المجلة الثقافية الجزائرية

الماء وتراجيديا التنقل.

الدكتور محمد الصفاح 

 

لما خلق الله سبحانه وتعالى الحياة جعل لها شروطا تضمن حياتها, واستمرار وجودها.ومن بين الشروط الضرورية واللازمة, عنصر الماء, الذي يعد قوة طبيعية تمد الوجود أو الحياة بقوة الحياة.ولعلها حقيقة جوهرية اقرها ونطق بها القرآن الكريم, إذ يقول عز وجل(وجعلنا من الماء كل شيء حي)إذ ابرز من خلال هذه الآية المركزية, وغيرها كثير في القول المعجز,حول حقيقة الماء وأهميته.وإمعانا في إبراز أهمية الماء , وترسيخ حقيقته في اعماق الألباب, فقد ربط حياة كل مخلوق على أديم هذا الكوكب وعلى وجه العموم ,بالماء.ومن منطلق حقيقة الماء, وقيمته, أدرك الإنسان ومنذ أن وجد نفسه حيث هو, ان وجوده مرتبط بوجود الماء, الشيء الذي دفعه إلى الضرب في كل اتجاهات الأرض بحثا عنه.وللعلم فإن الإنسان كان في ترحال وتنقل دائمين بهدف العثور على الماء,إذ تنطلق الرحلة في غياب الماء,وتتوقف الرحلة أثناء العثور عليه.وارتباطا وخضوعا لإرادة الماءوسلطته, فقدا ذعن الإنسان وخضع وقتئذ قسرالعمليتبن اثنتين:

1-التنقل:ويعني السفر من مكان إلى مكان أخر,أي من حيز يفتقر إلى الماء إلى آخر يتوفر عليه.وذلك لأن حياة الإنسان لا يمكن أن تستقيم وتنعم بالوجود إلا بوجود نعمة الماء, الذي لايمكن الظفر به أو الحصول عليه إلا بتحمل مشاق التنقل والضرب في أرجاء الأرض.

2-الاستقرار:ويعني الكف عن الحركة, والتنقل, وذلك بعد الظفر بالماء.وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الجغرافيا قد أخضعت الإنسان قهرا , وقسرا لإرادتها , وقوتها.فجبروت الماء , وقوته قد تحكمت في الإنسان بكيفية مباشرة وفرضت عليه متى يتنقل ومتى يستقر.هذا وللعلم, فإن قيام الحضارات ارتبط وبصفة تلازمية بعنصر الماء الذي أغرى الأمم, والشعوب , والدول أن تبني حضاراتها وذلك لما توفرا لماء,باعتباره عنصر الحياة والاستقرار, فالتف الناس شعوبا ,وقبائل حول منابع المياه ,إذ مكنتهم من البناء , والتشييد,فتقدم الإنسان, وازدهر العمران,والاقتصاد,وازدهرت الحضارات التي ظلت ترتقي زمانيا ,ومكانيا, مستمدة قوتها من قوة ,وتدفق الماء.إن هذه الحضارات,إنما هي في واقع الحال, هبة الماء,إذ لولا الماء لما نعم الإنسان منذ الأمس,واليوم,وإلى الأبد, بما ينعم به من رقي ورفاه وازدهار.وللتذكير فقد قيل في مثل شهير(لولا النيل لما كانت مصر, مصر هبة النيل)فليست مصر لوحدها هبة الماء, بل الحياة كلها هبة الماء. هنا و تتجلى حكمة الخالق عز من قائل(وجعلنا من الماء كل شيء حيا).إن هذه الحقيقة الجوهرية الثمينة,قد استوعبها الإنسان جيدا بالأمس, لما كان يقطع, ويجوب الفيافي لأيام, وأسابيع, وشهورا,بحثا عن الماء من أجل تحقيق منافع له.أما اليوم, فإن وعي الإنسان لم يفلح بعد في إدراك معنى حقيقة الماء ومدى أهميته في الوجود, وللوجود.ويتجلى عدم الفهم والتقدير في التعامل الجائر مع الماء, وذلك فيما يخص السلوك غير المسئوول على مستوى الاستهلاك.والمعلوم أنه يحصل عليه بدون تعب أو نصب. هذا وإن تيسر فعل الحصول عليه لبعض الأنام, فإنه يتعذر على فريق عريض منهم الحصول عليه.إذ هناك العديد من الأماكن محروم أهلوها من الماء, فبارت الأراضي, وجف الضرع ويبس الزرع, فانطلق الناس افواجا أفواجا يهيمون على وجوههم,تاركين أراضيهم بعد أن غارماؤها.إن مشهد الترحال , والتنقل بعدما كان يقتصرعلى أماكن محدودة , ومعدودة في افريقيا, فإن ملامحه باتت تلوح في أماكن اخرى غير إفريقيا, وذلك لأسباب ترتبط ارتباطا مباشرا بالمناخ الذي لم يعد كسابق عهده ,لما أصبح خاضعا لمتغيرات عديدة غيرت طبيعة الأزمنة , والفصول,ما أدى إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض.وحسب قراءة المهتمين بالشأن البيئي, فإن ما يحدث اليوم من تغيرات مناخية, واضطرابات جوية, إنما هو خطاب إنذاري للإنسان بهدف تغيير سلوكه الجائر,الظالم, تجاه البيئة,وتوجيهه نحو بناء سلوك مدني مسؤول يقدر دورها, ويوفرلها الحماية, والوقاية من بطش وعبث يد التدمير..والتدمير,سلوك عدواني, يقوم على فلسفة البطش, إذ من أجله تلتئم اللقاءات , وتتعالى النداءات من أجل إيقاف زحفه, وذلك حفاظا على حياة الإنسان ,وباقي المخلوقات التي تشارك الإنسان في:

