المجلة الثقافية الجزائرية

جماليات الإنبات في أرض القلق: قراءة تأويلية في ديوان ” أزهار الرمل” لشريف رشاد

د.أحمد كرماني عبد الحميد

 شعرية خارج التعريف: لحظية اللغة وتحقق الذات :

    يمكننا النظر لديوان أزهار الرمل بوصفه كائنًا لغويًا ينمو من داخله، تتوالد قصائده كما تتوالد الطبقات في التربة؛ طبقة ظاهرة من القول، وأخرى خفية من التجربة، وثالثة أعمق تشي بتوتر الوجود نفسه. ومن هنا لا تُقرأ قصائد الديوان بوصفها وحدات مكتفية بذاتها،إنما تقرأ بوصفها شظايا صوت واحد يتبدّل نبره ولا يتبدّل قلقه. إننا إزاء كتابة شعرية تحاول أن تنقل التجربة من مستوى القول إلى مستوى الإنبات؛ فالكلمات تبدو لي وكأنها بذور تنتظر قارئًا يعيد إنباتها داخل أفق التأويل.

  وفي ظني- وبعض الظن يقين – تتأسس جمالية هذا الديوان على ما يمكن تسميته اقتصاد الدهشة؛ إذ لا تقوم الصورة الشعرية فيه على المفاجأة الزخرفية أو الإبهار البلاغي، إنما تقوم الصور الشعرية على حركة تراكمية تجعل المعنى يتكشف بالتدريج، كما لو أن القارئ يسير داخل طبقات من الضوء؛ فالصورة لا تُلقى دفعة واحدة، إنما تتشكل عبر إيقاع داخلي من التلميح والتأجيل، بما يمنح النص طاقته التأويلية.

      في هذا السياق يبرز المجاز المركزي الذي ينتظم التجربة الشعرية في الديوان: الأرض/الرمل/الظل/الزهرة. هذه المفردات – فيما يبدو لي – لا تعمل بوصفها حقولًا معجمية متجاورة، هذه حقول تعمل بوصفها نظامًا رمزيًا تتحرك داخله العلامات وتبدّل مواقعها. فالزهرة لا تُقرأ بوصفها جمالًا طبيعيًا مكتملًا، قد تبدو الزهور وكـأنها تحمل بالفحوى هشاشة مقاومة، والرمل لا يظهر كصورة للجفاف، إنما كاختبار قاسٍ لإمكانية الإنبات. هنا تتشكل الجمالية الشعرية من التوتر بين الإمكان والاستحالة، بين الرغبة في القول وحدود اللغة التي تعيق اكتماله. ومن هذا التوتر ذاته تتولد الطاقة الشعرية للنص.

    أما الذات الشاعرة في هذه التجربة لاتحتل مركزًا متعاليًا يصف العالم من الخارج، تبدو الذات من خلال الديوان منغمسة في هشاشة العالم . لإنها ذات تُصغي أكثر مما تعلن، وتراقب أكثر مما تحكم. بهذا المعنى يتحول الصوت الشعري إلى ما يشبه الضمير الجمالي للنص؛ ضمير لا يدّعي امتلاك الحقيقة، إنما يختبر شروطها. فالشاعر هنا لا يقدم خلاصًا جاهزًا، بل يضع القارئ في تجربة البحث عنه.

   أما على المستوى الإيقاعي، فإن الديوان لا يراهن على الانتظام العروضي الصارم بقدر ما يراهن على إيقاع داخلي يتولد من تكرار الصور وتدوير الجمل وتنامي النبرة الشعورية. الإيقاع هنا ليس خاصية صوتية فحسب، الإيقاع يبدو وكأنه التجربة نفسها؛ يتسارع حين يشتد القلق، ويهدأ حين تقترب اللغة من التأمل. وهكذا تصبح القراءة فعل إنصات بقدر ما هي فعل تحليل.

