بقلم: بصري محمد باحث من الجزائر.
“”من يفكر أفكارًا عظيمة، غالبًا ما يرتكب أخطاءً عظيمة.”
مارتن هايدغر
“إن الصور المتحركة هي أولا وقبل كل شيء اختراع تقني لا تساوي فيه الفلسفة شيئا” موريس ميرلوبونتي (1945)
هو عالم الصورة بامتياز، بل تم اختزال الوجود البشري داخل إحداثيات رقمية ليغدو طيفا أثيريا بعدما راهنت الفلسفة على الانزياحات الميتافيزيقية لعوالم ما بعد التقنية. فقد أعلن هايدغر عن هزيمة الثقافة أمام ما وراء الطبيعة لتتحول السينما كمخرج ميتافيزيقي ظاهرة تهدد الكينونة وتعبث بالمُتخيل والمتوقع.
السينما ظهرت سنة 1895م مع الأخوين أوجست ولويس لوميير الذين أعادا انبثاقية الفن بترتيب جديد لعلاقة متأصلة بين الفلسفة والصورة ، السينما التي اجتاحت العقل البشري ووضعته داخل مأزق جديد يترواح بين الثابت والمتغير.وعدّلَت من المفهوم الميتافيزيقي الكانطي للزمن الذي لم يعد مسلمة فقط بل بعدٌ جديد ومعطى مفاهيمي جديد أمام حركة الصورة داخل ثباتها. يجب أن نعترف بالسبق الفلسفي لفلسفة الصورة التي انجزها أفلاطون وهو يدشن عصر الفلسفة النظرية والمثالية التي تستند إلى مفهومي المثال/ الصورة والتي تؤكد أن ما نراه وما يخضع كمادة لحواسنا ليس بالضرورة الموجود كحقائق في الراهن والواقع .وهنا اقتحمت نظرية الكهف منعرجا ابيستمولوجيا يراجع العلاقة بين الفكر والحس تحت تأثير فلسفة الصورة أو الظلال ،أمثولة أفلاطون وضعت العقل الاغريقي أمام براديغم جديد مفاده أن الصورة هي النتيجة المترتبة عن المحاكاة للعالم الحقيقي مقابل الصورة السيئة التي تقدم نموذجا مزيفا للعالم والتي يسوقها الشعراء .[1].نجاح نظرية الصورة والمثال الأفلاطونية رهينة بالثورة على أفق الشعراء الفلسفة يجب أن تكون بديلا لقضايا الفن التي لم ترقى لنقل الحقائق . راهن أفلاطون على فلسفة المثال فهي فضاء نشط لثقافة الصورة الحقيقية بعيدا عن التمثيل أو التشبيه بل التماهي النسقي المنظم عقليا .
الصورة في السينما جعلتنا كائنات مُفرِطة في التفكير. تجاوزنا الواقع بمسافات زمنية رهيبة واخترنا بعدًا آخرًا سابعا تتلاشى فيه الماهية الانسانية وتضع الخيال البشري تحت سندان أسئلة الميتافيزيقا الغامضة العميقة . كون الفلسفة تفكير داخل الميتافيزيقا والسينما تعيد انتاج أسئلة الأُمثولة والصورة المُتخيلة، لأن التشكل المجرد للصورة يرتبط بالواقع وفق ايقاع جمالي فني عميق جدا حرك العقل الفلسفي منذ القدم.
لا توجد فلسفة شجعت وشائج اللقاء بين الفيلم والانطولوجيا مثل ما أسهمت به الظاهراتية فهي تُــــــــقِر بوجود كينونة جديدة لم يألفها العقل الانساني التقليدي الذي اعتاد نمطا من الكسل الفلسفي والإيمان المؤقت بالثنائيات وبالنمط السردي للحقائق. الصورة التي يقدمها الفيلم وهو يعبث بالزمن والمكان بل يدمجهما دمجا حلوليا صوفيا حينها يتحول كل من السيناريست والمخرج والممثل إلى مَرَدة وسَّحَــــــــرة يتنقلون بين الأمكنة والحوادث والأزمنة تنقلا أسطوريا يفرض تعاقبا مثيرا وسانكرونية جذابة. السينما تعمل على تجميد الكينونة كما يقول دانييل فرامبتون Daniel Frampton*.
“إن الفيلموسوفي تصف طرق التفكير المختلفة للأفلام ” [2]
في السينما الممثلون لا يضعون أقنعة على وجوههم كما هو الحال في المسرح الإغريقي أو حفلات البذخ الاقطاعية أو أي طقوس دينية أو جنسانية بل يكتفي أبطال القصة بما في ذلك الكومابرس بمساحيق ومواد تجميلية تضفي طابعا جماليا فنيا على المنتوج السينمائي . قد يكون المسرح غامضا يتوارى فيه أصحابه تحت سقف ديني أو اجتماعي أو حتى سياسي ، فبطل التمثيلة قد يتقنع ب”البرسونا” Persona ليضفي طابعا اسطوريا غامضا تقمُصِيا فرديا . الوجه حسب ليفيناس الفيلسوف الليتواني التلمودي ضرورة لانخراط جبري وإلزامي يفرضه التواصل الجماعي فهو يخزِّن كينونة وثابة تتماهى مع الوعي الجماعي.
