المجلة الثقافية الجزائرية

تطواف من ذاكرة التصوف في السودان: الشيخ عبدالرحيم البرعي

 د.صلاح التوم إبراهيم 

إن للشيخ البرعي مكانة عظيمة في نفوس العامة و الخاصة في السودان وفي نفوس أبناء العالم الإسلامي. ولا أدري كيف فاتت علينا ذكراه ، والتي كانت في شهر فبراير الماضي ، وهي الذكرى التاسعة عشرة لوفاته.

الشيخ عبدالرحيم الشيخ محمد وقيع الله البرعى أحد علماء السودان ، وشيوخها الأفذاذ الذين اسهموا فى الحياة الدينية والإجتماعية بل وإسهامه فى الحياة السياسية من خلال مشاركاته فى حل كثير من القضايا الإجتماعية والسياسية ، وقضايا السودان. 

ولد الشيخ عبدالرحيم البرعى بقرية الزريبة فى العام 1923م ( قرية الزريبة: تقع على بعد مائة كيلو متر في الجزء الشمالي الشرقي لمدينة الأبيض ) . وسُمي بالبرعي تيمنًا بالشيخ عبد الرحيم البرعي اليمني، الذي أصدر قصائدَ عديدة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم.

شيد البرعي في الزريبة معهداً لحفظة القرآن أسماه المعهد العلمي سنة 1970 م ولا زال يؤمه العديد من طلاب العلم من السودان والدول المجاورة. منحته جامعتا أم درمان الإسلامية والجزيرة الدكتوراه الفخرية تقديراً للجهود الشعبية والإنسانية الضخمة والمتميزة التي قام بها تجاه المجتمع السوداني.

ألف الشيخ البرعي العديد من دواوين الشعر منها (ديوان رياض الجنة ونور الدجنة) وديوان (فتح ذي المعارج في الشعر السوداني الدارج)، وكتاب منظوم بعنوان (هداية المجيد فى علوم الفقه والتوحيد) . وللشيخ البرعي العديد من المؤلفات في مدح نبينا (صلى الله عليه وسلم) . 

إن شعر الشيخ البرعي يحتوي على ثلاثة موضوعات رئيسة، هي: 

الحب الإلهي 

المديح النبوي

الوعظ و الإرشاد

وامتاز شعره بوحدة وزن ألفاظه، و مصادره هي القرآن الكريم و السنة النبوية، كما أن قاموسه الشعري يخلو من الغريب و السوقي المبتذل، و معاني شعره واضحة خالية من التعقيد، و يصدر شعره عن عاطفة فنية و ذوق رفيع و موهبة متوقدة، يملك صاحبها ثروة لغوية غزيرة. وأضحت قصائده في المديح النبوي أكثر شهرة وترديدا، ومنها قصيدته الشهيرة “بوريك طبك” :

ﺑﻮﺭﻳﻚ ﻃﺒﻚ ﺃﺣﺴﻦ ﻓﻲ من

ﻋﺎﺩﺍﻙ ﻭﻣﻦ ﻳﺤﺒﻚ ﺃﺫﻛﺮ ﺇﻟﻬﻚ

ﻳﻮﺕ

ﻻ ﺗﻨــﺲ ﺭﺑــــــﻚ

ﺃﻛـﺜـﺮ ﻟﻲ ﺬﻛﺮ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺗﻠﻘﺎﺑﻮ

ﻃﺒــﻚ

ﺑﻞ ﺃﻧـﺲ ﺇﺣﺴﺎﻧﻚ ﻓﻲ ﻤﻦ ﻳﺤﺒﻚ

ﻭﺗﻨـﺎﺳﻰ ﻳﻮﺕ ﻹﺳﺎﺀﺓ ﻣﻦ ﻳﺴﺒﻚ

ﻓﻴﻤـــــﺎ ﻳﻬﻤــــــــــــﻚ

ﺃﺟــــــﻌﻞ ﺟﻤــﻴﻊ ﻓﻜﺮﻙ

ﺷﻐﻠﻚ ﻭﻫﻤـﻚ

ﺛﻢ ﺃﺣﺘﺮﻡ ﺷﻴﺨﻚ ﻭﺍﻟﺪﻙ

ﻭﺃﻣـــﻚ ﻭﺍﻟـﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ ﺧﺎﻟﻚ

ﻭﻋﻤﻚ

ومن قصائده زائعة الصيت “مصر المؤمنة” :

ياصاحي همنا لزيارة أمنا

مصر المؤمنة بأهل الله

قم نحدا ونظعنا لها نبذل وسعنا

لاتخشى الفاقة والشدة والعنا

زور فيها حبورك إبليسك ألعنا

وهوى الامارة في نحروا اطعنا

الدنيا الساحرة للشر لاتدعنا

ونفوسنا الخاينة للأمر تذعنا

في حدودنا وشرعنا عين الله ترعنا

ومن شعره أيضا “يا ماشي للبلد الامين” :

يا ماشي للبلد الأمين..

طوف مكة حج زور الضمين 

يا ناوي للبلد الأمين..

أبشر بالخير هز باليمين

قوم امشي للنبي الضمين..

تنجابو في الصف اليمين

لا تمقلبك دار الخيال..

لا تخوفك عيشة العيال

لو كنت ما بتملك ريال..

رزقك يجيك غير احتيال

وقال أيضا :

درج القَلب من شهر إِلى سنة

عنهم وأرضيه دون الوصل بالحلمِ

يا نازِلا بربا نجد أعد خبراً

عَن معهدٍ بعقيق الرمل منهدمِ

وَدمنة قسمت بالبين أَربعها

بين الزَمانِ وبين الريح والديمِ

اهتم الشيخ البرعي بحركة الإصلاح الاجتماعي -كما هو شأن المتصوفة في كل مكان- وكرَّس كلَّ حياتِه لذلك، وبفضل مجهوداته تحولت «الزريبة» من قرية صغيرة ليس بها أي نوع من الخدمات، إلى مدينة صغيرة تجمع كل الخدمات الضرورية للإنسان.

انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم 20 فبراير 2005م، وقد استشعر المجتمع السوداني مرارة الفقد للشيخ العارف بالله عبدالرحيم البرعي الذي ارسى طيلة حياته معالم الاستقامة والطهر والكرم والأبوة الصادقة، فكان اخاً شفوقاً للكبير وأباً حنوناً للصغير، وقدم في حياته الطاهرة المثال الصادق على إخلاص النية وصدق التوجه وقوة العزيمة· وامتد جهده حتى قبيل وفاته بأشهر قليلة، حيث عقد خمسة آلاف زيجة تقريبًا في مهرجان واحد. ألا رحم الله الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمة واسعة وأسكنه فسيح الجنان, وأخلف على أمة السودان والإسلام بالخلف الجزيل.