المجلة الثقافية الجزائرية

الفيلسوف حسن عجمي في فرضية الخلق السوبر خلاّق

يطرح الفيلسوف اللبناني حسن عجمي فرضية علمية مفادها أنَّ الكون نشأ من الزمكان الضروري الوجود بدلاً من أن ينشأ من العدم. مقال الفيلسوف حسن عجمي الذي يشرح فيه مضامين تلك الفرضية مثبت أدناه.

الخلق السوبر خلاّق

حسن عجمي

     من منطلق المنهج التفسيري السوبر خلاّق، من الممكن بناء فرضيات علمية جديدة وعديدة وناجحة تفسيرياً ومنافسة للفرضيات السائدة بهدف إثراء الجدل العلمي وإكثار المعلومات وصياغة كلّ النماذج الفكرية الممكنة. من هنا، تُبنَى فرضية الخلق السوبر خلاّق كفرضية مناقضة ومنافسة لفرضية الخلق التلقائي السائدة. فبينما تقول فرضية الخلق التلقائي إنَّ الكون نشأ من عدم، تؤكِّد فرضية الخلق السوبر خلاّق على أنَّ الكون قد نشأ من الزمكان الضروري الوجود.

الخلق التلقائي

     بالنسبة إلى النموذج العلمي السائد في الكوزمولوجيا (أي عِلم دراسة الكون)، نشأ الكون من العدم كما عبَّر عن ذلك الفيزيائي ستيفن هوكنغ. في هذا النموذج الفكري، يتكوّن العدم من طاقة إيجابية وطاقة سلبية و من جراء تعارضهما يحدث اختزالهما مما يؤدي إلى وجود العدم. بكلامٍ آخر، يتكوّن العدم من اختزال الطاقتيْن الإيجابية والسلبية. لكن كلّ شيء محكوم بقوانين ميكانيكا الكمّ الاحتمالية مما يتضمن أنَّ العدم أيضاً محكوم بالقوانين الاحتمالية المُعبَّر عنها في ميكانيكا الكمّ. وبذلك من المحتمل أن لا تُختزَل طاقة معيّنة في العدم من جراء محكومية العدم بقوانين احتمالية و مِن تلك الطاقة غير المُختزَلة ينشأ الكون. على هذا الأساس، ينشأ الكون تلقائياً من العدم [1].

مشكلة أساسية

     لكن فرضية الخلق التلقائي السابقة تواجه مشكلة أساسية ألا و هي التالية: إذا كان العدم متكوِّناً من طاقة إيجابية وطاقة سلبية شرط أنهما متساويان فيختزلان بعضهما، فحينئذٍ ينشأ العدم من نوعيْن من الطاقة ألا و هما طاقة إيجابية وأخرى سلبية مما يتضمن نشوء العدم من طاقات. هذا يستلزم وجود طاقات قبل وجود العدم لكي يتكوّن العدم من تلك الطاقات مما يستلزم وجود كون حاو ٍ على طاقات قبل وجود العدم. من هنا، تؤدي فرضية الخلق التلقائي إلى نتيجة أنَّ العدم ينشأ من الكون الحاوي على أنواع من الطاقة كالطاقة الإيجابية والطاقة السلبية تماماً كعالَمنا (الحائز على طاقة إيجابية مساوية لطاقته السلبية كما يؤكِّد الفيزيائي “آلن غوث” [2]) . وبذلك القول بنشوء الكون من عدم ليس سوى القول بنشوء الكون من الكون لأنَّ العدم ينشأ من الكون. و هذا وقوع في الدور المرفوض منطقياً فالقول بنشوء الكون من الكون لا يُقدِّم تفسيراً لنشوء الكون. لذلك فرضية الخلق التلقائي ليست منطقية مما يستدعي طرح فرضيات أخرى حيال نشوء الكون كفرضية الخلق السوبر خلاّق.

ولادة الكون من الزمكان

     فرضية الخلق السوبر خلاّق تناقض فرضية الخلق التلقائي السابقة. بالنسبة إلى فرضية الخلق السوبر خلاّق، الكون لم ينشأ من العدم بل الكون نشأ من الزمكان. فبما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن الطاقات والكُتَل تنشأ من الزمكان. لكن الكون يتكوّن من طاقات وكُتَل. بذلك الكون ينشأ من الزمكان. أما الزمكان فضروري الوجود مما يتضمن أنَّ الزمكان لا يحتاج إلى مُسبِّب من جراء أنه ضروري الوجود. على ضوء هذه الاعتبارات، بالنسبة إلى فرضية الخلق السوبر خلاّق، وُلِد الكون من الزمكان الضروري الوجود.