*الهواء:إذ هوفي أزمة تلوث حقيقية بسبب تدفق الغازات الصناعية السامة , وبشراسة من مصانع الدول الصناعية,الأمر الذي يقتضي الوعي الجدي المسؤول, بهذه الأزمة من أجل إيقاف النزف الإنساني.

*الماء:يكاد يجمع اهل العلم والإختصاص أن المخزون المائي العالمي يتقلص ,ويتراجع بكيفية ملحوظة, وذلك لأسباب طبيعية تتعلق بالظروف المناخية,وكذا لأسباب بشرية لها علاقة مباشرة بأفعال الإنسان.وقد تأكد من منطوق مضامين القراءات البيئية أن العالم مقبل على شح مائي سيكون سببا , اوعاملا مباشرا ,وقويا يزج بالعالم في أتون صراعات طاحنة حول الموارد المائية.ورغم ما يقال, ويثار حول الماء, وما يرتبط به من أزمات انية , ومستقبلية فإن الإنسان لم يستوعب بعد الرسائل او الخطابات التنبيهية, والإرشادية,والتحذيرية,ذات المضمون الواحد, المتعلق بحياة الإنسان إذ هو في خطر,مادام الماء في خطر.هذا وإذا كانت حياة الإنسان إبان أزمنة خلت قد تأرجحت بين التنقل , والإستقرار , خاضعا لسلطة الماء, فإن إنسان اليوم قد تحقق له الإستقرار ولأمد طويل.فبفضل الماء, وبجواره, وعلى أساسه قامت الأمم, والدول, وعلى ضفاف أنهاره الجارية شيدت المدن, وازدهرت التجارة , والصناعة, والقلاحة, وامتد سلطان الحضارة إلى كل ركن من أركان المعمور,وسرت دماء التحضرفي شرايين اهل المدر, والحضر, وكل هذا وغيره بفضل نعمة الماء.وليعلم الإنسان علم اليقين أنه بات يقترب من حالة التنقل إن هوأصر على ىسلوكه العدواني تجاه شرايين الحياة, خاصة الماء.فالوضع الراهن ,ووفق قراءات اهل الشان والإختصاص, يقتضي بناء وعي جديد يصاحبه سلوك جديد يقدران معا و بصدق , ومسؤولية أهمية الماء ,ومنافعه الجليلة على الأحياء كافة , والحياة.إن الماء أصل الحضارة,وأساس استقرار الحياة , واستمرارها,واستقرارالانسان وانعدامه, إنما هو فناء للحضارة,وموت للوجود , والكائنات .يقول احد الخبراء المهتمين بالشان البيئي.(الماء هوعلة وجودالإنسان وبه انطلق في خضم الحياة وبه ايضا تغيرت ملامح الحياة والوجود.فقد بدت الحياة في اول عهدها بدائية خشنة مضنية ومتعبة ,لكن بفضل الماء انكشفت اسرارالحياة ,وتغيرت ملامحها,فانطلق بناء الحضارات في كل ركن من اركان المعمورة فتسابق القوم على التشييد والبناء…..وازدهرت الفلاحة والصناعة, والتجارة….وكل هذا وغيره,جلب للإنسان الإستقرار.هذا ومن المعلوم والاكيد وبحكم العديد من القوى الفاعلة, واهمها, بعد قوة التغيرات المناخية,سلوك الإنسان الجائر تجاه الماء,الذي ينبغي تركه وهجره الى الابد,باعتباره اسلوبا كلاسيكيا ضارا, يسهم الى حد بعيد في تبديد الموارد المائية,ونهج اساليب ترشيديه عملية فاعلة وفعالة تضمن استمرارية نعمة استقرار الانسان في وطنه وموطنه, وتفادي وقوع كارثة تراجيدية,الاوهي تراجيديا التنقل…..) إن محتوى النص ,إنما هو رسالة واضحة اللغة, ليست موجهة إلى مجتمع مخصوص اوفئة بعينها, بل هي رسالة كونية إرشادية موجهة إلى الناس كافة ,تركز على هدف يعد عماد الحياة,الاوهو الماء. وقد ربطه بوضعيتين اثنتين