   ومن أبرز جماليات الديوان؛ قدرته على تحويل اليومي إلى كوني دون افتعال رمزي. فغالبًا ما تنطلق القصيدة من مشهد صغير أو إحساس عابر، ثم ما يلبث أن يتسع ليصير سؤالًا وجوديًا مفتوحًا. لا يحدث ذلك عبر تضخيم اللغة، إنما عبر تعميق الرؤية. وهنا يشعر القارئ أن التجربة الفردية التي يتحدث عنها النص ليست معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني أوسع.

   ضمن هذا الأفق تكتسب عتبة العنوان “أزهار الرمل” قيمتها التأويلية. فالعنوان يقوم على مفارقة دلالية واضحة: الجمع بين ” الزهرة” بوصفها علامة خصب وجمال، و” الرمل” بوصفه علامة جفاف وتبدد. هذه المفارقة تعمل بوصفها تصورًا أنطولوجيًا للشعر ذاته. فالشعر، في هذا المنظور، هو إمكانية الإنبات في شروط الاستحالة؛ هو ظهور الجمال في بيئة طاردة للحياة. الزهرة هنا ليست نتيجة طبيعية، الزهرة هنا حدث لغوي مجرد ؛ لحظة مقاومة تظهر في أرض لا تحفظ الذاكرة.

   ومن ثمّ؛ لا يصبح الرمل نقيض الزهرة، الرمل هنا شرطها القاسي. فالجمال لا يتشكل إلا في مواجهة الفقد، ولا يشتد حضوره إلا بقدر ما يهدده الزوال. هكذا يتحول العنوان إلى عتبة إنذارية أكثر منه عتبة إغرائية؛ إنه يعلن منذ البداية أن القارئ مقبل على تجربة شعرية ترى في الهشاشة طاقة جمالية، وفي العقم الظاهر إمكانية خفية للمعنى.

ومن داخل هذا الأفق الجمالي يمكن قراءة نص “قبل البداية” ، الذي يفتتح التجربة الشعرية بسؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد العمق في دلالته:

لا يتقدم النص بوصفه تعريفًا للشعر، بل بوصفه محاولة لتفادي التعريف ذاته. فالشاعر يقول منذ البداية:

” ما الشعر

-لا تعريف للشعر

صفة..

-عليه الوصف لا يجري”

  هذه العبارة لا تنفي المفهوم بقدر ما تضعه موضع سؤال. فالشعر هنا لا يُدرك عبر تعريف منطقي، الشعر يتجلى هنا عبر أثره في اللغة والوعي. ومن ثمّ يقترح النص تصورًا للشعر يقوم على خمسة مرتكزات أساسية: رفض التعريف لصالح الأثر، النظر إلى اللغة بوصفها إشراقًا لا أداة، ربط الشعر بالحواس المؤولة لا الحسية، وصل التجربة الشعرية بالكشف الروحي دون خطاب وعظي، وأخيرًا إسناد الشعر إلى الذات بوصفها مقامًا لا موضوعًا.

   فحين يُستدرج الشعر إلى خانة التعريف غالبًا ما يُختزل في كونه نوعا من القول المميز أو أسلوبًا لغويًا خاصًا. غير أن هذا المنظور يغفل جوهر التجربة الشعرية بوصفها حدثًا لغويًا. فالشعر لا يُفهم هنا على أنه ما يُقال فقط، الشعر هنا لا يتجلى إلا على أنه ما يحدث حين يُقال. في لحظة القول تعيد اللغة اكتشاف ذاتها، ويولد المعنى داخل الفعل اللغوي ذاته.