     إذا وُجِد شيء فلا بدّ من أن يوجد في زمكان و إن لم يوجد شيء أي إذا وُجِد العدم فلا بدّ أيضاً من أن يوجد في زمكان. من هنا، في حال وجود شيء أو عدم وجود أيّ شيء، فلا بدّ من وجود زمكان. وبذلك الزمكان ضروري الوجود. الآن، إذا وُجِد شيء بلا أن يوجد في زمكان، فحينئذٍ لن يتفاعل مع الأشياء الأخرى في الكون لغيابه عن الحضور في مكان و زمان. ولكن إن لم يتفاعل مع أيّ شيء و لا يمكنه التفاعل مع أيّ شيء في الكون لعدم وجوده في مكان و زمان، فعندئذٍ ليس لدينا أيّة حجة أو أيّ دليل على أنه موجود أصلاً. لذلك يستحيل وجود أيّ شيء بلا أن يوجد في زمكان. من المنطلق نفسه، إذا وُجِد العدم، فلا بدّ من أن يوجد في زمكان و إلا لن يتفاعل و لن يتمكّن من أن يتفاعل مع أيّ شيء آخر وبذلك لن يوجد دليل على أنه موجود. لذلك يستحيل على العدم أن يوجد بلا أن يكون في زمكان. كلّ هذا يرينا بأنّه في حال وجود شيء أو في حال عدم وجود أيّ شيء، فلا بدّ حينها من وجود زمكان مما يتضمن أنَّ وجود الزمكان حتمي أي أنَّ الزمكان ضروري الوجود. ولكن بوجود الزمكان، توجد الطاقات والكُتَل من جراء أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة. بذلك بوجود الزمكان يوجد الكون المُكوَّن من طاقات وكُتَل. من هنا، الكون موجود لأنَّ الزمكان ضروري الوجود.

الزمكان والطاقة والكتلة

     توجد الجُسيمات ما دون الذرية الحائزة على طاقات وكُتَل كالإلكترونات في كلّ زمكان غير فارغ من الظواهر والأحداث الطبيعية و إن كانت بعض الزمكانات فارغة وخالية من تلك الجُسيمات فحينها تتواجد فيها الجُسيمات الافتراضية الحائزة على طاقات وكُتَل كما تؤكِّد نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية [3]. بذلك لا يخلو زمكان من طاقة وكتلة. لذلك الزمكان = الطاقة × الكتلة. والقانون الطبيعي القائل بأنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة يُحتِّم نشوء الكون من الزمكان كما رأينا سابقاً بما أنَّ الكون يتكوّن من طاقات وكُتَل. على ضوء هذه الاعتبارات، الوجود بتنوّع ظواهره الطبيعية ليس سوى هندسات مختلفة للزمكان التي تؤدي إلى نشوء طاقات وكُتَل مختلفة ومتنوّعة. فبما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن باختلاف هندسات الزمكان تختلف الطاقات والكُتَل فتختلف الظواهر الطبيعية.

فرضية علمية والأكوان المختلفة

     فرضية الخلق السوبر خلاّق فرضية علمية لأنها قابلة للاختبار. فبما أنَّه بوجود الزمكان ينشأ الكون و يوجد، إذن كلّ الأشياء في الكون موجودة في زمكانات. وبذلك إذا وُجِد شيء بلا أن يوجد في زمكان، فحينئذٍ فرضية الخلق السوبر خلاّق، القائلة بأنَّ الكون ينشأ من الزمكان، فرضية كاذبة. من هنا، فرضية الخلق السوبر خلاّق قابلة للاختبار مما يجعلها فرضية علمية. من جهة أخرى، الخلق سوبر خلاّق بسبب فعّاليته في تكوين كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة من خلال كلّ الزمكانات الممكنة والمختلفة. فبدلاً من أن يكتفي هذا الخلق بتكوين كون واحد فقط، يُكوِّن كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة بحقائقها وقوانينها الطبيعية مما يجعله خلقاً سوبر خلاّقاً.

     بما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن اختلاف الزمكانات يؤدي إلى نشوء طاقات وكُتَل مختلفة فولادة أكوان مختلفة. و بما أنَّ اختلاف الزمكانات يؤدي إلى نشوء أكوان مختلفة، و علماً بأنَّ كلّ الزمكانات المختلفة متحققة الوجود (و إلا وُجِد قانون طبيعي مُحدَّد سلفاً يُفضِّل خلق زمكان معيّن على آخر)، إذن كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة بحقائقها وقوانينها الطبيعية متحققة الوجود (من جراء وجود كلّ الزمكانات الممكنة والمختلفة المؤدية إلى نشوء كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة). هكذا تتضمن فرضية الخلق السوبر خلاّق خلق كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة مما يعبِّر عن أنَّ هذا الخلق سوبر خلاّق بفضل تكوينه لكلّ الأكوان الممكنة والمختلفة. و لا يوجد قانون طبيعي يُفضِّل خلق زمكان على آخر و إلا كان ذلك القانون مُحدَّداً مُسبَقاً بعامل مجهول و هذا يناقض التفكير العلمي الذي يتجنب الاعتماد على المجهول في تفسير الظواهر. و غياب قانون طبيعي يُفضِّل خلق زمكان على آخر يؤدي إلى خلق كلّ الزمكانات فخلق كلّ الأكوان الممكنة والمختلفة من جراء أنَّ اختلاف الزمكانات يساوي اختلاف الطاقات والكُتَل فاختلاف الأكوان.

المراجع

[1] Stephen Hawking and Leonard Mlodinow :The Grand Design. 2012. Bantam.

[2] Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Basic Books.

[3] Gordon Kane: “Are Virtual Particles Really Constantly Popping in and out of Existence? Or Are They Merely a Mathematical Bookkeeping Device for Quantum Mechanics?” Scientific American, October 9, 2006.