د. أمين أحمد ثابت
ما أن يحل الخريف على مدينة عدن، أفقد بوصلة إيقاع يومي الرتيب خلال بقية الزمن من كل عام – نعم لا تنكشف فصول السنة هنا كغيرها من البلدان.. سوى ما نعلمه بانقسام العام الواحد إلى نصفين مناخيين، ستة اشهر حرا والأخرى باردة – إلا أن من عاش منا في بلد تلونه الفصول الاربعة يعي تماما من منتصف شهر أكتوبر تسيد لهبوب الرياح الباردة ليلا والمشبعة برطوبة الهواء برائحة مياه الخليج المالح – قد يمكنك الجلوس شتاء وقتها عاري الصدر على شرفتك المطلة على الشارع العام أضواء أعمدة النور تشكل لوحة مسائية خلابة، خاصة وتكون السماء صافية وغزوه بالنجوم المتلألئة بتزاحم مهيب وتسلل اعداد مجنونة من الكواكب الشاحبة متناهية الحجم.. بينها – إلا أنك مع صفير رياح الخريف ليلا تشعر بوخز البرودة تخترق عظمك رغم ارتدائك لكامل ملبسك – إحساس جسدي لارتعاد اوصالك لا تشعر به في وقت اخر من العام، حتى عند قعودك مبللا بمياه غسلتك دون تنشيف جسدك داخل غرفتك المغلقة احتفاظا بتبريد مكيف الهواء إلى أقصى درجته…
لم تدرك شيئا وقتها، لكنك علمت لاحقا بعد مرور زمن بعيد، حين تحضر إليك مجزءات من الذاكرة – كثير ما كان منها عالم عدن لعمر طفولتك وجزء من شبابك، وحتى في ترحلك بعيدا عنها لعقود غير قليلة، كانت ظلالها تصاحب روحك وتغلف عوالمك الاخرى التي تعيشها، لتجدها بعد سنين قد أصبحت نسيجا من تراكم آخر من الذاكرة، لكنها حين تأتيك لا تكون إلا مضمخة بمخيلات شبحية ومسيجة بروابط شبه مخفية لذكرياتك القديمة لمدينة الخليج اليمني…
كان يرتبك نظام حياتك لشهرين من كل عام، خصوصا من بعد الخامسة والنصف عصرا – لم تعد تجرك قدماك الى اماكن اللقاء بالأصدقاء كما اعتدت عليه، مغيرا المكان والصحبة كل بضعة أيام، تارة في الشيخ عثمان وأخرى في المعلا أو التواهي وأحيانا في كريتر – غالبا ما كان يأسر لقاءكم السير دون تخطيط بتجاذب الأحاديث التي لا تنتهي، لتجدون أنفسكم جالسين على التراب في منطقة عارية بعيدا عن المعمورة، فضاء متكامل يحيط بكم بضوء قمري شاحب، تظهر السماء متصلة بالأرض من مختلف الجهات، وحين ينقاد ليلا زمرة الأصدقاء هروبا من عالم البشر الى المملاح أو شط من شواطئ البحر، وتجدون أنفسكم متموضعين على صخور وصوت تكسر الموج يحيط بكم لا عقة أوجهكم أقدامكم العارية بعد خلع الأحذية والجوارب عنها، لا يجد المرء حدا فاصلا بين الفضاء وصفحة المياه واليابسة – كما لو أنك ومن معك تعيشون وقتا من الطفو في اللا مكان – يعبر الوقت وكالأطفال لا تحسون به والاحاديث لا تنته، لتفاجأوا بانبثاق ضوء الفجر.. تجرجرون أقدامكم بتثاقل الانهاك على أجسادكم، عودة للنوم لبضع ساعات بعدها – لا أعرف سر دورة فصل الخريف علي، أجدني أسيرا كمسحور لوحدتي، حتى عند غيابي لأيام عن أصدقاء يتصلون عن سبب انقطاعي، كنت أتهرب بأعذار واهية وكثيرا ما كنت لا أرد عليهم أو أتجنب الالتقاء بأي منهم خلال النهار – كنت أجدني بعد المرور لشراء مشروبي الخاص والوقت يشير اقترابا من الدخول في الثامنة ليلا او ما بعدها قليلا، إذا بي جالسا على صخرة أسفل قلعة صيرة من جانبها الخلفي بعيدا عن البشر ومياه البحر تحيط بي من اتجاهات ثلاث، وأحيانا التجئ لمساحة خالية من ساحل أبين – كانت نسمات البحر الباردة تسكرني مثقلة رأسي ذ، وإذا بجسدي يتلاشى الشعور به، لأجدني أسير حالة عشق – في ماذا.. لا أدري، تارة تتهيج عواطفي فينذرف الدمع بصمت دون توقف وإذا بنفسي تغادرها كل الالام ومنغصات الحزن واوجاع الجسد – شعور بنفسي لا أذكر مثيلا له غير زمن طفولتي – ينفتح العالم والكون بهيجا دون تعليل أو إدراك ما – وأخرى كلما ارتشفت ريقا يتفتح ذهني منتشيا، حتى يتلاشى وجودي في المكان، مذابا عبره باتساع متدفق في الكون وفي أغواره غير المنظورة – كان الميني كاسيت وسماعة الأذن يغادران ركنهما المنسي طوال العام – أفتح موسيقى رومانسية وأحيانا سمفونية، وفق حالتي التي أصل فيها إلى موضع جلوسي – وقت يسير وفعل سحر النسمات البحرية الباردة والسكون عدى صور ايقاعات تكسر موجات البحر القريبة مني وتلك المتناوبة ابتعادا عن الشاطئ.. تنزعني مني .. لأتحرك تكوينا غير مرئيا خلال المسار الصوري للموسيقى.. حتى أتلاشى لأكون ظلا داخل أصوات الموسيقى وأتحرك منسابا بانسياب مساراتها – لا أستفيق إلا بقاطع شعور نعاس ثقيل يدب في نفسي مثقلا على عيني، أشطف وجهي بقليل من الماء من القنينة أو ماء البحر، أنظر في ساعتي، كان توقيتها غالبا ما يشير إلى ما بعد منتصف الليل بساعتين او أكثر – أقف محركا اذرعي وقدماي لتنشيط الدورة الدموية ل.. لطرد الشعور بالنوم، أنطرح على سريري وأذهب في نوم لم أذق مثله قبلا – شهران ونصف على ذات المنوال واعتزال العالم ليلا – كم هي لذيذة الحياة وقتها، مذاق وتمتع لا حدود لهما، لا يضاهي ذلك الشعور.. حتى بقيد شعرة شعور التملك والثروة والليالي المجنونة من العشق أو ممارسة الجنس. . .
تقودني أشواقي – بعد ثلاثة عقود – للعودة في ذات الموسم من كل عام إلى عدن – الرياح الباردة ليلا المحملة بنسمات مياه البحر لم تزل كما هي تحس بها، لكنها أصبحت فاقدة لأثر سحرها عليك – حاولت مرارا تقمص حالتك القديمة، وحاولت كل الطرق والوسائل ل.. لتذوق ما كنت قد تعودت عليه من قبل، حتى تصنعت السقوط في السكر – لا شيء يحضرك، حتى دفء ما تحمله كل تلك الذكريات القديمة.. انمحت – تحث نفسك، تعاصر دماغك لإفلات ولو شيئا من الذاكرة تستأنس بها وتشبع الحنين فيك – لا شيء، سوى شعورك بالحزن و .. الضياع لفقدان جنة الأرض طبيعتها و.. حتى انها أصبحت ما حية للذاكرة .
11مارس2023