هذه الفكرة تنقلنا من منطق البنية البيانية الخالصة إلى منطق الفاعلية؛ أي من السؤال عما يقوله الشعر إلى السؤال عما يفعله باللغة والوعي. فاللغة في الشعر لا تعمل كأداة لنقل معنى سابق عليها، إنما تصبح فضاء يتكوّن فيه المعنى أثناء التلفظ أو القراءة. الشعر لا يصف العالم بقدر ما يعيد خلقه داخل اللغة؛ ولهذا يصف النص اللغة بأنها إشراق:

“لغة تشف،

يشع بارقها…

فإذا الدماء بميت تسري

عين مغايرة،

وأذن هوى

من وشوشات النحل للزهر”

   اللغة هنا ليست وسيلة تعبير فحسب، بل لحظة كشف. البرق لا يُمسك، لكنه يغيّر الرؤية. كذلك الشعر؛ إنه ومضة إدراكية تُعيد ترتيب علاقتنا بالعالم. ويتجلى هذا المعنى في الصورة المكثفة: “فإذا الدماء بميت تسري”؛ فاللغة الشعرية لا تكتفي بوصف الحياة، اللغة الشعرية هنا تمنحها وجودها داخل اللغة نفسها. إنها قوة إحياء رمزية؛ فالقول يتحول إلى فعل، والكلمة إلى طاقة خلق. غير أن هذا الحدث اللغوي لا يتحقق إلا عبر حواس معاد تأويلها:” عين مغايرة، وأذن هوى”

 ويتحول التلقي الشعري من استقبالً لمعنى جاهز،إلى مشاركة في الحدث. القارئ هنا لا يفهم القصيدة فقط، إنما يدخل زمنها، ويصبح جزءًا من تحققها. فالمعنى لا يكتمل إلا داخل لعبة الفهم بين النص والقارئ. ويتعمق هذا البعد حين يُشبَّه الشعر بالمعراج أو الفتح السماوي:

“معراج قلب للسماء مضى

حال الدعاء بليلة القدر

بعض التفاصيل الدقيقة،

أو سر إلهي ولاندري”

فالمعراج ليس انتقالًا مكانيًا، المعراج يبدو لى تحولًا وجوديًا. وكذلك الشعر؛ إنه انتقال في الوعي، لا مجرد انتقال في المعنى. إن القصيدة تخلق زمنها الخاص، زمن الانكشاف. وعندما يستدعي النص سؤال التراث:

” هل غادر الشعراء…”،

يسبقها

وحي القصيد يطل كالفجر

للشعر مفتاح لا انفتحت

من خلفه بوابة السحر

فإن الإجابة الضمنية تأتي من داخل التصور نفسه. فالشعر لا يمكن أن يُستنفد لأنه ليس مخزونًا لغويًا بل حدثًا متجددًا. كل قصيدة تعيد فتح اللغة من جديد. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في العبارة الأخيرة:

” كن أنت نفسك

لا تصف أحدًا؛

لا شيء خارج روحنا يٌغري”

   فالذات هنا ليست مركزًا يملك المعنى، تبدو الذات وكأنها موضع عبور الشعر نفسه. فالشعر لا يحدث خارج الذات، الشعر هنا داخلها، لكنه في الوقت نفسه يعيد تشكيلها عبر اللغة.

   ويمكن تعميق هذا التصور إذا نظرنا إليه في ضوء أفقين نقديين كبيرين: التأويلية الفلسفية والتفكيكية. ففي التأويلية، كما تظهر في الفكر الفلسفي الحديث، لا تُفهم اللغة بوصفها وعاءً للمعنى، إنما تفهم اللغة بوصفها مكان حدوث الحقيقة. والفهم ليس عملية عقلية تمارس على نص جاهز، إنما حدث يقع داخل اللغة نفسها. ومن ثمّ تصبح القصيدة فضاء حوار بين النص والقارئ.

    أما التفكيك فيضع هذا الحدث نفسه موضع سؤال. فالمعنى لا يظهر بوصفه حضورًا كاملًا، بل يتأجل باستمرار داخل اللغة. ومن هنا يغدو الشعر حدثًا لغويًا غير مكتمل بطبيعته؛ لإنه يولد في لحظة ويتشظى في اللحظة نفسها.

