بقلم: معاذ محمد رمضان
تَعَرّضَ الأستاذ حميد المطبعي للدكتور جواد علي “المؤرخ العراقي الكبير” في الجزء الأول من موسوعته “موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين”، وقد جذبني هذا الجزء كثيراً، وعليه فسأعملُ الآن على “إلتقاط” و “تثبيت” ما آراه الأهم ـ برأيي طبعاً ـ، وطريقتي المعهودة هي تقسيم الموضوع لنقاطٍ، تسهيلاً للقارىء المحترم.
ومما يجدر ذكره هنا أن الدكتور جواد علي هو صاحب البحوث التاريخية العميقة عن العرب قبل الإسلام، وصاحب السِفر التاريخي الخالد “المُفَصَل في تاريخ العرب قبل الإسلام”. وقد وصفه شيخ الماركسيين العرب الأستاذ حسين مروة في “نزعاته المادية” ب”البحاثة المُدقق”.
قبل أن أبدأ عملي، رأيتُ أن أُصَدِّرَه بقول مهمٍ للعلاّمة جواد علي:
(قد جئتُ ـ يقصد الدنيا ـ ولستُ مُختاراً في مجيئي وأموت ولستُ أدري متى، ولِمَ أموت، فَعَلَيّ قضاء أيام حياتي بعملٍ أعمله لنفسي ولغيري وأن أحترم نفسي، وأحترم غيري إحترامي لنفسي، وأن أعمل لخير الناس عامة، والحياة قصيرة وهي لا شيء بالنسبة لحياة هذا الكون)
1ـ وُلِدَ جواد علي في عام 1907 وتوفي في عام 1987، وقد سمع وهو صغير من القابلة العجوز “أم مهدي”، ومن وجيه المحلة “حاتم العكيلي”، بأنه سيصير كاتباً!
2ـ أقدمُ كاتب مصري تَعَرَفَ عليه جواد علي هو “أحمد أمين”، وقد إنتقد جواد علي آنذاك كتاب أحمد أمين “ضحى الإسلام” وغيره من كتبه (وكنتُ في نقدي علمياً مع أني كنتُ شاباً، وطبع الشباب حار، وقد أنصفته، لدرجة أنه لم ينزعج من نقدي بل سُرّ به، مع عثوري على هفواتٍ فيه!). وقد طلب المطبعي منه أن يُصدرَ حُكماً على أحمد أمين، وقد جمعهما مؤتمرُ في لبنان سنة 1945 (من خلال أعمال المؤتمر أعجبني فيه.. هدوء طبعه وصبره وتحمله للنقد وحُسن تصرفه في الأمور)
3ـ للدكتور جواد علي إجتهاد شخصي في تسمية “المستشرق”، فمن يدرس تاريخ العربيات منهم، الأصوب أن يُسَمّى “مُستَعرباً”. وجواد علي مَيّالٌ الى المستشرقين ، كما ذكر المطبعي، وعندما سأله الأخير عن تعصبِ أكثرهم قال: (إن ما تُسميه تعصباً، قد يكون مصدره إختلاف وجهة النظر، ثم هم ليسوا بمسلمين.. فتفكيرهم في تفسير الحوادث يختلف بالطبع عن تفكير المسلمين.. حتى إن منهم من له وجهة خاصة في النصرانية، فمثل هذا الرجل لا يُقال عنه مخلص للإسلام ، أو غير مُخلص، ولا يُحاجج إلا بالحجج والبراهين). وبعد أن إسترسل المطبعي معه في الكلام ، قال المطبعي: (وإنفعل الدكتور جواد علي، وما رأيته مرةً ينفعل بوجهي، وأحببت فيه هذا الإنفعال، لأن إنفعال العالم يهبُ لنا تساقط الثمر من شجرة المعرفة)
قال جواد علي: (إننا لقرون كُنا عالَة على هؤلاء المستعربين)، وكان المطبعي “يستفزُ” فيه “العالة” كما ذكر.
4ـ في العرب قابلية على الإبداع والإنتاج لو توفرت لديهم الظروف المؤاتية.. يقول جواد علي.
5ـ الثقافة بنظر جواد علي: تقدير الإنسان لنفسه، وضبطه لعواطفه وإحترام غيره، والإعتراف بالحق، كما تريده لنفسك، وإطاعتك للقوانين والأعراف والعادات، وإن كانت ضد رغبتك، ففي هذه الحالة: عليك العمل على توضيح ما عندك من رأي مخالف بأسلوب مقنع، يجعل الآخرين يسلكون سلوكك في ذلك.
6ـ المطبعي: يلتقي مذهب د. جواد علي في النظر الى التاريخ بأكثر من وشيجة بمذهب المؤرخ الأمريكي “كارل بيكر” القائل: كُل إنسانٍ مؤرخ. والتاريخ بنظر جواد علي (يبدأ بولادتي وينتهي بموتي، فلولا وجودي، ما كان لهذا الوجود وجود.. فبموتي يموت بالنسبة لي كل شيء.. نعم، أشعر اليوم بوجود كون، وأشعر أني لم أصنعه، ولم أخلقه، ولكن هذا الشعور هو بسبب وجودي.. ومتى مت مات كل شيء). وهو رأي متشائم غريب، برأي المطبعي.
و(يُحيرني العلامة جواد علي، فهو يُبَكّر الى الصمت كلما ناقشته في مظهر صعب من التاريخ وأراه يُفَلسف الصمت بل يحيله الى قاعدة من قواعد روحه) يقول المطبعي.
7ـ يقول جواد علي (لا أُبالي بما يُقال عني)، يُعَقّب المطبعي: (وكان يعني أنه إذا قال الحقيقة ، فليصح عليه الصائحون وليقل القائلون قالتهم أو أقوالهم، فالمؤرخ حكيم زمانه)
8ـ جواد علي: (صرتُ أشعر الآن ، أن الإنسان كُلّما تقدم ومهما عاش على سطح الأرض، فإنه لا يصل الى معرفة الحقيقة، وإن البحث عن الحقيقة يدفعه الى البحث عنها وإن جهله يحمله على البحث فيخلق خلقاً، ويبتكر إبتكاراً، ويولد حياة من بذرة حياة في الأنا ويصل الى القمر وكواكب أخرى ومع ذلك، فهو جاهل، وسيعيش ويموت والجهل مهيمن عليه)
وقد كانت حالة العَلاّمة جواد علي مُحزنةٌ جداً عندما إلتقاه المطبعي (مرضٌ ينهش جسده ببطء.. جسدٌ يرتعش كقنديل القديسين)
يُراجَع:
حميد المطبعي: موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، الجزء الأول، طبعة دار الرافدين ودار عدنان الأولى 2014، الصفحات: من 401 الى 496





