المجلة الثقافية الجزائرية

جغرافية الأديان

داود سلمان الشويلي

((مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ))(1) 

-القران –

للجغرافية دور كبير، وهام، في كل فعل انساني يقوم به فرد أو جماعة، عندما يكون هذا الفعل بمردود كبير على الانسانية جمعاء، بالإيجاب أم السلب. أن الجغرافية هذه تعطي من المعاني، والدلالات، المؤثرة لهذا الفعل، والذي تتقبله الانسانية سلبا أم ايجابا.

فعندما ظهرت الماركسية على سبيل المثال في أوربا فانها ظهرت لسبب هام هو ان أوربا فيها طبقة عاملة على العكس من باقي شعوب، ومجتمعات، القارات الأخرى التي تفتقد لهذه الطبقة، وهذه الطبقة كانت هي المحرك الأساسي لنظرية ماركس في رأس المال، ويمكن رسم مثلث هذه النظرية كالآتي:

صاحب العمل – العمل – العامل 

فصاحب العمل يقدم العمل للعامل. والعامل يعمل لانتاج هذا العمل. والعمل يدر أرباحا لصاحب العمل، وكانت الجغرافية الأوربية هي المنتجة لهذه النظرية التي انتشرت في بقاع العالم وأصبحت دينا لمعتنقيها حتى وصل الحال بستالين – كما قرأت مرة – ان يخلق طبقة عاملة في الاتحاد السوفيتي فأطلق أسم عامل على الفلاحين، والمزارعين، في التعاونيات. وكذلك بنى المصانع، والمعامل.

***

أما على المستوى الديني، فالجغرافية لها الدور الكبير في انتاج الأفكار، والمعرفة، الدينية، كما كان لها الدور في إنتاج الأفكار السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية، والفلسفية، ولم تنقل جغرافية أحداث معروفة، ومشهورة، من مكان الى آخر، أو من زمان الى آخر، إلا لحاجة المكان، والزمان، لها، ولأسباب كثيرة، كما نقلت جغرافية عبادة الأله، أو الآلهة، في المكان، والزمان، المعينين. 

الدين اليهودي، والتوراة، كذلك، وبصورة تعسفية، وغير صحيحة، ولأسباب سياسية، ولاهوتية، غير معلنة، ابتداء من الترجمة السبعينية، مرورا بنهايات القرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا في الوقت الحاضر، نقلا من جغرافيتهما الأصلية التي عاشوا فيها، وهي اليمن حسب الدراسات الأخيرة الايركيولوجية، واللقى الآثارية، والنقوش المسندية، الى جغرافية فلسطين الحالية، وكذلك مصر النيل الحالية، “ايجيبت”. وقد ذكر ذلك كتّاب عرب كبار، وأشار كتاب أجانب الى ذلك في دراساتهم كذلك، ابتداء من بدايات القرن الماضي بالنسبة للأجانب، مثل المستشرق مرغليوت، ود. اسرائيل فنكلشتاين، ونيل أشر سلبرمان، في كتابهما (التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها– تر: سعد رستم – صفحات للدراسات والنشر – ب. ت..)، وحتى ثمانينيات القرن الماضي بالنسبة للعرب. والكتاب العرب هم كل من الدكتور كمال صليبي في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، وكتابه (خفايا التوراة وأسرار شعب اسرائيل – ط6– دار الساقي – 2006.). والمؤرخ، والمفكر، فاضل الربيعي في أغلب كتبه التي نيفت على العشرين، وخاصة كتابيه (فلسطين المتخيلة – المجلد الأوّل – أرض التوراة في اليمن القديم – دار الفكر – دمشق – ط1 – 2010.)، وكتابه (بنو اسرائل وموسى لم يخرجو من مصر –دار رياض الريس للكتب والنشر – 2016.). مرورا بالدكتور أحمد داود، وكتابه (العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود –دار الصفدي – 1991.). والأستاذ فرج الله صالح ديب في كتابه (التوراة العربية وأورشليم اليمنية – نوفل – 1994.). وحتى كتابات صاحب هذه الدراسة، مثل كتابيه (الخيانة العظمى – أشعار التوراة وجذورها العربية القديمة- “مقاربة نقدية جديدة بين ترجمات الربيعي والنصوص التوراتية الرسمية”– دار الرافدين – 2022.)، وكتابه (تحريف التوراة – دار أكوان – 2024). 

