المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

العقل والنصّ: جدليّة المعرفة والإيمان في الفكر القرآنيّ وفلسفة التأويل

يحيى عباسي بن أحمد

المقدمة: إشكالية الصراع الموهوم بين العقل والنقل
منذ البدايات الأولى لتكوّن الفكر الإسلاميّ، لم تهدأ تلك الجدليّة القديمة التي وضعت العقل في مواجهة النصّ، وجعلت منهما خصمين أبديين بدل أن يكونا شريكين في رحلة الوعي.
هذا الصراع، الذي وُلد من رحم التأويل المختلف للنصّ القرآنيّ، تحوّل مع مرور الزمن إلى ثنائيةٍ حاكمةٍ للعقل الإسلاميّ:
هل يُقدَّم النصّ على العقل؟ أم يُقدَّم العقل على النصّ؟
ولئن بدا السؤالُ منطقيًّا في ظاهر الخطاب، فإنّ جوهره يحملُ مفارقةً ميتافيزيقيّة عميقة: إذ كيف يمكن لِما صدر عن الله أن يتعارض مع ما خلقه الله في الإنسان؟
إنّ العقل والنصّ في الأصل وجهان لحقيقةٍ واحدة؛
فالعقلُ هو أداةُ الفهم التي أودعها الله في الإنسان، والنصُّ هو المجال الذي تُستَثمر فيه تلك الأداةُ.
غير أنّ التاريخ الدينيّ والسياسيّ للفكر الإسلاميّ حوّل العلاقة بينهما إلى ساحة خصامٍ بدل أن تكون مجال تفاعلٍ، فاستُخدم النصُّ لتقييد العقل، والعقلُ لتأويل النصّ وفق مصالح أو سياقاتٍ سلطويّة.
لقد وجد المفكرون الكبار أنفسهم أمام ضرورة إعادة تعريف العلاقة بينهما.
فقال ابن رشد: “إنّ الشرع يدعونا إلى النظر، والعقل يرشدنا إلى الإيمان، فهما طريقان للحقيقة الواحدة.”
بينما اعتبر الغزاليّ أنّ العقل هو السبيل إلى تصديق الوحي، لأنّ من لا عقل له لا إيمان له، في حين رأى ابن تيمية أنّ العقل تابعٌ للنصّ لا حاكمٌ عليه، فهو “سراجٌ يُستنار به في فهم كلام الله، لا في منازعته” .
وفي الفكر المعاصر، تجاوز طه عبد الرحمن هذا الخلاف القديم، فاعتبر أنّ العقل المؤيَّد هو العقل الذي يُستنير بالوحي في فعله التأويليّ، لا الذي ينفصل عنه.
إنّ الإشكاليّة التي يعالجها هذا المقال لا تتعلّق بإعادة إنتاج ذلك الجدل الكلاسيكيّ، بل بتفكيك المقدّمة الخاطئة التي قام عليها:
فالعقل والنصّ ليسا مجالين متوازيين منفصلين، بل منحدران من مصدرٍ واحدٍ هو الله تعالى.
وما يُسمّى بالصراع بينهما ليس سوى انعكاسٍ لقصور الوعي الإنسانيّ في إدراك وحدتهما.
ينطلق هذا البحث من فرضيّةٍ قرآنيّةٍ أساسيّةٍ تقول إنّ العقل والنصّ يتكاملان في بناء الوعي والإيمان، وأنّ الجدل بينهما يجب أن يُستبدل بـ فلسفةٍ قرآنيّةٍ للتأويل، تجعل العقل أداةً لفهم النصّ لا لمنازعته، والنصّ مجالًا لترقية العقل لا لتجميده.

