بقلم: مها الورهاني
يقول الأديب اللبناني الكبير ميخائيل نعيمه في (يا ابن آدم)
“لا يا ابني. الحياة لا تكلّفك المستحيل. ولا هي أضرمت فيك الشوق إلى معرفتها معرفة شاملة، كاملة دون أن تعطيك القدرة على تحقيق ما تشتاقه. ولا هي شحيحة إلى حدّ أن تفرض لك سنوات معدودات لتعرفها بآزالها وآبادها، والزّمان كلّه في قبضتها طويل هو الزّمان يا ابني، طويل. وكريمة هي الحياة، كريمة. ولا نفاد لصبرها لأن محبّتها لا نفاد لها” .
منذ سنوات قليلة، لم أستطع القراءة أو الكتابة. أما اليوم، وبعمري هذا أصبحت طليقة باللغة الألمانية، وأساعد الآخرين في الترجمة ما بين اللغتين العربية والألمانية.
عبور البحر الأزرق للوصول إلى بلد الأحلام، هكذا يمكن وصف رحلة اللاجئين السوريين إلى ألمانيا. يحملون أملًا جديدًا في أعماق قلوبهم، وهم يتطلعون للتغلب على التحديات والبدء من جديد.
في هذا البلد الأوروبي، يتلقى اللاجئون الترحيب والاحترام الذي يستحقونه. تنتشر قصص النجاح بينهم كالنجوم في السماء، حيث يعملون بجد واجتهاد لبناء حياة جديدة. تتحدث الشوارع بلغة مختلفة، ولكن التعاون والتفاهم يجعلان العالم أصغر.
يصنعون صداقات وطنية، تجاوزت جذورها الوطنية الأصلية. يجتمعون في مقاهي الحي، يشاركون أطباقهم التقليدية، ويروون قصص حياتهم بتفاصيل مشرقة. يُدركون أنهم ليسوا وحدهم في هذه الرحلة، بل هم جزء من مجتمع يستقبلهم بذراعين مفتوحين.
تحتضن ألمانيا المواهب اللاجئة بكل حب، فتمنحهم الفرصة لتطوير مهاراتهم واكتشاف إمكانياتهم الجديدة. ينتشر تأثيرهم الإيجابي على مختلف المجالات، ويسهمون في الثقافة والإقتصاد والعلوم.
تزدهر الحدائق العامة بألوان زاهية من جنسيات مختلفة، حيث يتقاسم الجميع الفرحة والسلام. الأطفال يلعبون معًا ويتعلمون من خلال التفاعل الثقافي الملهم. وتُكرم التقاليد.
إذن هي الحياة لا تكلّفنا المستحيل ولكن صعوبات جمة نواجهها في تحقيق فرص لإثبات أنفسنا على وجه البسيطة وقد تجبرنا ظروف الواقع إلى الهجرة والتنقل في بلدان عديدة بحثا عن عمل مناسب وكسب مال وعيش رغيد بعيدا عن تلقي مساعدات مختلفة نشعر من خلالها أننا أذلاء نعتاش على فتات لا يسمن و لا يغني من جوع لذلك كان التحدي أن نصبر و نعمل لتحقيق التغيير نحو الأفضل مع ضرورة تطبيق القوانين والإجراءات التي تنادي بحقوق الإنسان وهذا ما نسعى إليه راهنا في ألمانيا وسنواصل ذلك في المستقبل لنا وللأجيال المقبلة. وهنا آستذكر ما قاله الشاعر المبدع البردوني:
إلى أينَ؟ هذا بذاك اشتبَهْ
ومِن أينَ يا آخر التجرِبَهْ؟
إلى أين؟ أضنى الرصيفَ المسيرُ
وأتعبت الراكبَ المركِبَهْ
وعن كل وجهٍ ينوب القناعُ
وترنو المرايا كمستغْرِبَهْ
إلى أين؟ مِن أين؟ يُدني المَتاهُ
بعيداً، ويستبعدُ المَقرُبَهْ.
من الأهمية بمكان أن أشير هنا إلى أن جل الحكومات الألمانية المتعاقبة عملت على بث الأمل في نفوس اللاجئين، فالأحزاب المؤتلفة ليس لديها موقف سلبي منهم، وترفض العنصرية، وهناك وعود بحلّ مشكلات اللاجئين، وهذه المشكلات سببها التعقيدات الإدارية في الدولة الألمانية، وهذا ما يستوجب العمل على إيجاد قوانين تراعي أوضاع اللاجئين على كافة الأصعدة وتسهل التأقلم مع ثقافة المجتمع الألماني ومن ذلك الشعر والأدب والفكر وهذا ما سنفرد له مساحة في القريب من الزمن.
كاتبة واعلامية
ألمانيا





