حاتم السروي
ملاحظةٌ هامة لا تخطئها عين ولا يحيد عنها فكر، إنها مدرسية الفلسفة في عالمنا العربي؛ فالفلسفة عندنا حبيسة الكتب وقاعات المحاضرات في كليات الآداب، ولا صلة لها بالواقع، وكلنا على يقين من معاناة الفلسفة عندنا؛ حيث تطاردها مشكلة مركبة هي سوء السمعة وضعف التقدير؛ بل إنها صارت لدى الكثيرين مرادفة للكفر والإلحاد! مع أن الباحث المدقق لن يبذل كبير جهد حين يكتشف قوة براهين الفلاسفة المؤمنين على وجود الله عز وجل، وهي القوة التي منحها لنا تماسك البرهان ومنطقيته، ونحن إذ نتكلم عن البرهنة فلا شك أنها صنعة الفلاسفة وهم أقدر عليها من غيرهم.
والفلسفة كما علمنا أستاذنا الدكتور “أحمد فؤاد الأهواني” إما حية متصلة بالجمهور، وإما ميتة لا نراها إلا في المدارس والجامعات، وتاريخ الفلسفة ينبؤنا أنها كانت مزدهرة ذات يوم، حين استجاب الفلاسفة لواقعهم وارتبطوا بمشكلات مواطنيهم فتأملوها وشخصوا الداء وكتبوا العلاج من وجهة نظرهم، وحين وضعوا تحت مجهر البحث النُّظُم الاجتماعية القائمة وتسائلوا عن صلاحيتها للتطبيق وهل هناك ما هو أنفع منها؟ وحين وضعوا تفسيرًا للكون والحياة رأوا أنه يلائم عصرهم ويؤدي إلى التقدم، مجتنبين كافة أنواع التقليد للآباء والأساتذة، منطلقين في طريق البحث بذهنية حرة مُتَوَثِّبَة.
باختصار يمكن القول إن الفيلسوف يوم نزل من برجه العاجي إلى أرض الناس وتعثَّر في أوحالهم وناقش ما هم عليه من نقصٍ وفساد، ثم أرشدهم وأخذ بإيديهم نحو التجديد والإصلاح، هنا فقط عاشت الفلسفة وانتعشت.
والأمثلة على هذا كثيرة، فنحن لو ركبنا آلة الزمن إلى عصر فلاسفة اليونان لرأيناهم على اتصال بالناس والحياة، وخير مثالٍ على هذا “فيثاغورس” الذي لم يقتصر على تصنيف الكتب؛ وإنما أنشأ كذلك مدرسة ينتظم فيها الآلاف مانحًا تلاميذه عيون حكمته، و”سقراط” الذي كان يدخل البيوت فيبث فيها فلسفته ويعلم الناس في البساتين والملاعب، و”أفلاطون” صاحب الأكاديمية التي تسير اليوم جامعات العالم على طريقتها، وهو الذي سافر خِصِّيصًا إلى جزيرة “صقلية” ليعلم ملكها الفلسفة ويطبق بهذا نظريته في المدية الفاضلة، و”أرسطو” الذي أسس مدرسةً على غرار أستاذه أفلاطون وكانت بالمعنى الحرفي جامعةً متكاملة، وفيها وجد الطلاب أصناف الحيوان والنبات والخرائط حتى لا تكون دراسة الفلسفة نظريةً مجردة؛ بل تدعمها أصناف الأحياء ويؤيدها النظر والحس، ولا ننسى أن أرسطو كان معلم الإسكندر الأكبر.
ولم تقتصر “حيوية الفلسفة” على ارتباط الفيلسوف بالجمهور والحاكم، ومشاركته الفاعلة في الحياة العامة وقيامه بدوره في التعليم الأكاديمي والكتابة العلمية؛ بل إن ثمَّة ما غذَّى الفلسفة ونمَّاها إلى جانب ما سبق، وساهم في تطوير الفكر الإنساني، وذلك هو “النقد الذاتي” عند الفلاسفة؛ حيث كان كل فيلسوف ينقد أفكاره بنفسه ويطورها؛ فكلما دخل الفيلسوف في مرحلة جديدة من مراحله العمرية عمد إلى أفكاره السابقة بالنظر والتمحيص فأخذ منها الملائم وفقًا للمعطيات المستجدة وطرح منها ما لم يعد يراه مناسبًا، وهكذا رأينا “أفلاطون الكهل” ينتقد “أفلاطون الشاب” ويعدل كثيرًا من آراءه..
