د. ندى الزين محمد حسن
تمثل اللغة الأم أكثر من مجرد وسيلة للتواصل، فهي الوعاء الأول الذي يحتوي الوجدان، والمرآة التي ينعكس فيها التكوين النفسي والثقافي للفرد. في السنوات الأخيرة، ومع ازدياد أعداد الأطفال المنخرطين في نظم تعليمية بلغات أجنبية أو غير مألوفة لهم، أضحى من الضروري إعادة النظر في المكانة النفسية والتربوية للغة الأم، ليس فقط بوصفها تراثًا، بل باعتبارها آلية فاعلة في تحقيق التوازن النفسي والانتماء الثقافي داخل البيئة المدرسية متعددة اللغات.
من منظور علم النفس التربوي، تمثل السنوات الأولى من عمر الطفل مرحلة تكوينية حرجة، تتبلور خلالها منظومات الإدراك والانفعال، ويُبنى فيها أساس الهوية النفسية. واللغة، في هذه المرحلة، لا تؤدي وظيفة خارجية فحسب، بل تشكّل البنية الداخلية التي تتم من خلالها عمليات التفكير، وتُصاغ عبرها المفاهيم الأساسية عن الذات والعالم. فالطفل لا يتعلم اللغة فقط، بل يتعلم عبرها كيف يُفكر، وكيف يُعبّر عن نفسه، وكيف ينتمي. وحينما يدخل المدرسة ليُواجه لغة أخرى تختلف عن تلك التي تشبع بها وجدانيًا ومعرفيًا، تبدأ عملية فصام لغوي-نفسي، تضعف فيها الروابط بين الأنا الداخلي ومجال التعلم الخارجي، ما قد يؤدي إلى انكماش في الدافعية، واضطراب في الانتماء، وشعور بالخوف أو الدونية.
تؤكد الأبحاث النفسية المعاصرة على أن العلاقة بين اللغة والهوية علاقة عضوية. فاللغة الأم ليست وسيلة محايدة، بل محمّلة بالذكريات، بالعواطف، بالقصص العائلية، وبالإيقاع الحميمي للحياة اليومية. وبالتالي، فإن حرمان الطفل من استخدامها داخل المدرسة، أو تجاهلها في السياقات التعليمية، لا يُفقده مجرد أداة تواصل، بل يُفقده جزءًا من ذاته. وقد بيّنت دراسات متعددة أن الأطفال الذين يُسمح لهم باستخدام لغتهم الأم في الفصول الدراسية يتمتعون بدرجات أعلى من الاستقرار النفسي، والقدرة على التعبير العاطفي، ويُظهرون مهارات معرفية أكثر نضجًا مقارنة بأقرانهم الذين يُجبرون على قمع لغتهم الأولى.
من الناحية النفسية العاطفية، تُعدّ اللغة الأم الوسيط الأكثر فعالية للتعبير عن الانفعالات المعقدة. فالكلمات التي يتعلمها الطفل في حضن أمه تُحمّل بدلالات وجدانية مكثفة. وعند استبدال هذه الكلمات بأخرى لا ترتبط بتجاربه الحميمية، يفقد الطفل القدرة على التعبير الدقيق عن ذاته. وهذا الفقد قد يتجلى في صورة صمت مرضي، أو عدوان لفظي، أو انسحاب اجتماعي، وهي جميعها مؤشرات على اضطراب التكيف النفسي. كما أن اللغة الأجنبية قد تمثل سلطة فوقية يشعر الطفل أمامها بالعجز، مما يؤدي إلى نمو مشاعر النقص أو عدم الكفاءة، وهي مشاعر ترتبط لاحقًا بمشكلات في الثقة بالذات والصورة الذاتية السلبية.
وفي المجال المدرسي، لا تنفصل هذه الأبعاد النفسية عن النتائج التعليمية. فالتحصيل الدراسي لا يُبنى فقط على المهارات المعرفية الباردة، بل يتطلب مناخًا نفسيًا آمنًا، وشعورًا بالانتماء، وقدرة على التفاعل مع المحتوى دون توتر لغوي. وقد أظهرت تجارب تعليمية من كندا ونيوزيلندا وفنلندا، أن إدماج اللغة الأم في مراحل التعليم المبكر لا يُقلل من اكتساب اللغة الرسمية، بل يُعزز من القدرات التحليلية والقدرة على الانتقال المعرفي بين اللغات، ويزيد من الثقة بالنفس الأكاديمية.
إن الإقصاء المنهجي للغة الأم داخل المدارس، لا يمثل فقط خطأً تربويًا، بل يُعدّ إخلالًا بالتوازن النفسي للمتعلم. ومرد هذا الإقصاء أحيانًا إلى سياسات تعليمية غير حساسة ثقافيًا، أو إلى تصورات نمطية تَفترض أن التعلم الجاد لا يتم إلا بلغة المركز أو لغة المستعمر السابق. غير أن ما يغيب عن هذه التصورات هو أن الطفل الذي يُجبر على كبت لغته الأم، يُجبر في الحقيقة على التخلي عن مرجعياته النفسية العميقة، ويدخل في صراع داخلي لا واعٍ بين رغبته في التقدّم المدرسي وحاجته الأصيلة إلى التعبير الذاتي بلغته الأولى.
من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة في بناء السياسات التربوية، مقاربة ترى في اللغة الأم حقًا نفسيًا وثقافيًا، لا ترفًا تقليديًا. وتبدأ هذه المقاربة من الاعتراف بأن احترام الخلفية اللغوية للطفل هو شكل من أشكال احترام إنسانيته، وأن إتاحة المجال له للتعبير بلغته الأصلية في بعض الأنشطة لا يُضعف النظام التعليمي، بل يقويه. كما يتطلب الأمر إعداد المعلمين نفسيًا وتربويًا لفهم الأبعاد غير المرئية للغة، وتدريبهم على كيفية التعامل مع طلاب ينتمون إلى خلفيات لغوية وثقافية متعددة دون أن يشعر أيٌّ منهم بالإقصاء أو الخجل من لغته الأم.
ليس الهدف، بطبيعة الحال، أن تتحول المدارس إلى فسيفساء لغوية فوضوية، وإنما أن تُبنى استراتيجيات لغوية واعية تُوازن بين متطلبات التعليم الرسمي وحاجات الطلاب النفسية والثقافية. ويمكن في هذا السياق اعتماد نموذج “الازدواج اللغوي المتوازن”، حيث يُسمح باستخدام اللغة الأم في المراحل الأولى من التعليم كمساند للغة الرسمية، مع تعزيز تدريجي لقدرات الطالب على التنقل بين اللغتين، دون أن يشعر بأن إحداهما أعلى أو أدنى من الأخرى.
في الواقع، لا يمكن فصل اللغة عن النفس، ولا التعلم عن الانتماء. واللغة الأم، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة لتسهيل التعلم، بل هي شرط نفسي وثقافي لتحقيقه. إن المدرسة التي تُنصت للغة الطفل الداخلية، وتفسح لها مجالًا، تُعلّمه كيف يكون لا كيف يُشبه الآخرين، وتفتح له بابًا نحو التماسك الذاتي والتفوق الدراسي دون أن يُضطر إلى التنازل عن ذاته. وهذه ليست فقط مسألة لغوية، بل قضية نفسية بامتياز.





