المجلة الثقافية الجزائرية

جوفريدو بارييزي: “الآلة الطيّعة”

 جودت هوشيار

أعجبت بقصة “الآلة الطيعة” للكاتب الايطالي المبدع Goffredo Parise جوفريدو بارييزي (1929 – 1986) ” واستمتعت بقراءتها، وأردت أن يشاركني القراء هذه المتعة ، فترجمتها ،ونشرتها ضمن كتابي “الضفاف المشمسة لنهر النسيان” الصادر عن دار الزمان في دمشق عام 2021 ويضم مختارات من القصص العالمية المترجمة بينها قصة “الآلة الطيعة” وهي تعد من أفضل وأقوى ما كتبه بارييزي، الذي يكاد يكون مجهولاً لقراء العربية، رغم أنه في طليعة الكتاب الايطاليين في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد ترجمت رواياته الى أهم اللغات العالمية.

بدأ بارييزي الكتابة في سن مبكرة، وحظيت روايته الأولى (الصبي الميت والمذنّب) الصادرة في عام 1951 – عن الشباب الحالم في بلدة ريفية إيطالية بعد الحرب العالمية الثانية – بإهتمام ملحوظ من قبل القراء والنقاد. ولكن النجاح الحقيقي أتى بعد نشر روايته “القسيس الوسيم” (1954) التي أثارت ضجة أدبية كبرى، وصدرت في أربع عشرة طبعات متلاحقة، وترجمت الى لغات عديدة. والرواية هي حكاية قسيس سابق في الجيش الأيطالي، حاول أن يوقظ في بلدة صغيرة، ذلك الحماس الفكري، الذي دفعه للأنضمام الى الجمهوريين خلال سنوات الحرب الأهلية في اسبانيا.
واستخدم بارييزي في هذه الرواية تقنيات سردية مختلفة، فهي رواية واقعية وتهكمية في آن واحد. وتدور أحداثها في مقاطعة فينيتو الإيطالية في أواخر الثلاثينات عندما كان نظام موسيليني ما يزال يبدو قوياًً.

وتناول باريزي ثيمة العلاقة بين الرئيس والمرؤوس أو السيد والخادم في عدد من نتاجاته الروائية والقصصية والمسرحية، في مقدمتها رواية ” السيد ” ( 1965 ) التي أصابت نجاحاً كبيراً وحازت على جائزة “فياريجيو”، وهي من أهم الجوائز الأدبية في إيطاليا. وقد ترجمت الرواية فور صدورها إلى العديد من اللغات. ويعدها النقاد إحدى أفضل الروايات الإيطالية التي صدرت في النصف الثاني من القرن العشرين، وتتجلى فيها موهبة الكاتب اللامعة، ومهارته السردية وإحساسه المرهف، وقدرته على خلق شخصيات نابضة بالحياة.

تناول الكاتب ظاهرة الاغتراب في العالم الصناعي. في مجموعته القصصية “محرقة فيينا” (1969). ومسرحية “الطبيعي المطلق” (1967)
أن بارييزي رغم شهرته العالمية كروائي ايطالي بارز، إلا أنني أرى إن مجموعته القصصية “الأنسان – الشيء” ( 1970) هي افضل ما كتبه. والتي أخترنا منها قصة ” الآلة الطيعة”. وقد علق باريزي نفسه على هذا الكتاب قائلاً: “مجموعة ” الأنسان- الشيء” هي سلسلة رسومات سيكولوجية اردت من خلالها أن اعبرعن الفراغ الروحي والفكري والسياسي في ايطاليا في ظروف المجتمع الإستهلاكي، حيث غرق الأنسان في بحر الأشياء، واختل ايقاع الحياة الإنسانية الطبيعية وأصبحت اصطناعية وآلية. وفي نهاية المطاف تردى الأنسان الى مستوى الشيء”.
وفي مثل هذا المجتمع يفقد الأنسان فرديته ويصبح مثل الآخرين. ولهذا نجد أن شخصيات قصص باريزي لا تحمل أية أسماء، بل يشير اليهم الكاتب بالحروف ( م ، ك ، ن … الخ )

في كانون الثاني / يناير 1971 شرع بارييزي بكتابة عمود صحفي تحت عنوان “ألف باء” في صحيفة « كورييرا ديلا سيرا» على شكل مذكرات ويوميات. وفي كل مرة، كان يختار موضوعاً معيناً وعنوانا مؤلفاً من كلمة واحدة، ( الحب، الآخرون، القبلة، الحنان، الصيف … الخ .). وقد دأب بارييزي على كتابة هذا العمود الممتع طوال أكثر من عشر سنوات، ثم جمع ما نشره في كتابين صدر الأول تحت عنوان ( ألف باء – 1 ) في عام 1972، والثاني ( ألف باء –2) عام 19882، الذي حاز على جائزة ( ستريجا )

“رائحة الدم” رواية ألفها الكاتب في عام 1979، عندما شعر بالأعراض الأولية لذلك المرض اللعين الذي أودى بحياته، وظلت حبيسة الأدراج لمدة سبع سنوات قبل ان ترى النور بعد وفاة الروائي في عام 1986. عنوان الرواية رمزي ، حيث يحاول الكاتب أن يذكرنا بتلك الحقيقة المرة عن الحياة والموت ومصائر البشر .

كتب بارييزي سيناريوهات عدد كبير من أنجح الأفلام الإيطالية، كما قام المخرج السينمائي الإيطالي المعاصر «ماريو» مارتون بتحويل رواية «رائحة الدم» إلى فيلم سينمائي تلعب بطولته الممثلة الإيطالية «فاني» والممثل ” اردان”».

وبالموازاة مع نشاطه الأدبي ، عمل باريزي خلال الفترة ( 1950 -1980) مراسلاً صحفياً لكبريات الصحف الإيطالية منها صحيفة (كورييرا ديلا سيرا ) وصحيفة (اكسبريسو) وغيرها. وكتب ريبورتاجات وتحقيقات صحفية عن إسرائيل والاتحاد السوفياتي، ولاوس، وشيلي.واصدر عدة كتب عن انطباعاته خلال جولاته الصحفية منها كتاب “الصين العزيزة” عام 1966 و كتاب “ثلاثة أشياء عن ” فيتنام” (1967)، و”الحروب السياسية”(1976 ) ” نيويورك “(1977)، اضافة الى كتاب عن اليابان” الأناقة الباردة ” عام 1982