الوضعية الاولى, انية ,تمثل الداء, آو العقدة .وتتمثل في الافعال الأناسية السلبية تجاه الماء اثناء الإستعمال,وهي كثيرة ومتعددة, لها اضراركبيرة ومؤثرة على الموارد المائية.

الوضعية الثانية, وتمثل الحل الذي يقتضي ضرورة نهج اساليب جديدة, للتعامل مع الماء, وذلك تجاوزا للأساليب الكلاسيكية العتيقة التي كانت السبب المباشر فيما وقع من ازمات مائية طاحنة في اماكن متعددة من العالم. ولتحقيق ما يطلب بإلحاح ,ينبغي حضور الإنسان الرشيد المؤمن وبحق, بمنهج الترشيد.القائم على ما يسمى نهج اقتصاد الحرب إذ بهما معا يمكن تفادي تراجيديا التنقل .واعلم ايها الانسان في كل مكان ان حضور الماء وتوفره كان العامل الاساس,والاهم في قيام الحضارات وضمان استمرارحياتها منذ القدم.والى اليوم.واعلم ايضا ان غيابه سيكون سببا فاعلا في سقوط قلاع هذه الحضارات وموتها. ولعله التوصيف الذي ورد في القران الكريم المبني على مفردتي الموت/والحياة,المرتبطتين ارتباطا عضويا بالارض,اذ حينما يتوفر الماء تحيا الارض ويحيا من فوقها,وحينما ينعدم الماء تموت الارض ,ويموت من فوقها.يقول الله عز وجل(واحيينا بلدة ميتة كذلك الخروج)1.ويقول(والله انزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها)2.ويقول سبحانه(حتى اذا اقلت سحابا سقناه لبلد ميت فا نزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون)3.ويقول جل شانه(…نزل من السماء ماء فاحيا به الارض بعد موتها)4.ولكي تبدو صورة موت الارض واضحة في ذهن القارئ, نضرب مثلا حيا وناطقا يرتبط زمنيا بثلاثينيات القرن العشرين, لما تأثر الجزء الجنوبي الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية اكتسحه الجفاف سنين عدة اذ جف التراب فاستسلم قهرا لسلطة الرياح ,فشكلا معا عواصف ترابية غبارية , هوجاء ,اوجعت قساوتها الاف المزارعين وحملتهم على مغادرة مزارعهم قسرا وضطراروالبحث عن مكان بديل للاستقرار,يتوفرعلى ما فقد في المكان المتنقل منه.

1-سورة ق الآية 11

2-سورة النحل الاية65

3-سورة الاعراف الاية57

4-سورة العنكبوت الاية63