لا يمكننا أن نعيش خلف أقنعة لكننا قد نجعل المشاهد السينمائية تحتوي الصورة و تختزل التجربة البشرية .فلسفة السينما تضع الآخر في مأزق وجودي فمشهديتها تتوسط الأنا والآخر كونها تحيِّد الوجه الليفيناسي وتقصيه وتعطي الصورة بعدًا مفاهيميا نموذجيا يجعل البشر يسخرون من وجودهم الظرفي والنسبي تحت إمكانية المساءلة الميتافيزيقية. السينما عمدت إلى تفنيد الثالث المرفوع الأرسطي الذي يتجاهل الوساطات المُتخيلة والمنطقية. فاللوغوس السينمائي يقر بفوضى منطقية جديدة تتجه إلى ما يد عى ما بعد المنطق. الفيلموسوفيا أعطت الجسد أهمية قصوى في ضخ المتعة للوعي بالمشاهدة والفرجة بالتعديل التقني في الوجه بل أن السينما كانت بديلا للجسد “فالسينما يمكن أن تكون بديلاً عن الجسد كيف نقوم برؤية إدراكاتها؟” [3]
الإدراكات والمشاعر تتغير وتتحرك وفق ايقاع خطير تفرضه احتفائية الفيلم فهي لا تعبر عن ديمومة برغسونية فقط بل تجعل الذات تتشابك مع موضوعاتها تبعا للمدرك و المعيش الفينومينولوجي. الفن السابع حقق العلاقة البينية بين الذات ومُدركاتها تحت وقع القصدية الظاهراتية الجديدة.بالتالي السينما وضعتنا أمام انماط من التفكير الكثيرة وإزاء أوجه كثيرة داخل بنية فلسفية جديدة للصورة. ” إن الميتافيزيقا باشرت أسئلة وجودية كثيفة مع أفلام مثل “توتال ريكال” الذي لعب بطولته آرنولدىشوارزنيغر عام 1990 وهو يطرح فلسفة الشكوكية كما تتجلى أسئلة ما الموجود مع فيلم المصفوفة ، (ذاماتريكس) 1999 [4] .
إن مفهوم الكينونة اضطرب داخل غرفة الاخراج والإنتاج وأضحى كينونات متعددة والوجه تعددت تقاسيمه وأصبح عابرا للتاريخ والزمن
براديغم كتاب ايلي ونبوءة نيتشه كيف تتماهى الفلسفة مع السينما ..نيتشه في كتاب “هكذا تكلم زرادشت” Ainsi parlait Zarathoustra قدم نفسه كنبي كشاهد على تمرد الانسان الثائر القائم من أوحال الدجل القوطي .زرادشت القادم من الشرق الساحر…إن للشرق غواية الحسناء الميساء التي لا تقاوم جاذبيتها ولا عذوبة أصلها الأرتيموسي .. .كل كُتاب الغرب المشؤوم يحنون إلى مهبط الوحي والحضارات .الشرق هو باكورة الثقافة الانسانية ومعدن العقل والعرفان المبجل. كل من يكتُب يجب أن يشرب خمرة عتيقة قادمة من العصور الكيشية والنسطورية كلما تقادمت زاد لهيب ثمالتها وأسكرت ذائقها لذات اسطورية .تساءل فتحي المسكيني في كتابه “الهوية والحرية ” ما الذي يجعل وثنيا متمردا وكافرا بالقيم يعتنق ديانة هذا الغنوصي المجوسي “زرادشت ” هذا الأخير في الرواية الفارسية كان نبيا..يسترسل المفكر في تساؤلاته الغرائبية “مالسر في هذا الطمع الميتافيزيقي” كل كتابات المابعد و واقعية الملهمة بداية بروح الحضارات لهيغل مرورا بموسيقى فاغنر حتى شوبنهاور وكآبة نيتشة اللامتناهية اخذت عبقها من سكون الشرق وغيبه السرمدي.الغرب وهو يكتب الحانه وينظم اشعاره وحتى أفلامه السنيمائية حانق شديد الغيرة من وعود الله للمشارقة أصحاب البشرة السمراء الفاتحة والأعين السوداء. نهاية العالم كما يصورها فيلم ‘واشنطن دنزل” بعنوان الكتاب الغامض” The Book of Eliأي الانجيل المفقود “لايلي” الفيلم من إخراج الاخوين هيوز، تأليف غاري ويتا،يصور نهاية كارثية للعالم بعد حرب نووية مدمرة ينتقل البطل من الشرق الى الغرب الامريكي لإعادة تسليم الرسائل اليسوعية .ربما هو فيلم تبشيري يؤمن بعودة المسيح ليرفع الظلم والغبن عن المؤمنين، لكن الفيلم يؤرخ للغرب المتخاذل الجاهل الداعر الفاسق الذي يستقي حكمه من الشرق .روح الارض ومركزها هو اكسير الخلود الذي يفوح من الآكاديين والآراميين والإبراهميين والمحمديين أنبياء الله من هناك مروا من قدس الأقداس فليبحث الغرب عن أنبياء جدد لأن الله قد اغلق السماء أمام كل كذاب مغرور. اللغة السينمائية الميلودرامية هي لا تصف العالم فقط بل تغير مشاعره بعنف .
هوامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش:
1- .زهير بوسيالة تطور فلسفة الصورة من أفلاطون إلى دوبري مجلة القبس للدراسات النفسية 2021 ص 02
2- دانييل فرامبتون ترجمة أحمد يوسف دار المركز اقومي للترجمة ط 1 ص71.
3- نفس المرجع ص 69
4- داميان كوكس ومايكل ليفين السينما والفلسفة ترجمة نيفين عبد الرؤوف مراجعة هاني فتحي سليمان هنداوي ط1 ص61
5-
*دانيال فلامبتون هو المسؤول التحريري في جمعية حماية الأطفال الذين لم يولدوا بعد (SPUC). حاصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة إيست أنجليا، وقد نُشرت أعماله في العديد من الدوريات والمجلات، بما في ذلك الكاثوليك هيرالد، وذا يوروبيان كونسرفاتيف، وذا تشيسترتون ريفيو. يولي اهتماماً خاصاً بالفنون، والتاريخ، وعلم اللاهوت.