عرفنا من كتاب الدكتور كمال صليبي ان جغرافية التوراة ليست في فلسطين أرض الشام كما تزعم الصهيونية، ومن ورائها أمريكا، وانكلترا، وبعض الدول الغربية، لحاجتهم لمثل هذا الزعم، وانما جغرافيتها الحقيقية جنوب غرب الجزيرة العربية في عسير. ثم جاء المؤرخ، والمفكر، فاضل الربيعي بنظرية تقول ان تلك الجغرافية كانت في اليمن، وقد نوه الى ذلك كل من الدكتور أحمد داود، والاستاذ فرج الله، ولا أجد فرقا بين ما ذكره الدكتور الصليبي، والمؤرخ الربيعي لأن المكان الذي حدده الصليبي لا يبعد كثيرا عن المكان الذي حدده الربيعي، أو ان مكان الصليبي كان يعد من ضمن جغرافية اليمن في الماضي إذ لا حدود تفصل بين المدن، والحواضر.

إذن التوراة، واليهودية، وكذلك قبيلة اسرائيل، كانوا في اليمن، حتى أن هنالك اشارات في القرآن لذلك، مثل ذكر مِصر، ولم تكن مِصر قد عرفت بذلك في وقت القرآن. وذكر كلمة “تُبّع” ليقارنهم بقوم اسرائيل، ((أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ))(الدخان:37)، وتبع هو للملك. ولنضع علامات استفهام كبرى أمام هذه الجملة. 

***

أما جغرافية الانجيل فقد حولها من له أسبابه الخاصة، وهي أسباب عرقية، وسياسية، ولاهوتية، وكذلك استعمارية، من جغرافيتها الأصلية في اليمن الى جغرافية فلسطين، كما أشارة في كتابه الدكتور كمال الصليبي(البحث عن يسوع – قراءة جديدة في الأناجيل – دار الشوق – 2000 راجع ص 133)، وكتاب المؤرخ فاضل الربيعي (المسيح العربي، النصرانية في الجزيرة العربية والصراع البيزنطي الفارسي – فاضل الربيعي – دار رياض الريس- 2017.).

المسيحية في اليمن تسبقها طقوس مورست بعد ظهور المسيحية مثل عبادة ما يسمى بالثالوث الكوكبي، وطقس الاعتراف، وعبادة الأب، والابن، وهذه الطقوس قد حدثت قبل ميلاد المسيح بـ 800 سنة(2).

***

أما جغرافية الاسلام، والقرأن، والتي وضع هذا الكتاب من أجل فحصها، وتبيان ما إذا كانت قد نقلت من اليمن كذلك الى مكة الحجاز، ومن ثم مدينة “يثرب” التي بدل اسمها الى المدينة، مثلما نقلت جغرافية التوراة، والانجيل، ولأسباب مختلفة، منها بعد الفترة الزمنية بين ظهور الاسلام، وبين وضع المؤلفات باللغة العربية عن ظهور الاسلام، وانقطاع الأخبار الصريحة، والصادقة، وطمس الحقائق أثناء الحكم الأموي الذي اتهم من بعض الكتاب مؤخرا بأن بعض الخلفاء الأمويين كانوا على الديانة المسيحية. وكذلك ما جرى من معارك بين الخلفاء الأمويين في الشام، وبين بعض المسلمين في المدينة، وأيضا في وقت الخلفاء العباسيين، كل ذلك أثر في نسيان ألأخبار الصحيحة عن ظهور الاسلام.

***

وأخيرا نعود الى الآية التي افتتحنا بها دراستنا هذه، والتي تذكر ان ((مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ))ـ تعني ان البهودي هو مسلم يهودي، والمسيحي هو مسلم مسيحي، والمسلم هو مسلم مسلم، أو مسلم محمدي، أو مسلم قراني. أي انهم جميعا ينهلون من مصدر واحد إلا ان هذا الأمر لم يصدق عليه القول فاختلفوا فيما بينهم في الشريعة خاصة، وقد برر المسلمون ذلك، سوى المسائل التي تتطلب تقادم الزمن، فتتغير، بتحريف كتبهم (المنزلة)، وهو أمر يرميه أحدهم على الآخر بكل فخر.

***

الهوامش:

() راجع كتاب فاضل الربيعي ” نظرية في إعادة ترتيب الأديان والعصور – سرجون الثاني وبلقيس – دار الفرقد -2019)

(2) انظر: فيديو أصول المسيحية عربية من اليمن – سرديات فاضل_الربيعي – 

https://www.facebook.com/watch/?v=1580017429522061)