أصل الثنائية ومنشأ الإشكال
تاريخيًا، وُلدت ثنائية “العقل والنقل” في ظلّ التنازع بين المدارس الكلاميّة والفلسفيّة في القرون الأولى.
فحين رفعت المعتزلةُ شعار العقل ميزان التكليف، رأى خصومهم من الأشاعرة أنَّ العقل لا يُوثَق به في مسائل الغيب، وأنّ النصّ هو المرجع الأعلى الذي لا يُقاس عليه.
ثمّ جاءت الفلسفةُ الإسلامية لتُعيد طرح المسألة من منظورٍ ميتافيزيقيٍّ جديد؛ فـالفارابي وابن سينا قدّما تصوّرًا يجعل العقل الكونيّ مظهرًا للوحي الإلهيّ، بينما جعل ابن رشد من النصّ والحكمة طريقين متوازيين إلى الحقيقة.
هذا الانقسام التاريخيّ لم يكن علميًّا فحسب، بل كان أيضًا اجتماعيًّا وسلطويًّا؛
فحين استُخدم النصّ لتبرير السلطة، لجأت بعض العقول إلى تأويله بدعوى التحرّر، وحين استُخدم العقل لتفكيك الدين، تحصّن النصّ في معقله المغلق.
وهكذا ضاع الإنسان بين عقلٍ بلا إيمانٍ، وإيمانٍ بلا عقل.
يُعيد القرآنُ ترتيب هذه العلاقة منذ بدايته، في قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ .
هذه الآية لا تبدأ بالخلق، بل بالتعليم.
فالله يقدّم الكلمة على الوجود الماديّ، وكأنّ البيان سابقٌ على الإنسان، إشارةً إلى أنّ العقل والنصّ يتولدان معًا من رحم الكلمة الإلهيّة.
وقد التقط عبد الجبّار الرفاعي هذه الفكرة في قوله:
“العقل في جوهره ليس نقيض الإيمان، بل هو طريقه الأخلاقيّ نحو الفهم. ” ، فالعقل عند الرفاعي ليس ضدّ الوحي، بل وسيلته للعبور من المعرفة إلى المعنى، ومن الفهم إلى القرب.
بهذا المعنى، فإنّ أصل الإشكال ليس في النصّ ولا في العقل، بل في الإنسان الذي حوّل التكامل إلى صراعٍ، والتفاعل إلى خصومةٍ، والعلم إلى سلاحٍ في معركة الأنا والمقدّس.

العقلُ والنصّ بينَ التَّراتبِ والتَّكامُل
حين ننتقل من السؤال التاريخيّ إلى السؤال الوجوديّ، نكتشف أنّ الصراع بين العقل والنصّ لم يكن صراعًا في الأصل، بل سوءَ فهمٍ للتراتبية الإلهيّة بين المصدر والأداة.
فالعقلُ في المنظور القرآنيّ مخلوقٌ، والنصُّ موحى به، وكلاهما منسوبان إلى الله تعالى.
فكيف يتنازع ما صدر عن الواحد؟
﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ 
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ 
هاتان الآيتان تكشفان مبدأين تأسيسيين:
الأوّل: أنّ العقل سابقٌ في الوجود الوظيفيّ، فهو المهيّأ لتلقّي المعنى.
الثاني: أنّ النصّ سابقٌ في الوجود القيميّ، لأنّه الميزان الذي يُقوّم فعل العقل ويهديه.
العلاقة بينهما إذن ليست تراتبية تسلّطية، بل تراتبية وظيفية تؤسس للتكامل:
العقل يتلقّى والنصّ يوجّه، العقل يفكّر والنصّ يضيء، العقل يسأل والنصّ يُلهم.
ولعلّ أجمل تصوير لهذه الجدلية ما أورده ابن رشد في كتابه فصل المقال: “إذا كان مقصد الشريعة هو تعليم الحق، ومقصد الحكمة هو النظر في الحق، فهما إذن يتصادقان ولا يتعاندان.”
يُعيد ابن رشد هنا الاعتبار إلى وحدة المنهج، ويحرّر العقل من تهمة “المعارضة”، فليس من المعقول أن يُعطي الله الإنسان آلة التفكير، ثم يحرّمه من تشغيلها في فهم كلامه.

