المثقف الديني وكتاب الراحل الكبير جورج طرابيشي “من إسلام القرآن الى إسلام الحديث ـ النشأة المُستأنفة”.
بقلم: معاذ محمد رمضان
يمكن إعتبار صدور كتاب الأستاذ طرابيشي كحدثٍ ثقافي مهم في مجال الدراسات القرآنية. فقد بَيّنَ الفارق بين “الإسلام القرآني” ونظيره “الإسلام الحديثي”.
لكن، ما تفاجأتُ منه هو الإقبال الشديد على هذا الكتاب من طرف الكثير من المثقفين الدينيين المحترمين، بل دعوتهم لقراءته وبحماسة! لهذا فقد تكونت عندي صورة مسبقة عنه قبل أن أقرأه (هل تَغَيَرَ منهج طرابيشي المعروف؟ هل أصبح باحثاً ديني الإبيستمي؟! )
توضحت الصورة بعد قراءة الكتاب، فقد بقي طرابيشي “العقلاني النقدي” كما هو، نعم، فقد كتب في مجال “يوحي” بغير ذلك، لكنه بقي “وفياً” للعقلانية النقدية، تشهد حواشي الكتاب بهذه الحقيقة.
عملتُ في هذه الورقة المتواضعة على جمع بعضٍ من نصوصه بقدر إستطاعتي، لأُبَيِنَ أن دعوة هؤلاء المحترمين ـ المثقفين الدينيين ـ مع مشروعيتها من حيث المبدأ، لا تتلائم مع واقع الحال؟ فَهم “مؤمنون” في النهاية، وما سأُقَدِمه الآن لا يمكن أن يتوافق مع إيمانهم “المتعدد” (منهم: القرآني، الإمامي، السني … )
سنعتمد هنا على طبعة دار الساقي الثانية 2011 بيروت لبنان.
النصوص:
1/ النص الأول، والذي يُشَكِلُ “أساس” الكتاب و “قلبه” النابض هو:
الرسول “ناقل” أمين فقط، ولا حق له في التشريع، الله هو الآمر والنبي عبد مأمور ليس له شيء،
ولسيده كل شيء … ص10
2/ يصف طرابيشي دراسة معروف الرصافي عن “الشخصية المحمدية” ب (الرائدة والإبتداعية) فقد (لاحظ الرصافي بمنتهى السداد … أن نزول الوحي في تقريع النبي وبخلاف ما أراده وإشتهاه ليس من شأنه إلا حمل القوم على تقوية إيمانهم بأن القرآن وحي من الله وليس من عنده) .. ص18
ويقول طرابيشي في الحاشية 17 من الصفحة المذكورة بأن دراسة الرصافي “إبتداعية” بكلا معنيي الكلمة: الإبداع والبدعة معاً.
3/ في سياق حديثه عن الطبري ورواياته في تعليل سبب نزول الآية 52 من سورة الحج ، يقول:
(وبديهي أن قصة الآيات الشيطانية تطرح، خارج النطاق الذي نحن بصدده الآن، إشكالات
خطيرة من منظور لاهوت الوحي. ولكن هذه الإشكالات جرى إستبعادها، طبقاً لآلية معهودة من
آيات الدفاع، الى مجال اللامفكر فيه ) .. ص19
ويقول في الحاشيتين 21 و 22 من الصفحة المذكورة على التوالي:
(من هنا كانت قوة الصدمة التي أحدثها في آخر القرن العشرين صدور رواية “الآيات الشيطانية”
لسلمان رشدي)، (لا شك أن إستنتاج البيهقي كان سيكون في محله منطقياً لولا أن عدم ثبوت
القصة لا يلغي ثبوت الآية التي تؤكد أن ما من رسول تمنى إلا “ألقى الشيطان في أمنيته”)
إشارة الى قول البيهقي بأن قصة “الغرانيق” غير ثابتة من جهة النقل.
