعرف أن ھناك مساحة أكبر من ھذا الفضاء الذي تعیش فیھ صباح مساء.
تجري لمتابعة كرتونھا المفضل، وتنادیھا أمھا لتناول شيء تحبھ.. الفرح والبھجة یغمر الطفلة وھي تحادث والدیھا وتحكي تفاصیل یومھا المدرسي یأتي المساء لیسرقھا النوم تحت ظل الشجرة وھي تستمع لحكایات والدھا.. لیوقظھا في صباح الغد ویخبرھا كیف حملھا إلى فراشھا دون وعي منھا.
أرى طفلة أحبت الحیاة فحلمت وقاومت لتحقق أحلامھا، ثم استیقظت فجأة لتجد كل أحلامھا خراب وتتحول الأحلام إلى كوابیس مخیفة.
أرى طفلة نامت في حضن والدیھا لتستیقظ وتجد نفسھا بمفردھا، تبحث في الغرف فلا تجد أحد.
تبدو طفلة رغم ملامح الشباب فیھا، تنتظر عند باب المنزل الذي لن یفتح أبدا وتنادي والدیھا اللذان استوطنا التراب الذي كانت تحب اللعب بھ ولا تدري أنھ سیغدرھا ویخبئ عنھا أعز ما لدیھا.
أرى طفلة تجري منذ زمن كأن الأرض من تحت قدمیھا ھي التي تجري وھي واقفة في زمن واحد لا تتحرك، تقابل الكثیر من الناس لكن لم تعد تثق في أحد وتعرف أن لا أحد سیبقى معھا.
تحاول الطفلة البحث في وجوه المارة عن بعض ملامح والدیھا، وعن بعض حنانھما فلا تجد غیر
الاستغلال والكذب.
تجري الطفلة في غابة كبیرة والذئاب تحدق بھا من كل جانب، تخفي خوفھا لكنھ یظھر جلیا رغما عنھا.
ملامح الطفولة والضحكة لا تفارقھا لكن عیناھا تلمع بدموع تحبسھا كي لا تفضح ضعفھا.
كل منا مازال الطفل في داخلھ یظھر أحیانا، والطفلة التي في داخلي مازالت لا تستوعب كیف استفاقت فجأة لتجد نفسھا وحیدة في غرفة في غیر منزلھا، أیمكن أنھا نامت تحت ظل الشجرة مرة أخرى وحملھا والدھا دون وعي منھا كعادتھ لفراشھا وذھب للأبد. أم أن أمھا غضبت منھا لأنھا تركت السریر
قبل أن تأذن لھا.