   هكذا يتحرك الشعر بين انكشاف المعنى واستحالته النهائية. التأويل يمنحنا أفق الفهم والمشاركة، بينما التفكيك يمنع هذا الفهم من التحول إلى يقين مغلق. وفي هذا التوتر الخلاق يعيش الشعر.

  ومن ثمّ يمكن القول إن الشعر كما يطرحه هذا النص الافتتاحي لا يبدو نصًا فحسب، إنما لحظة تتقاطع فيها اللغة والذات والزمن في نقطة كثيفة من المعنى. إنه لا يُختزل في تعريف، ولا يُستنفد في قراءة. إنه يحدث، وكلما حدث أعاد اللغة إلى دهشتها الأولى، وأعاد الإنسان إلى دهشته الأولى كذلك. ولهذا؛ وعلى الرغم من هشاشته الظاهرية، يظل الشعر أحد أكثر أشكال القول رسوخًا في التجربة الإنسانية؛ لأنه يعيش في تلك اللحظة الخاطفة التي تُقال فيها الكلمة فتغيّر ما بعدها.

جماليات النص وتحولات اللغة الشعرية:

  يمكن الكشف عن جماليات النص الشعري وتحولات اللغة الشعرية في ديوان أزهار الرمل من خلال قراءة بنية اللغة نفسها، لأنها في هذا الديوان فضاء تتحرك داخله التجربة الوجودية للشاعر. فاللغة هنا تتبدل باستمرار بين مستويات متعددة: مستوى تراثي يستدعي الذاكرة الشعرية العربية، ومستوى وجداني ذاتي، ومستوى رمزي حديث، الأمر الذي يجعل النص يعيش حالة من التحول اللغوي المستمر.

أولاً: جمالية التوتر بين اللغة التراثية واللغة الحديثة

وأحد أبرز تحولات اللغة في الديوان – من وجهة نظري – هو التوتر الخلاق بين اللغة التراثية الفصيحة واللغة الشعرية الحديثة. فالشاعر يستدعي أحيانًا ظلال الشعر العربي القديم، لكنه يعيد توظيفها داخل رؤية معاصرة. نرى ذلك مثلًا في استحضار الشاعر لنص من معلقة الأعشى كعتبة لقصيدته حين يقول: ” وهل تطيق وداعًا أيها الرجلُ؟!

أطقتُ ألف وداعٍ

أيها الأعشى،

لكنها في فؤادي أصبحت نقشا

فهذا التناص يحيلنا مباشرة إلى معلقة الأعشى، لكنه لا يأتي بوصفه اقتباسًا جامدًا، إذ يبدو وكأنه حوار مع التراث. الشاعر يعيد صياغته داخل تجربة ذاتية معاصرة حيث يتحول الوداع من حدث عاطفي إلى رمز للانكسار الوجودي. وفيه يخاطب الأعشى وكأنه حاضر ، ثم يتابع:

“أعيشُ كالذئب ليلي، غير منتظرٍ صبحًا،

وإن جاء

أمضي ..

حاملاً نعشًا”