1. تراتبية المقاصد لا تراتبية القيمة

إنّ القول بأنّ النصّ أسمى من العقل لا يعني انتقاصًا من هذا الأخير، بل بيانًا لوظيفته.
فالنصّ الإلهيّ يحمل “المقصد”، والعقل البشريّ يحمل “الوسيلة”، والوسيلة لا تستقيم بلا مقصد، كما أنّ المقصد لا يُدرَك إلا بوسيلة.
في المنظور القرآنيّ، لا يوجد عقلٌ خارج الوحي، ولا وحيٌ يُفهم خارج العقل.
فالقرآنُ يُخاطب الإنسان ككائنٍ واعٍ قادرٍ على الفهم والاختيار:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ 
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ 
العقل هنا ليس متفرّجًا على النصّ، بل شريكٌ في إتمام معناه.
إذ لا معنى لآيةٍ لا تُفهم، ولا فهمَ بلا فاعليّة عقلٍ حرّ.
وهو ما يشير إليه هايدغر في مفهومه عن الإنصات للوجود حين قال:
“الفهم ليس نتاجًا ذهنيًا، بل انكشافٌ للحقيقة عبر المشاركة الوجودية. ”
وهذا بالضبط ما يفعله العقل القرآنيّ حين ينصت للنصّ بوصفه نداءً لا مجرّد معلومة.

2. تكاملُ الفعلين: الفهمُ والتأويل

العقل لا يكتفي بالفهم، بل يسعى إلى التأويل؛
والتأويل في جوهره ليس تحريفًا للمعنى بل انخراطًا فيه.
يقول الغزاليّ في المنقذ من الضلال: “من ظنّ أنّ بين العقل والشرع خلافًا، فقد جهل العقل وجهل الشرع.”
فهو يرى أنّ التأويل فعلُ عقلٍ مؤمنٍ، لا عقلٍ متعجرفٍ.
وفي المقابل، يؤكد عبد الكبير الخطيبي في الكتابة والتجربة أنّ النصّ “يتوالد في القارئ كما في الأصل” ، أي أنّ النصّ الإلهيّ لا يكتمل إلا بالعقل الذي يتفاعل معه، وبذلك يكون الإنسان شريكًا في إنتاج المعنى لا في التشريع له.
هذا ما يجعل من العلاقة بين العقل والنصّ علاقة تكميلٍ متبادلٍ:
النصّ يمنح العقل مجالًا للتدبّر، والعقل يمنح النصّ حضورًا في الواقع.
فكلّ نصّ بلا عقلٍ ميتٌ في الورق، وكلّ عقلٍ بلا نصّ تيهٌ في الفراغ.

3. من الثنائية إلى الوحدة المعرفيّة

القرآن لا يضعنا أمام خيارٍ بين “العقل” و“النصّ”، بل أمام تكليفٍ بالجمع بينهما.
إنّ ما يسميه الخطاب الفلسفيّ بـ“وحدة الوجود المعرفيّ” هو في القرآن وحدة المصدر والمصير.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ 
هي ليست فقط عبارة تعزية، بل قانونٌ للكينونة:
كلّ ما خرج من الله، يعود إليه — العقل والنصّ كلاهما.
وبهذا المعنى يصبح التكامل بينهما ضرورة أنطولوجية لا خيارًا معرفيًا.
فالعقل إذا انفصل عن النصّ، صار فكرًا بلا جذور؛
والنصّ إذا جُمِّد بلا عقل، صار خطابًا بلا حياة.
القرآن حين يأمرنا بالتفكّر لا يطلب منّا إعادة قراءة النصّ فحسب، بل إعادة خلق وعينا من خلاله.

