بقلم: محمد بصري*
فلسفة التربية هي رؤية عامة مرجعية لم تتسلل إلى أي منظومة تربوية خلسة ولا هي مقاربات هجينة تتسول وضعا نظاميا تربويا هامشيا في مناهج رؤيوية للدولة. كل ثقافة تربوية نهضوية لها نموذج حياة ومشروع إنساني عميق، فرض ذاته منذ الدهشة الأولى للكائن الانساني.الذين يمعنون في إذلالها باسم التطويع السياسي للدولة لأي أفق تربوي أو التطبيع المنهاجي المتعالي الغارق في الإسفاف أو الرقص على مخرجات إثنية وطائفية وسياسوية ومناطقية واهمون جدا..يوما ما تستدير الشمس خلف الشجرة لتكشف التخلف الثقافي الذي لا تستقيم مع بيداغوجيا الكراسي القابلة للشغور.وتنتهي أسطورة المنهاج الزلق والمشوش والمجاني والعبيط.
لا أحد يمكنه أن يصب عليك الحقيقة صبا ويعطيك فرصة التصالح مع المؤسسات كونها ترغب في تنميط سلوك أو فكر أو عقول ما. الفلسفة التربوية هي اعادة اكتشاف المعنى بما يتساير من المعاناة اليومية كما يقول نيتشه. الحقيقة هي مطلب العقل الحر يقول نعوم تشومسكي ” لا أحد سيصب الحقيقة في عقلك انه شيء عليك أن تكتشفه بنفسك”.
كان شعار سنغافورة الشائع على المستويين السياسي والاجتماعي ” البقاء للأكفأ” معدل القراءة والكتابة يصل 99.99 بالمئة بالاعتماد على الجودة بدل الكمية.
نظام وتخطيط “لي كوان يو “صاحب مشروع نهوضها و أول رؤساء وزرائها سنة 1959 داخل نظام الكومنولث البريطاني ” نظام ثنائية اللغة الذي جعل اللغة التعليمية الرسمية في كافة مدارس الدولة مع السماح لكل عرقية بالتواصل بلغتها والتخاطب بها في مابينها.
ليتم التأسيس الفعلي والعلمي للتعليم السنغافوري بعد سنة 1997 وفق هذه المبادئ التالية:
1- لامركزية المدرسة.
2- التوسع في تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية
3- وضع علم أصول تدريس يركز على التلميذ. [1].
إصلاح التعليم بدأ في سنة 1997 الشعار أمة مثقفة ومدارس فكرية.اعتمادًا على نظام لامركزي في التسيير مع اعطاء المدارس حرية التفكير والتسيير واتخاذ القرارات.ما يدعى “التسيير المرن” دون تسلط فوقي. شعار تعَلمٌ أقل لتعلم المزيد” و”التعلم المُبْهِجْ”[2]..
تميل سنغافورة إلى برغماتية التعليم بدل أيديولوجيته. اهتمت سنغافورة بالمدرسة البنائية في التعلم منذ نشأتها كدولة في الخمسينات .وتعاطت مع النظريات العلمية في التعلم بكليانية وانتقائية بما يتفق مع المنهج التركيبي فالخبراء انصبوا على قراءة المقاربات التعلمية التي انتجها العقل التربوي على مر عقود منها نظريات علماء التربية أمثال وGeorges Polya, Gerome Bruner,Célestin Freinet, Maria montessor.
عدد التلاميذ في الفصل 40 والمسألة لا علاقة لها بالكثافة والكم الذي يعيق آليات التدريس بل في منهجية التعامل مع هذه الكوكبة .عدد المدارس 369 وعدد العاملين بالمناهج [250] .وهنا تبدو مفارقة عجيبة كون هذا البلد المتقدم الذي يسير نحو انفجار نهضوي عارم يوازي بين عدد مدارسه وعدد الخبراء وعلماء المناهج دون انتقائية أو اعتباطية. سنغافورة عمدت إلى تأسيس ثقافة سياسية تعتمد على وعي جماعي يستبعد الأدلجة السياسوية والمناطقية والجهوية لمدرستها فهي تعترف بلغات الإثنيات التي تعيش داخلها كالصينية والتاميلية للهنود والمالاوية لكنها اعترفت باللغة العالمية الانجليزية كلغة رسمية واتجهت إلى اعاقة كل فكر عدمي عرقي أو نعرات شوفينية خوفا من أن تتسلل لوعيها القومي الجماعي وبالتالي تهدم كل محاولة لبناء مفهوم المواطنة. لذا راهنت سنغافرورة الفتية على هذا المفهوم وجردته ليصبح أقنوما سياسيا.