 هنا تتحول اللغة من النبرة التراثية إلى صورة حداثية قاتمة؛ فالذئب ليس رمز القوة كما في الشعر القديم، الذئب هنا يبدو لي كأنه رمز العزلة والوحشة. تقطع الجمل على سطور لتحمل نبرا يشير إلى وجدانية التجربة وإيقاعها ، القابل للشك والاحتمال ( إن جاء ) يعقبها الفعل ( أمضي) ثم فراغ صوتي يعقبه (حاملا نعشي). وهكذا نلاحظ تحوّل الدلالة داخل اللغة نفسها. فهريرة محبوبة الأعشى هي محبوبة الشاعر في غيابها ووداعها خيبت أمال شاعر طموح ينتظر سؤالا يعيد الحياة حتى يكمل النبش، ثمة روح إذن غائبة، ثمة لغة غائبة ، ثمة نبش والنبش لا يكون إلا في الأرض بحثا عن دفين، عن موروث، عن وجود أصيل. فيه يفنى الشاعر الذي يحمل هو نغشه يمكن قراءة هذا القول الشعري بوصفه تمثيلًا مكثّفًا لوعي الذات الشاعرة بوجودها الهامشي والقلق. فالتشبيه في عبارة “أعيش كالذئب” لا يحيل إلى معنى الافتراس بقدر ما يرمز إلى العزلة والعيش خارج دفء الجماعة، حيث تتشكل الذات في فضاء الوحدة والتوجس. أما قول الشاعر ” ليلي غير منتظر صبحًا ” فيكشف عن وعي وجودي لا يراهن على خلاصٍ قريب، إنما يتقبّل العتمة بوصفها جزءًا من تجربة الكينونة. وتبلغ الصورة ذروتها في قوله ” وإن جاء أمضي حاملًا نعشي ” حيث تتحول الحياة إلى مسيرٍ واعٍ نحو الفناء؛ فالشاعر يمضي في الوجود مدركًا هشاشته وحدوده. وبهذا تتشكل بنية رمزية قوامها الذئب والليل والنعش، لتعبّر عن ذاتٍ شاعرة تبحث عن معنى وجودها في مواجهة العزلة.

ثانياً: جمالية الصورة الشعرية وتحولها الرمزي

  اللغة الشعرية في الديوان تقوم أيضا على تحويل الصورة الحسية إلى رمز وجودي. فالصورة لا تبقى في حدود الوصف، أنما نلاحظ تحولها إلى دلالة نفسية وفكرية.

ففي قصيدة “الرمادي” يقول الشاعر:

“أنا الرمادي

بين البين

لا أثق

على الحياد من الألوان أنبثق”

الرمادي هنا ليس لونًا فقط، بل هوية وجودية معلقة بين الأبيض والأسود، بين اليقين والشك. فاللغة تنتقل من المعنى الحسي (اللون) إلى معنى فلسفي يتعلق بالهوية والقلق.

ثم يضيف:

“أنفاق شك في هوة

أسير بها

لا ينتهي نفق إلا بدا نفق”

تتحول اللغة هنا إلى بنية متاهة؛ فالنفق يصبح استعارة للوعي المأزوم، وهذا التحول يمنح النص بعدًا وجوديًا واضحًا.

ثالثاً: جمالية المفارقة الشعرية

من أهم تقنيات اللغة في الديوان المفارقة، حيث يجمع الشاعر بين عناصر متضادة تولد طاقة شعرية. العنوان نفسه “أزهار الرمل” يقوم على هذه المفارقة؛ فالزهرة رمز الخصوبة، بينما الرمل رمز الجفاف. هذا التناقض يخلق تصورًا شعريًا عميقًا. فحواه الجمال يولد في بيئة قاسية. وتظهر هذه المفارقة أيضًا في قول الشاعر:

“بكت حروفي،

فكيف أطربكم؟

فالكتابة التي يفترض أن تكون مصدر متعة تتحول إلى فعل ألم. وهنا تتشكل جمالية النص من الصراع بين البوح والمعاناة.

رابعًا: التحول من الغنائية إلى الدرامية

 لغة الديوان لا تبقى ثابتة في النبرة الغنائية، إنما تتحول أحيانًا إلى لغة درامية حوارية، خاصة في النصوص ذات الطابع السياسي أو التاريخي. نرى ذلك في قصيدة “حوارية على طلل عربي”:

“يا أخي في اللسان

استطال البلاء

 حيث يتحول النص إلى سلسلة من الأسئلة والحوارات:

“أين هم؟

إنني عالق في العراء

هنا تتحول القصيدة من صوت فردي إلى صوت جمعي مأزوم. واللغة لم تعد لغة الغزل أو التأمل، بل أصبحت لغة احتجاج تاريخي. هكذا تبدو اللغة في هذا الديوان كأنها كائن حي يتغير باستمرار؛ فهي تبدأ من التجربة الشخصية، ثم تتسع لتصبح سؤالًا وجوديًا، ثم تتحول إلى خطاب إنساني يلامس القلق الجماعي.