4/ يقول في الحاشية 83 من ص49 بأن الآية الثالثة من سورة التحريم (وإذ أَسَرَ النبيُ الى بعض
أزواجه حديثاً فَلَما نَبَأت به وأَظهَرَه الله عليه عَرَفَ بعضه وأعرضَ عن بعضٍ فلما نَبَأها به قالت من أنبأكَ هذا قال نَبَأني العليم الخبير)، فلأول مرة في النص القرآني تحيلنا الآية المذكورة لواقعة تنزيلية ليس لها فحوىً من القول الإلهي، فتفيد الآية بما فشت به بعض أزواج النبي من السر الذي أسَرَه إليهن، ولكنها لا تفيد بما أسَرَه الرسول إليهن، ويتساءل طرابيشي (إذا كان الله قد أَظهَرَ نبيه على ما فشت به بعض أزواجه، فهل هذا الإظهار هو من قبيل الوحي أم لا؟ وإذا كان من قُبيل الوحي، فلماذا لم يُتَرجَم الى تنزيل قولي في النص القرآني؟ والأهم من ذلك بعد: إذا كان وحياً فكيف جاز للنبي ص أن يُعَرٍف بعضه ويعرض عن بعض، أي أن يُفصح عن بعض منه ويكتم بعضه الآخر؟)
5/ يقول في الحاشية 131 من ص68 (ولنلاحظ بالمناسبة أنه إذا كان الأذان قد جرت به السُنة وإن لم ينزل به قرآن، فإن المئذنة بالمقابل تُمَثِلُ بدعة بكل ما في الكلمة من معنى إذ لم تُعرَف في زمن الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين، بل كان لا بُد من إنتظار خلافة الوليد إبن عبد الملك ليصادر في سنة 705 كنيسة دمشق المعروفة بإسم “باسيليكا” والمُكَرَسة للقديس يوحنا ـ والتي كانت في
الأصل هيكلاً رومانياً للإله جوبيتر ـ وليبتني محله الجامع الأموي الكبير ، وليُحول برجيها
الجنوبيين الى مئذنتين ، وليبتني الى شمالها برجاً للإستطلاع ما لبث بدوره أن تحول الى مئذنة
صارت النموذج لسواها من المآذن في سوريا وشمالي أفريقيا وإسبانيا)، وقد نقل المعلومات
التأريخية عن (فيليب حتي: العرب، تأريخ موجز)
6/ يقول في الحاشية 70 من ص149 (لا يجوز أن يغيب عن الوعي أن النص “المؤسِسَ” كان هو نفسه نصاً “مؤسَسَاً”. وهذا التأسيس للنص المؤسِس ما زال الى اليوم أسير اللاشعور المعرفي، ولم
يُوضَع قيد مساءلة وإعادة بناء لمراحله المتدرجة إلا في بعض الدراسات الإستشراقية)
7/ ويقول في الحاشية 74 من ص367 (لا يخلو الأمر من مفارقة أن نقول هنا “قائل النص” فالقول لا يصير نصاً إلا بوساطة كاتب. ولكن المسافة التي تفصل بين القول والنص، أو بين القائل
والكاتب ـ ومثالها التي تفصل بين القرآن والمصحف ـ ليست مما يدخل في نطاق المُفَكَر به عند إبن حزم ولا عند سائر النصوصيين إبتداءً من الشافعي فصاعداً)
8/ يقول في الحاشية 81 من ص240 (قد يكون الأصح ، فيما يتعلق بالآيات الخمس الأولى من سورة النور، أن لا نقول إنها نُزلت، بل أُعيد تنزيلها. وبالفعل، إن الآية الأولى من سورة النور ترد في
المصحف كالآتي: سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آياتٍ بَيناتٍ لعلكم تَذّكرون.. وقد تَحَيَر أهل
التفسير وتلعثموا في تفسير هذه الآية، إذ قرأوها بدلالة ألفاظها لا بدلالة سياقها. ولئن يكن نولدكه قد تَنَبَه الى ما في مطلع سورة النور من تداخل بين قصة الإفك في غزوة بني المصطلق في السنة
السادسة للهجرة وقصة الزنا في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، فقد تحدث بالمقابل عن
إقحام للآيات في غير محيطها الأصلي)، وَوَثَقَ طرابيشي ما ذكر من كتاب نولدكه، ثم قال:
(ونحن لا نميل الى التحدث عن إقحام، بل عن ربط وإعادة تذكير. والآية الأولى من السورة ، المُساء تأويلها من قبل أهل التأويل، تنص بصراحة على إعادة التذكير هذه بإشارتها الى أن حكم جلد الزانية والزاني مع وجوب شهادة أربعة شهود قد سبق تنزيله في “آياتٍ بينات”، وهي الآيات عينها التي
ستكررها سورة النور الجديدة على سبيل التذكرة “لعلكم تذكرون”. المُشكِل الوحيد أنه لا وجود في النص الحالي للمصحف لآيات يتكرر فيها حكم الزنا، مع أن هناك مئات من الآيات التي تتكرر بحرفها مثنى وثلاث ورباع بصدد موضوعات أخرى)
9/ يقول في الحاشية 80 من ص369 (هل هذه المسافة البشرية الفاصلة بين القرآن والمصحف هي ما يفسر أن يكون المدَون الأول قد كتب: والسارق والسارقة فإقطعوا أيديهما ، بدلاً من يديهما؟ وما
يفسر أن يكون لفظة “الصابئون” جاءت مرة بالرفع وأخرى بالنصب في آيتين متطابقتين نصاً هما
الآية 69 من سورة المائدة: إنَ الذينَ آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى… والآية 17 من سورة الحج: إنَ الذينَ آمنوا والذين هادوا والصابئينَ والنصارى .. ؟، أو يكون ذلك ما يبرر قول عائشة لما إطلعت على المصحف العثماني: إن في هذا القرآن للحناً وستُقَومه العرب بألسنتها؟
هذا ما إستطعت أن أجمعه من كتاب طرابيشي، وواضح من النصوص أعلاه، أنها “نصوصاً” تضرب العقيدة الإيمانية في “الصميم” ، فكيف “يدعو” المثقف الديني لهذا الكتاب وب “حماسة” بالغة؟!