تم استبدال نظام التفتيش في سنغافورة في المرحلة الثالثة من الاصلاح School xcellence Model (SEM) بإلغاء الرقابة نهائيا واستخدام مبدأ التميُز المدرسي مع تأكيد استقلالية المدارس عن بعضها البعض وإمكانية الاجتهاد في بلورة وابتكار مناهج النجاعة التي تتماشى مع سقف كل مدرسة وتوجهها الفلسفي ومقارباتها وهنا يكون النظام التعليمي السنغافوري سباقا لانبثاقية مقارباتية عابرة لمفهوم الكفاءات. غير ملتزمة أو مهتمة بعولمة التربية أو لبررة الأنظمة المدرسية.
عملت الوزارة السنغافورية على الربط بين الاعدادي والجامعة ربطا ماهويا تركيبيا بحيث تستطيع المدرسة تخريج فئات مدرسية مؤهلة أكاديميا وهي قوى مدرسية مؤهلة ومدربة جدا .
الوزارة الموكلة بتسيير شؤون التعليم في سنغافورة هي وزارة التربية التي تشرف على فضائين شاسعين هما الجامعة والمعاهد والثانويات والابتدائيات وتهتم ببنيتين أساسيتين ومرجعيتين هي المراجعة الدائمة للمناهج والتقويم وتحسين الاختبارات.مع التأكيد على أن الحياة الأكاديمية تقع تحت الاشراف المباشر والرقابة الفعلية لمجلس التشريع السنغافوري وهو أعلى هيئة سيادية و اجماعية تتقاطع أفقيا مع وزارة التربية.
كان الطفل موضوع اهتمام ومادة بيداغوجية قصوى للمناهج السنغافورية ومنه استحداث ثقافة وفلسفة التفكير المستقل والمبدع أو تأهيل الطفل فكريا حتى ينعتق عقله وتتفتح قريحته وفق بيداغوجيا فلسفية موجهة للطفل.
مدارس التفكير في سنة 1997 هي استراتيجية الدولة في بناء منظومة تربوية جديدةThinking Schools, Learning Nation(TSLN وهو نمط قائم على السجال والحوار ودمقرطة العلاقات بين المعلمين والطلاب والإدارة أفقيا وعموديا. أي أنه في مدة 15 سنة غيّرت سنغافورة من خِططها التعليمية واستراتيجياتها التربوية ومقارباتها المنهاجية ثلاثة مرات إلى أربعة اتجهت فيها إلى تفعيل بيداغوجيا قائمة على التقنية والاتصالات والإعلام والرقميات وإدراج كلي للطلبة في السوق والواقع المُعولم، فيها تتحدى سنغافورة العولمة مع أنها جزء ضالع فيها بمقاربة جديدة عابرة للكفاءات لها خصوصية واستقلالية عن النظام التربوي العالمي وتحدياته. حين أطلقت في سنة 2009 مشروع “كفاءات القرن الواحد وعشرين” وفي 2015 تحركت الآلة التربوية والماكنة الاقتصادية التي تستثمر في التعليم مشروعا اضافيا يعتمد تطوير النماذج الرقمية والتكنولوجية لاستشراف مستقبل المواطن السنغافوري وتحديد مكانته التقدمية في المستقبل.
تعتبر سنغافورة دولة فريدة ونزيهة من بين خمس دول الأقل فسادا في العالم و في المحيط الاسيوي.نجاح النموذج السنغافورري في التعليم يرتبط بالمشروع الحضاري الذي يعطي التعليم أولوية كبيرة والمبدأ الأساسي الأصولي كفلسفة ومقاربة جديدة هو “few teaching ,more learning” تعلم أكثر في مقابل تدريس أقل.العبرة ليس في تكديس المواد بل في الثورة على النموذج التلقيني.سنغافورة كنظام تربوي راهنت على عدم عجز وشيخوخة مناهجها حتى لا يصاب تعليمها بالتكلس والجمود والرجعية. والماضوية.
تُدرس العلوم الانسانية بصورة مركبة فيها الفكر النقدي والفنون والأخلاق الوطنية في الصفين الثالث والرابع ثانوي. كما تُمرر معرفيا في مدارسها في الطور الثاني من الثانوي أسس ومهارات التفكير الصحيح من خلال منظومة تقويمية تبدأ من التشخيص وتنتهي بتثبيت عن طريق ادماج التقويم في التدريس دون فصله عن نظام التدريس العام وهي استراتيجيا للتخلص من بيداغوجيا التلقين بإعادة تحليل المعلومات والتركيز على المتعلم معلوماتيا.
سنغافورة مجتمع متعدد الثقافات والديانات والأجناس ، يُشكل الصينيون 75,2 ٪ من السكان ، والملاويين 13,6 % ، والهنود 8,8 % ، بالنظافة إلى 2,4 ٪ من جنسيات أخرى ، وبسبب التعدد الثقافِّيّ فإن سنغافورة أصبحت بلاد متعدد الديانات : تُشكل،البوذية 42,5 % ، واللادينيون 14,8 ٪ ، والمسيحية ٪ 14,6 ، والإسلام 13,9 % ، والطاوية 8,5 %[4] .
