رحموني عبد الكريم
إن التقويم المنهجي الذي يتم عبر شبكة من المختصين، ويكون باستعمال أدوات القياس، والكفاءة الحديثة، هو الذي يمكن حقا، من استخلاص المؤشرات. والتقاط صورة أمينة للواقع تمكن من تصحيح النقائص، وتعديل الاختلالات. واستنباط الخلاصات التي تتمكن الفرق العاملة في ميدان إعداد مواضيع البكالوريا من استغلالها، وتوظيفها في بناء أسئلة تروم إلى خلق تواصل علائقي بين واضع المواضيع والطالب المقبل على اجتياز شهادة البكالوريا. بغية ترميم معالم الفلسفة، وإعادة المكانة المرموقة التي تليق بها، من أجل إعداد مواطن يتميز بروح النقد، لكن عند قراءتنا لمواضيع البكالوريا لسنة ألفين وواحد وعشرين( 2021 ) وجدنها لا تقتصر على المواصفات الايجابية التي تسعى إليها بيداغوجيا الكفاءات في منهاجنا التربوي الجزائري إلا في بعض المواضيع بالنسبة للشعب الرياضية والعلوم التجريبية ولآداب والفلسفة وحتى هذه الأخيرة لا تسلم من ملاحظاتنا والوقوف على النقائص من أجل الإصلاح، فإثارة سؤال الاستقصاء بالوضع « لا علم بدون فلسفة » بالنسبة لشعبة الآداب واللغات الأجنبية، سؤالا مبهما، مفتوحا على التأويل يحتاج إلى صياغة سليمة تساعد الطالب على الإجابة المقنعة، فوجب طرحه كالآتي:
يعجز العلم عن تحديد غاياته الخاصة، انه بحاجة دائمة إلى فلسفة تتجاوزه وتحكم عليه.
وهذا الطرح قدمه برتراند راسل في كتابه “النظرة العلمية”
وعليه فان نموذج التصحيح بالنسبة لعرض منطق الأطروحة يجب أن يركز على الابستمولوجين أمثال غاستون باشلار وراسل ثم هؤلاء العلماء الكبار اللذين تحولوا للكتابة الفلسفية لوصولهم إلى حائط مسدود في أبحاثهم ولثقتهم بأن العلم عاجز عن الإجابة على كثير من الأسئلة التي تبرع فيها الفلسفة. ومن هؤلاء: برتراند راسل و بوانكاريه في الرياضيات،أينشتاين في الفيزياء و كلود برنار في الطب.
في حين عرض منطق الخصوم ونقده: يجب الوقوف على صاحب الاورغانون الجديد فرنسيس بيكون الذي اعتبر أن الأفكار الفلسفية تعيق وتمنع العلم من الوصول إلى نتائج علمية، لهذا دعا بيكون إلى إلغاء الفلسفة، وكذلك أوغست كونت من خلال الأخذ بالمرحلة الوضعية العلمية.
هذه النزعة تبناها فلاسفة حلقة فينا اللذين اعتبروا أن المعرفة الوحيدة الجديرة بهذه التسمية هي المعرفة العلمية، أما باقي المعارف ومنها الفلسفة فهي مجرد حشو كلامي لا قيمة فعلية له.
ولكي ننقد الخصوم ونرد على منطقهم يمكن القول: الفلسفة تعطي للعلم معنى للمسألة المطروحة: أي أنها تعلم الباحث ألا يكتفي بما توصل إليه، بل بأن يستمر بالتساؤل ويطرح على ذاته السؤال ولو استعرضنا كتابات ستيفن هوكينج وهو وريث كرسي نيوتن في أكسفورد سنجده يذكر الكثير من الفلاسفة اليونان الطبيعيين في كتبه مذكرا بإسهاماتهم في محاولة فهم الكون، فهذا اينشتاين وهو واحد من أعظم الرجال المبدعين في فيزياء القرن العشرين نجده يثني على الفلسفة.