المحور الثالث: العقلُ كوسيلةٍ للهدايةِ لا كأداةٍ للسّيطرة
العقل، في جوهره القرآني، ليس سيّدًا بل شاهدًا.
وظيفته الأولى ليست أن يُخضع الوجود لمقاييسه، بل أن يهتدي إلى المقاييس التي خُلق لها.
فمنذ اللحظة التي ظنّ فيها الإنسان أنّ العقل يستطيع أن يكون بديلًا عن الوحي، بدأ يفقد وعيه بالمصدر الذي يمدّه بالمعنى.
يقول تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ 
الهداية هنا ليست إلغاءً للعقل، بل توجيهٌ له نحو وظيفته الأصلية؛ أن يكون أداة تمييزٍ لا أداة تسلّط.
العقل القرآنيّ ليس عقلًا حسابيًا كما في الفلسفة الوضعية، ولا عقلًا مغلقًا كما في التقليد،
بل عقلٌ مستنيرٌ بالهُدى، ومنفتحٌ على اللانهائيّ.

1. من العقل المُستقلّ إلى العقل المُسترشد

لقد حاولت الحداثة الغربية أن تفصل العقل عن السماء، فصار مرجعًا لنفسه، يُشرّع ويُحدّد القيم دون مرجعٍ متعالٍ.
ومن هنا تحوّل العقل إلى سلطة لا إلى مسؤولية، وأصبحت المعرفة امتلاكًا لا اهتداءً.
يصف إيمانويل كانط هذا التحوّل بدقّة في نقد العقل المحض حين يقول: “العقل حين يستغني عن حدود التجربة، يقع في أوهامه الخاصة. ”
وهذا بالضبط ما حذّر منه القرآن قبل قرون:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ 
حين يصبح العقلُ هو الإله، تفقد الحرية معناها، لأنّها تتحوّل من حرية الهداية إلى حرية الهيمنة.
العقلُ في المنطق القرآنيّ لا يُختبر بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على التمييز بين الحقّ والباطل.
وهذا ما عبّر عنه طه عبد الرحمن بقوله: “العقلُ في الإسلام عبدٌ لله، لا عابدٌ لنفسه. ”
إنّه عقلٌ متعبّدٌ، لا مُتعالٍ؛
عقلٌ يرى في التفكير عبادة، وفي الفهم خضوعًا لسنن المعنى.

2. الهداية كفعلٍ معرفيّ وأخلاقيّ

الهداية ليست لحظة دينية فقط، بل بنية معرفية متكاملة، تجمع بين الفهم والتزكية، بين الوعي والعمل.
العقلُ الذي يُفكّر في الله، هو نفسه الذي يتطهّر به من وهم امتلاك الحقيقة.
لذلك نرى في سورة الكهف أنّ موسى عليه السلام — وهو نبيّ صاحب علمٍ ووحيٍ —
يتعلّم التواضع أمام علمٍ لم يُؤتَه بعد:
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ 
فحين ظنّ أنّ علمه كافٍ، جاءه الخضر ليدلّه على أن المعرفة هدايةٌ قبل أن تكون استدلالًا.
العقلُ الهادي لا يقف عند السؤال: “كيف؟”، بل يتقدّم إلى السؤال: “لِمَ؟”.
فالسؤال الأول ينتج التقنية، والثاني ينتج الحكمة.
ومن دون الحكمة، يتحوّل العلم إلى خطر، والمعرفة إلى أداة تدميرٍ للإنسان نفسه.
وهذا ما نعيشه اليوم في “عصر العقل الأداتي” الذي وصفه يورغن هابرماس ، حيث انفصلت المعرفة عن القيمة، وصار الإنسان غريبًا عن نفسه رغم وفرة وعيه.