العقيدة الكونفشيوسية في اختيار المعلم تتم وفق مرجعية صوفية فلسفية في مخيال هذه الدولة الشرقية الأسيوية التي ترى في كل معلم كونفشيوس عصره لذا يحظى المعلمون والأساتذة بالتبجيل والاحترام الكبير من سكانها الذين يتربع الصينيون والملاويون على جزء كبير من النسب البشرية.أما الرواتب فتضاهي رواتب الوزراء وحقوق المدرس مكفولة وترصد الحكومة أموالا طائلة وسخية جدا فالراتب الادنى لمعلم أو مساعد معلم يتروحان بين 24 ألف و47 ألف دولار سنويا..ناهيك عن العلاوات والحوافز بل ان هناك منحة تقدم للهندام والأدوات الشخصية للمعلم قد تصل إل ألف دولار أو ألفين سنويا.
تدرس مواد اجتماعية وإنسانية اختيارية يدخل فيها الفكر الناقد والمبدع في المرحلة المتأخرة من الابتدائي والاستهلالي في الثانوي. تراتبية النجاح عالية في تصنيفات OECD PISAدائما هي الأولى عالميا في جودة التعليم وتطوير منظومات المناهج.
تجد الثقافة النقدية مجالا واسعا في تكوين المعلم السنغافوري في مختلف الأطوار فالبرامج التكوينية تربط الواقع المعاصر برؤى نقدية جديدة متغيرة وتكسبهم قدرات على التدريس الناقد وعلى قياس تعلمات مريديهم وتقويم مهاراتهم وفق منهج مشبع بالفلسفة النقدية .مع التركيز على التعليم الذاتي كمدرسة موازية في البيوت يضطلع بها أولياء الامور كشريك منهاجي ضروري.
بالمقارنة وإن كانت مقابلة ومجازفة غير محدودة العواقب مناهجنا لا تحتاج فقط تجديد بل ثورة علمية بعد مصائب التقويم والتكوين الذي أضحى يراهن على النفخ في النقاط و المعدلات والنتائج ويعتبرها غاية في ذاتها على حساب الوعي الكينوني إذا نحن أخدنا بالفلسفة كمادة ومشروع مدرسي نراهن فيه على اعادة تكوثر الوعي الوطني والتاريخي . المناهج التبريرية والارجائية والتي تنسف كل محاولة لترميمها في كل موعد تقويمي هي تُعجل بفنائها بل نهاية تؤكد أن الدرس الفلسفي كنموذج منهاجي إلى زوال .أشرت في مناسبة سابقة .أن المدارس الفلسفية والمقاربات التي تقصي النص ولا تهذب أي محاولة للتفكير في النصوص المرجعية الأصيلة وتعتمد جمهور الشراح لا يُعول عليها. ستظل كل مكوناتها من كتاب مدرسي ووثائق ودلائل منهاجية أسيرة التفسير والشرح والاعتباطية إلى الأبد.فلسفة المناهج في سنغافورة تقوم أساسا على خارطة عقلانية عميقة هي بث التفكير النقدي عند الطفل والمتمدرس عموما وهو مستوى هدفي عام أما الأهداف الخاصة هي قياس المعارف وتقويمها بدل تقييمها مؤقتا فالاختبارات هي مؤشرات فقط وليست نهايات لفترة تعليمية تجعل الطالب يكتسب المهارات والقيم والأفكار وتجسيدها في اليومي والواقع ولا يتأتى هذا إلا وفق احداثيات حضارية ووعي تربوي سياسوي ناضج جدا.
فلسفة التربية أو العقيدة التربوية هي مفهوم فوق أيديولوجي عابر للنزعات السياسيوية الضيقة أو المؤقتة فهو يتجه إلى المبادئ التاريخية والوطنية والاجتماعية والثقافية التي يقوم عليها فصيل بشري أو أمة وحّدَها المصير والجغرافيا والدين والثقافة.
محمد بصري باحث من الجزائر.
هوامــــش
1- خصائص ومميزات التعليم العام في سنغافورة أ.لطيفة فيصل مندني و د.غازي عنيزان الرشيدي ص7/8.
2- مقال لماذا تفوقت سنغافورة في التعليم؟ للكاتب الخبير د.محمد الربيعي. العربية.
3- المنهل مجلة التجربة السنغافورية في التعليم تهاني الجبير وفاء الفايز .
4- journal of humanities and social sciences studies فلسفة النظام التعليمي في سنغافورة ومن كان وراء النجاح مجموعة باحثين.
*باحث من الجزائر