كلية التشكيل والبناء:

    وبنظرة فاحصة يمكننا ربط عنوان الديوان “أزهار الرمل” بالعناوين الداخلية بوصفها تفريعًا دلاليًا للصورة الأم، لا بوصفها تقسيمًا شكليًا، باعتبارها حركة إنبات تدريجية داخل فضاء رملي واحد، تتنوّع فيه الألوان والدرجات دون أن تغادر منطق القسوة والاختبار.

  إذا كان العنوان الكلّي “أزهار الرمل” يضع القارئ منذ البدء أمام مفارقة الوجود الشعري: الجمال وهو يتشكّل في بيئة طاردة، والمعنى وهو يولد في سياق الفقد. فإن هذه المفارقة لا تبقى معلّقة في مستوى التجريد، بل تتجسّد داخل الديوان عبر الباقات اللونية: البيضاء، الصفراء، الحمراء، الرمادية، السوداء. هنا لا تعمل الألوان كزينة رمزية جاهزة، إنما كتحوّلات شعورية ووجودية للزهرة الواحدة وهي تواجه شروط الرمل.

   فـالأزهار البيضاء تمثّل لحظة البراءة الأولى أو الحلم النقي، حيث تحاول الذات أن ترى الجمال في صورته الأقلّ تصدّعًا، لكنها براءة هشّة، سرعان ما يطاولها الشكّ والأسى. ثم تأتي الأزهار الصفراء بوصفها مرحلة التوتّر والإنذار؛ فالصفرة هنا ليست إشراقًا شمسيًا خالصًا، بل علامة الذبول المبكر، والوعي بأن الرمل لا يمنح الحياة دون ثمن.

      أما الأزهار الحمراء فتتقدّم بوصفها ذروة التجربة، حيث يتداخل العشق بالغضب، والدم بالقصيدة، ويصير اللون الأحمر علامة الاحتراق الداخلي، لا الحيوية وحدها. هنا تبلغ الزهرة أقصى مقاومتها، لكنها تفعل ذلك وهي واعية بقرب الانطفاء.

   وتأتي الأزهار الرمادية بوصفها منطقة الالتباس الوجودي، حيث لا يقين في البياض ولا فجيعة مكتملة في السواد. الرمادي هو لون التردّد، والعيش في المسافة بين المعنى ونقيضه، وهو أقرب الألوان إلى طبيعة الرمل ذاته، بما يحمله من حياد قاسٍ ومراوغة دلالية.

   أخيرًا، تمثّل الأزهار السوداء لحظة المكاشفة النهائية: ليس الموت بوصفه نهاية، بل بوصفه أفقًا معرفيًا. السواد هنا لا يُلغي الزهرة، بل يكشف شرطها المأساوي، ويؤكّد أن الجمال الذي وُلد في الرمل لا بدّ أن يحمل أثره حتى النهاية.

   بهذا المعنى، تتحوّل العناوين الداخلية- فيما يبدو لي- إلى سرد لوني لتجربة واحدة، وتغدو كل باقة محاولة جديدة لتعريف الزهرة في مواجهة الرمل. فلا انفصال بين العنوان والعناوين الفرعية، بل ثمة علاقة توليد وتأويل: العنوان الكلي يقدّم الرؤية، والعناوين الداخلية تختبرها شعريًا، وتُثبت أن ” أزهار الرمل” ليست استعارة عابرة، بل منطقًا وجوديًا يحكم الديوان من عتبته حتى قصيدته الأخيرة، أجاد الشاعر في بنائه.