المجلة الثقافية الجزائرية

الكورسات الإلكترونية شرط الإلتحاق بالوظيفة   

عبدالعليم مبارك

الشهادة الجامعية لم تعد كافية كشرط الحصول على وظيفة ،خاصة فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها العالم الرقمى

 الكورسات الرقمية أصبحت شرط للخبرة وجواز المرو الوحيد للوظيفة وباتت بديلاً ناجحاً يختصر الطريق ويوفر الجهد والوقت

ولم يعد هذا التساؤل ترفاً فكرياً يطرح فى أروقة النقاش الأكاديمى فحسب، بل تحول إلى قضية وجودية تمس مستقبل ملايين الخريجين الذين يقفون حائرين أمام مفترق الطرق الذى يفصل بين مسار تقليدى طويل الأمد ومسار بديل يعد بالسرعة والمرونة

 فالمنظومة التعليمية التى ورثناها عن القرن الماضى ، بجمودها البيروقراطى وبرامجها المثقلة أحياناً بمواد لا تمت بصلة إلى احتياجات سوق العمل الفعلية ، باتت فى مرمى النقد اللاذع من قِبل جيل يبحث عن الجدوى العملية أكثر من بحثه عن الهيبة الرمزية التى تمنحها الألقاب الأكاديمية .

   لا يمكن إنكار أن الثورة الرقمية أحدثت زلزالاً حقيقياً فى بنية التعليم، إذ أتاحت منصات معرفية عابرة للحدود تعطى بإمكانية اكتساب مهارات متخصصة في أشهر معدودة، بعدما كانت تستغرق سنوات من الدراسة الأكاديمية المتشعّبة. فالمبرمج الذى يتقن لغة برمجة حديثة عبر كورس مكثف ، والمصمم الذى يصقل موهبته بدورات تدريبية عملية، والمسوق الرقمى الذى يتعلم عبر المنصات الاجتماعية من خلال شاشات افتراضية، جميعهم يجدون أنفسهم اليوم فى موقع تنافسى لا يقل قوة عن خرّيجي الجامعات، بل يتفوّقون عليهم أحياناً فى مسايرة أحدث المستجدات التقنية التي لا تستطيع المناهج الجامعية الجامدة مجاراتها بالسرعة ذاتها. غير أن هذا الانبهار بالسرعة والفاعلية لا ينبغى أن يحجب عنا حقيقة أن الكورسات، على تعددها وتنوّعها، تظل فى جوهرها أدوات لاكتساب مهارة بعينها، لا منظومة متكاملة تصقل الفكر النقدى وتؤسس لثقافة معرفية عميقة الجذور.

   فى المقابل، يتمسك أنصار التعليم الجامعي التقليدى بحجج لا يستهان بها، إذ يرون أن الجامعة ليست مجرد فضاء لتلقين المعلومات، بل بيئة متكاملة تصقل الشخصية وتفتح آفاق التفكير التحليلي والمنهجى، وتمنح الطالب فرصة الاحتكاك بتخصّصات متعدّدة ووجهات نظر متباينة تُثري تكوينه الفكرى بعيداً عن التخصّص الضيق. فالشهادة الجامعية، فى نظرهم، ليست مجرد ورقة تعلق على الجدران، بل رمز لمسار طويل من الانضباط الذهنى والصبر المعرفى، تمنح صاحبها مصداقية مؤسّسية يعترف بها أرباب العمل فى كثير من القطاعات الحسّاسة كالطب والهندسة والقانون، حيث لا تكفى المهارة العملية وحدها لضمان الكفاءة والسلامة المهنية. ومن هنا، يبدو أن المقارنة بين الكورسات والشهادة الجامعية ليست معركة بين بديلين متناقضين، بل هى فى جوهرها مقارنة بين منظومتين تخدمان أهدافاً مختلفة ومتكاملة في آن واحد.

   والحقيقة الأكثر إنصافاً التى يغفل عنها كثيرون فى خضم حماسهم لأحد الطرفين، أن سوق العمل المعاصر لم يعد يبحث عن ثنائية جامدة بين “شهادة” و”كورس”، بل بات يتطلع إلى مزيج هجين يجمع بين الأساس النظري الرصين الذي توفّره الجامعة، والمهارات التطبيقية المتجدّدة التي تمنحها الكورسات المتخصّصة. فالخريج الذى يقتصر على شهادته الجامعية دون أن يطور نفسه بدورات تدريبية مواكبة، يجد نفسه سريعاً خارج دائرة المنافسة أمام تسارع وتيرة التغير التكنولوجى. وفي المقابل، فإن من يعتمد على الكورسات فقط دون أساس معرفي متين، قد يجد نفسه بارعاً في تنفيذ المهام لكنه عاجز عن الابتكار أو التعامل مع المشكلات المعقّدة التى تتطلّب تفكيراً منهجياً عميقاً. لذا فإن التعليم الأمثل في هذا العصر هو ذلك النموذج الهجين الذي يوازن بين الرصانة الأكاديمية والمرونة التطبيقية.

  وتبرز الكورسات الرقمية كرافعة استثنائية لمن يسعى إلى دخول مجالات ناشئة تتطلب سرعة التكيف أكثر من عمق التنظير. وربما يكون التحدي الحقيقي الذي يواجه الأنظمة التعليمية اليوم ليس في الدفاع عن نموذج ضدّ آخر، بل في إعادة صياغة الجامعات ذاتها لتصبح أكثر مرونة وتفاعلاً مع سوق العمل، بحيث تدمج فى برامجها روح الكورسات العملية دون أن تفرط في عمقها الأكاديمى ، لتنتج في النهاية جيلاً يمتلك الشهادة والمهارة معاً، لا أحدهما على حساب الآخر.

*كاتب وروائي مصري