وظل الأمر على هذا النحو حتى دخلنا في العصور الوسطى، وهنا رأينا الفلسفة توشك على الهلاك، فالأساتذة والطلاب على حدٍ سواء وقفوا عند حفظ كتب الأقدمين، وجعلوا من أرسطوا نبيًا لا يسوغ الخروج عليه! وأصبحت الفلسفة عبارات يتوه الحكماء في حل طلاسمها وتَجْلِيَة معانيها، ودخل أبناؤها في نزاعات لفظية لا معنى لها، ولم يسلم المسلمون من هذا المصير فقد أصبحت الفلسفة الإسلامية عندهم في مراحلها المتأخرة – بعد الثلاثة الكبار “الفارابي، ابن سينا، ابن رشد”- ألغازًا تضيع العمر، وساهم هذا المصير في منح الفقهاء مبررًا ممتازًا لتحريم الفلسفة بالجملة والقول إنها علمٌ لا ينفع.
وقد حاول “ابن رشد” محاولة نشكره عليها أن ينعش الفلسفة العربية، فكان أن قرَّب الفلسفة من الدين والدين من الفلسفة، وبيَّن للناس أنهما ليسا غريمين، إلا أن صوت الجهل كان أقوى، وزوَّرَ عليه خصومه كلامًا زعموا أنه يؤلِّه به الكواكب! ولو صَحَّت نسبة هذا الكلام إليه لما كان فيه مستندٌ لتكفيرهم إياه؛ لأن “ابن رشد” كان ناقلًا لهذا الكلام عن صاحب الكتاب الأصلي الذي اختصره، وناقل الكفر ليس بكافر.
ثم جاء عصر النهضة ودَبَّت الحياة في عروق الفلسفة، وثار “بيكون” و”ديكارت” على تعاليم أرسطو، ووضع “ديكارت” أساس الفلسفة الحديثة، ولا ينبغي أن ننسى ريادة “بيكون” وإسهاماته في إرساء دعائم هذه الفلسفة، ولا تزال الفلسفة تتطور عند الغرب وتموت عند العرب، ويُطمَس عندنا كل نزوع حر إلى التفكير، حتى أصبح الإنسان العربي – إلا قليلًا- غير متحضر بل مستهلك للحضارة، غير مخترع بل مستهلك للمخترعات، غير مفكر بل مستورد للأفكار!!
• وحتى لا نعيد الكَرَّة ونكتب فلسفةً هي إلى الأحاجي والألغاز أقرب، وحتى لا يعتقد العامة لدينا أن الفلسفة نوعٌ من التخريف! وحتى يحترم الناس الفلسفة حتى وإن لم تنصرف همة أكثرهم إلى العناية بها – فهذا ما لا نطمح إليه، وستبقى الفلسفة نخبوية شئنا أم أبينا- أقول: حتى نتلافى كل ذلك فعلى الباحثين العرب في مجال الفلسفة أن ينظروا إلى الواقع، وأن ينتجوا قراءات فلسفية للعالم المعاصر بحيث تكون المشكلات الراهنة للنوع الإنساني هي محل الأولوية بالنسبة لهم.
إن الفلسفة إكسيرٌ يُدَاوِي عذابات الإنسان، وما أكثر عذابات الناس في حاضرنا، وحتى لو آثر البعض أن تكون كتابتهم للفلسفة تأريخية، فليتهم يعتمدون على مذهب “برتراند راسل” في تأريخ الفلسفة؛ فهو الذي كتب في تاريخ الفلسفة الغربية، وربط هذا التاريخ بالظروف الاجتماعية والسياسية لأوربا الحديثة، ولأنه كتب ما يُفْهَم فقد لاقت أعماله ما هي جديرة به من النجاح، وبهذا أعطى “راسل” قبلة الحياة لتاريخ الفلسفة الغربية.
إن الفيلسوف ليس هذا المجنح الخرافي الذي يعيش فوق العالم المحسوس، وليس هذا العبقري المتأفف من وَسَخ الحياة الدنيا دون أي فعل إيجابي، بل هو الإنسان الواعي المتفاعل مع بيئته والمنتمي إليها، والراغب في إصلاحها بعد الفهم والتشخيص.
ونحن نعاني في بيئتنا العربية من وطأة التراث؛ فنحن في الحقيقة نعيش في هذا التراث بما له وما عليه، ولا نريد أن نقف على ما فيه من مواطن القوة والضعف، أو الكمال والقصور، والعلم والخرافة، إننا في الحقيقة نعبد التراث، ونجترُّ نزاعات علماء “الكلام” وكأنهم يعيشون بيننا، وهمة باحث الفلسفة العربي أن يعلن لقومه بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن التراث ليس إلا تراثًا، وأن الذهن العربي يمكن له أن يفكر بوعيه المستقل في حاضره ومستقبله، وأنه حين يدرس الفلسفة على طريقة “برتراند راسل” سيعرف بالتأكيد كيف يحلل العبارات ويُقَيِّم المفاهيم ويكشف عن أمراض أمته، وبهذا ندرك أنه لا مفر من إحياء الفلسفة وأن تكون الفلسفة للحياة.