3. تكامل العقل والوحي في بناء الإنسان

العقلُ في القرآن لا يكتمل إلا بوصله بالوحي، والوحي لا يُفهم إلا بالعقل الذي يتدبّر، وهذا التكامل هو الذي يصنع “الإنسان الكامل” بالمعنى الوجوديّ، لا الصوفيّ فقط.
فالإنسان الكامل هو من يُوازن بين إدراكه الحرّ وخضوعه الواعي، يُفكّر لأنه مؤمن، لا رغم إيمانه.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ 
هذه الآية ليست دعاءً للخوف من الضلال فحسب، بل بيانٌ أن الهداية نفسها تحتاج إلى عقلٍ مهتدٍ.
فالعقلُ هنا يُصبح جسرًا لا سدًّا، وسيلةً نحو الله لا وسيلةً لاحتكار الحقيقة عنه.
بهذا الفهم، تنتهي جدلية العقل والنصّ لا إلى مصالحةٍ شكلية، بل إلى وعيٍ جديدٍ يرى أنّ الله لم يخلق العقل ليُعارض وحيه، بل ليكون مرآةً له في عالم الشهادة، حيث يتجلّى اللامحدودُ في فهم المحدود،
ويتجلّى النورُ في العين التي تعرف أنّها لا تُبصر إلا بنوره.

الخاتمة التأملية: حين يستعيد العقل نوره من الكلمة الأولى
حين نرجع إلى أصل المسألة، ندرك أنَّ أوّل ما واجه به اللهُ الإنسانَ لم يكن أمرًا ولا نهيًا، بل كلمة.
كانت الكلمة هي بداية الوعي:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ 
في هذا النداء تتجلّى لحظة اللقاء بين العقل والوحي، بين الفكر والنور.
لم يقل له “آمن”، بل قال “اقرأ”، لأنّ الإيمان نفسه لا يُولد إلا من القراءة، قراءة الكون، قراءة الذات، قراءة الكلمة التي تنبض بين الحروف.
في تلك اللحظة، لم يكن العقل خصمًا للوحي، بل بابًا إليه.
ولم يكن الوحي خصمًا للعقل، بل محرّضًا له على أن يكون أكثر إنسانية.
فكلّ عقلٍ لا يهدي إلى المعنى، هو عقلٌ ضائع في ذاته، وكلّ نصٍّ لا يُنير العقل، هو نصٌّ مسجون في اللغة.
إنّ العلاقة بين العقل والنصّ ليست علاقةَ جدلٍ بل علاقةُ نورٍ بنور:
العقل نورُ الإنسان، والنصّ نورُ الله فيه، فإذا التقى النوران، انكشفت الحقيقة؛
وإذا افترقا، عمّ الظلام، وضاع الطريق بين “العلم” و“المعرفة”، وبين “الخطاب” و“الوعي”.
لقد أراد الله للعقل أن يكون وسيلةَ الهداية، لا وسيلةَ السيطرة؛
وسيلةً للكشف لا للإحاطة، وسيلةً للفهم لا للهيمنة، وسيلةً للمساءلة التي تُثمر إيمانًا، لا شكًّا عقيمًا.
وحين نُدرك هذا، نفهم أنّ الحرية الحقيقية ليست في التفكير بلا حدود، بل في التفكير داخل نور الحقيقة.
إنّ العقل القرآنيّ ليس عقلًا ساكنًا يسلّم دون وعي، ولا عقلًا متمرّدًا يُنكر دون حكمة، إنّه عقلٌ يسير بين خوفٍ ورجاء، بين السؤال والخشوع، بين حدود اللغة واتساع المعنى.
وحين يبلغ هذا التوازن، يصبح التفكير فعلَ عبادة، ويصبح الفهم وجهًا من وجوه الصلاة.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ 
في هذه الآية، تلتقي المعرفة بالإيمان، لا لأنّ الإيمان يكتمل بالعلم، بل لأنّ العلم لا يكتمل إلا بالإيمان.
ذلك أنّ الحقيقة لا تُدرك إلا حين يتواضع العقل أمام منارة الوحي، وحين يُدرك الإنسان أنَّ الحرية الكبرى ليست في أن يعرف كلَّ شيء، بل في أن يعرف حدَّه أمام الله.
وهكذا، حين يستعيد العقل مكانه في سلم الوجود، ويستعيد النصّ حضوره في الوعي،
يعود الإنسان إلى توازنه الأصيل:
كائنٌ من نور التراب، يحمل في ذاته صدى الكلمة الأولى، ويواصل في رحلته بين الأرض والسماء، بحثًا عن المعنى الذي يربط المعرفة بالإيمان، والإنسان بالله.