ما هي أهم الحجج الشخصية للدفاع؟
نقول:
العلم غير معنى بالمواقف الإنسانية تجاه قضية من قضايا التطور والمجتمع والمستقبل، أما الذي يسأل عن قيمة القضايا هي الفلسفة.
للفلسفة أيضا دور نقدي وبناء خصوصا في ما يختص بالتطور العلمي والتكنولوجي مثلا: أسلحة الدمار الشامل، حقوق الإنسان، الاستنساخ.
اعادة مادة الفلسفة بكل فروعها إلى كل الاختصاصات الجامعية في الولايات المتحدة الامريكية بدءاً من سنة 1975 .
ما جدوى الفلسفة؟
إذ تكررت أسئلة أهمية الفلسفة بالنسبة للعلم عند شعبتي العلوم التجريبية والآداب واللغات الأجنبية من الإشكالية الأولى: في المشكلة والإشكالية، فكان يجب على المختصين في طرح المواضيع التركيز على النصوص فنحن نعيش مع النص الفلسفي، نميزه عن بقية النصوص الأخرى برمزيته ومفاهيمه، بناءه وأدواته، أفكاره ودلالاته، لغته وأنساقه، وظيفته وكلماته. والنصوص التي تخدم هذا الغرض تتجلى في: ضرورة الفلسفة للفيلسوف ألتوسير من كتابه ” تأهيل إلى الفلسفة للذين ليسوا بفلاسفة”، صفحة 39 إلى 42 ، نص علاقة العلم بالفلسفة للفيلسوف الفرنسي غاستون لوي بيير باشلار من مؤلفه ” العقل العلمي الجديد” ، نص الفلسفة العلمية للفيلسوف هانز ريشنباخ من كتابه ” نشأة الفلسفة العلمية ” صفحة: 39 إلى 41 .
إن النص بنية معنوية وإشكالية متكاملة العناصر ينزل ضمن نسق فلسفي محدد الدلالة، يفرض نفسه على القارئ الأستاذ، كما يفرض نفسه كذلك على القارئ التلميذ، فلماذا نقحم نص شاكر مصطفى حول استحالة دراسة الحادثة التاريخية ونترك نصوص الفلاسفة من مصادرها، فهناك نص المنهج في العلوم الإنسانية لعالم الاجتماع أوغست كونت من كتابه ” محاضرات في الفلسفة الوضعية، صفحة: 142 إلى 145 Cour de philosophie positive . وهناك نصوص أخرى تتضح جليا في: نص المعرفة التاريخية للفيلسوف ريمون آرون، نص المنهج الوضعي في التاريخ للفيلسوف هنري مارو، نص ذاتية المؤرخ للفيلسوف جون جاك رسو، نص فن التاريخ للعلامة عبد الرحمن بن خلدون من كتابه المقدمة، صفحة 362 .
لم يعد منوطاً في المنهاج أن يقدم الدرس الفلسفي مفتقرا لروحه، غائبا عن جماليته، بل أن يقدم شهادة ميلاد طالب يتميز بروح النقد « ذلك لأن الدرس الفلسفي يجب أن يكون أول ما يكون مجلس تبادل أفكار لا مجلس تلقين معلومات » . فجاء في طريقة الجدل في تركيبها تهذيب التعارض بين الأطروحتين دون ترك مساحة لحرية المترشح في تغليب أطروحة على أخرى والممارسة الفعلية لروح التفلسف المؤسس على النقد وفي هذا الصدد يقول الغزالي:« إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة والضلال»
قائمة المراجع:
أبو حامد الغزالي: ميزان العمل، طبعة أولى 1964، دار المعارف مصر
مدني صالح: مقالات في الدرس الفلسفي، جمعه وأعده وقدم له، محمد فاضل عباس، ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية،طبعة أولى،2016.
رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر





