ترجمة: سعيد بوخليط
فابيان ريبيري: كيف عشتما أحداث ماي 1968؟ سويّا أو كل واحد منكما على طريقته؟
مارسيلين بلينيت: لم يكن بوسع أحد خلال تلك الحقبة عدم الانخراط في أحداث 68 بكيفية وثيقة: ثورة حديثة ذات فرادة لانظير لها في التّاريخ.هكذا حضر سوليرس فورا في عين المكان.عدتُ من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1967،بعد ثمان أشهر من الغياب،وجدت مكتب مجلة تيل كيل في قمّة التّفاعل ومنحازا جدّا بجانب أقصى اليسار الثّوري.أصدر سوليرس سنة 1965، روايته ”دراما” التي انصبّ موضوعها حول بنية ممارسة تأملّية كلاسيكية صينية تسمّى ”أي تشينغ”،وقبل ذلك أحاط به داخل تيل كيل مجموعة تتبنّى قناعات قريبة من الفكر الماوي. بعد عودتي اجتمعت هيئة المجلّة داخل منزل جون لوي بودري أحد الأعضاء، بهدف مناقشة سياسة تيل كيل نحو الوضعية الجديدة وقد حضرت الاجتماع بجانب كلِّ من فيليب سوليرس، جول لوي بودري، بيير روتينبرغ، رولان بارت. حدث الاتّفاق أخيرا على مبادرة اقترحتُها عليهم أكّدت على ضرورة مؤازرة الحزب الشّيوعي الفرنسي (يضمّ حوالي ثلث السّاكنة الفرنسية) والبحث عن إمكانيات اختراق الكتلة النّاخبة المثقّفة للحزب الشّيوعي، قبل الإقرار بانتماء أكثر جذرية ينحاز إلى جانب الصّين. كان النّقاش صارما ثمّ جرى التّوافق من طرف فيليب سوليرس والمجموعة على الرّأي الذي أدليت به.منذ تلك اللّحظة تبلورت ملامح رفقتنا المفترضة والرّمزية مع الحزب الشّيوعي الفرنسي لكن وقعت القطيعة خلال لقاء انعقد في مدينة كلوني(داخل حجرة دراسية)،بعد نقاش بين سوليرس وكذا مسؤولي مجلّة النّقد الجديد وتجلّت نتائج ذلك فورا : الانفصال، وبدأنا منذ سنة 1971 ،أصدرنا بجانب ”تيل كيل”،منبرا آخر هو ”بيان حركة يونيو 71”، تضمّنت مقدّمة العدد الأوّل، اقتباسا تذكاريا من ماو تسي تونغ يقول :”الأدب والفنّ يتبعان السياسة،لكنّهما يمارسان بدورهما تأثيرا كبيرا عليها”.عبارة لازلت مقتنعا بها حاليا.بادر سوليرس إلى ترجمة أشعار ماوتسي تونغ ونشرها في العدد40 من مجلة تيل كيل. التمست المجلة ولاسيما سوليرس من الحزب الشيوعي الإيطالي الافراج عن كتاب ”الصين” للمناضلة الشيوعية الإيطالية ”ماريا أنطونييتا ماشيوسي” وقد تعرّض للمنع خلال عيد الإنسانية الذي تنظّمه صحيفة الإنسانية النّاطقة باسم الحزب الشّيوعي الفرنسي.هكذا توخّت مجلة ”تيل كيل” التّعريف على نحو أفضل بالفكر والثّورة الثّقافية والسّياسية الصّينية وتسليط الضّوء على مختلف ذلك.بعد ثلاث سنوات قمنا برحلة إلى الصين استغرقت ثلاثة أسابيع،رويتُ تفاصيلها في كتابي ”رحلة الصّين”، الصّادر عن منشورات هاشيت ثم طبعة أخرى حديثة عن منشورات مارسيانا مع إغناء النّسخة الجديدة بملفّ تضمّن مجموعة صور فوتوغرافية.يلزمني الإشارة، بأنّ هاته الوقائع عاشتها دار النّشر “سوي” بصعوبة بالغة، رغم أنّ العدد(48/ 49) من مجلّة تيل كيل حول الصّين فقد بيعت منه ثلاثون ألف نسخة. إذن، شكّلت الصّين موضوعا محوريا، وقد كتب فيليب سوليرس مقالة تحت عنوان ”النّضال الفلسفي في الصّين”، انطوى عليه العدد بجانب موضوعات أخرى.
فابيان ريبيري: هل أمكن لمجلّتي ”تيل كيل” وكذا” اللاّنهائي” وضع لبنات نهضة مستقبلية، بحيث شكّلتَ صحبة سوليرس اسمين محوريين لتاريخهما؟
مارسيلين بلينيت: أودّ أوّلا التّساؤل عن معنى المستقبل إذا لم يكن مبدئيا فعّالا بالضّرورة في الحاضر. ممّا لاشكّ فيه تعتبر ”اللاّنهائي” حاليا من أفضل المجلاّت العالمية. أما بخصوص معرفة كيف ومتى تؤسّس تاريخا في المستقبل، فتظهر لي ضرورة استيعاب كيف ومتى تؤسّس تاريخا ضمن الحاضر. قد يكون”المستقبل”مايمثّله لدى أغلب الأشخاص. أيضا هل ينبغي على ثقافة الصّمود في خضمّ حاضر مجتمعيّ يمكن اعتباره مثل حقبة مظلمة تسود الأمّية جانبا كبيرا منها. لقد سعت مجلة اللاّنهائي إلى تأسيس أسلوب علاقة مع الزّمان غير التّسلسل الخطِّي الكرونولوجي، لكن حينما تصبح التّواريخ مهمّة دلاليا. تعلم حديث نيتشه عن ”شُرْفة اللّحظة ”بحيث يتلاقى طريقان، أحدهما يأتي لانهائيا من الماضي كي يتقاطع مع الثّاني الذي يمتدّ بكيفية لانهائية نحو المستقبل وعنوان مجلة ”اللاّنهائي” يحيل على التّفكير وفق هذا السّياق. إذا اشتركت المجلّتان في استحضار ”مستقبل” معيّن، فيمكن تصور ذلك ضمن نطاق تشكّله بين طيات شُرْفة اللّحظة، دون أيّ تصوّر آخر عن النّهضة. عموما”إعادة بعث” وفق أيّ مستوى؟ حين سماع هذه الكلمة، يتّجه تفكيري نحو جملة معروفة جدا: ”هناك حيثما كنتُ، يجدر بي التّحقّق”. هذا لايعني بأنّه يلزمني الشّغف ببعض الماضي أو مستقبل معيّن، نتيجة تحقّق كلِّ شيء عند” شُرْفة اللّحظة”، في إطار هذا الزّمان المراوغ المسمّى حاضرا. لقد اشتغلت لفترة طويلة على هذا الموضوع وأنا أسلّط الضّوء قدر الإمكان على التّمييز الاغريقي بين الزّمان الخطِّي الكرونولوجي (كرونوس)عن الزّمان الخلاّق (أيّون) انطلاقا من عبارة لهيراقليطس :”الزّمان (أيّون) طفل يلعب برَمْيات النّرد ”.هناك دراسة حول ”الطّفل ولعبة الدوّامة” انطوى عليها كتابي حول ”سيميون شاردان :إحساس وفكر الزمان”(منشورات ايبور،1999 ).سبق لهيدغر أن شرح وسلّط الضّوء على هاته الأطروحة في دراسته :”الكائن،الجوهر والرّهان”،ضمن كتابه ”مبدأ العقل”الصّادر في طبعتين ألمانية عام (1957) وفرنسية لدى غاليمار(1962). إذن، حينما نتصوّر المفهوم بهذه الكيفية لايمكننا التكلّم عن بعث ونهضة.
فابيان ريبيري: لقد أكّدت في مجلة اللاّنهائي (العدد 133) بأنّه لاوجود لمارسلين بلينيت دون فيليب سوليرس. هل يمكننا أيضا قلب المعادلة؟
مارسيلين بلينيت: لست قي موقع الإجابة على هذا السّؤال. وبوسعي أن أعيد طرحه عليكَ قصد معرفة رأيكَ بخصوص هذا الأمر.
فابيان ريبيري: ألم تكن طريقة تجلّي الحبّ بين صفحات روايات فيليب سوليرس أسلوب مزج بين الأجناس والطّبقات المجتمعية؟
مارسيلين بلينيت: لاأظنّه مزجا بل واقعة أساسا سياسية وشعرية. يلزمنا أن نأخذ بعين الاعتبار حين قراءة ما قاله أو كتبه فيليب سوليرس، تلك الشّبقية الثّابتة على مستوى الأحاسيس، ونهج الكائنات والأشياء. وكذا شعور ودود للغاية بخصوص مايمكن اعتباره شيئا جيّدا ومسافة مؤكَّدة حيال ما نعتقده شرّا. أستعيد نفس المقطع المأخوذ من رواية”بورتريهات نسائية” المشار اليه سابقا، وكذا مايحدّد جوهر رواية ”فردوس”(فوليو رقم 2759) ثمّ بشكل مختلف تماما، مع روايته الأخرى ”نساء” (فوليو رقم 1620)، لكن ضمن أفق نفس الفكر. جملة محورية وردت في مقدمة رواية ”نساء”، قالت كلّ شيء:”بدا لي منذ فترة بعيدة، بأنّ شخصا امتلك الجرأة. أبحث، ألاحظ، أصغي، أفتح الكتب، أقرأ، أعيد القراءة، فاتّضح لي عدم صحّة ماظننتُه، لاشخص يتكلّم عن ذلك، أو على الأقلّ ليس بكيفية علانية. كلمات مغطّاة، تكتنفها غشاوة، غيوم، وتلميحات. طيلة هذا الوقت…كم؟ ألفي سنة؟ ستّة آلاف سنة؟منذ توفّر وثائق، فقد تمكّن شخص، على أيّة حال، من قول الحقيقة، والاخبار بطريقة نيّئة، وصعبة، لكن لا شيء من ذلك، تقريبا لاشيء. أساطير، ديانات، قصائد، روايات، أوبّرات، فلسفات، عقود. طيّب، صحيح، لقد تجلّت معها معطيات جرّيئة. غير أنّ جميعها وبشكل عام انزاح سريعا نحو المبالغة، التّضخيم، الجريمة المستاءة، بينما التّأثير على القضيّة، فلا شيء من ذلك تقريبا. ينتمي العالم إلى النّساء، بمعنى الموت. بهذا الخصوص، الجميع يكذب”.سعت مختلف روايات سوليرس إلى تجسيد حيثيات مقدّمة رواية ”نساء”، ونصادفه ثانية في روايته الأخرى”بورتريهات نسائية”. هل تنبغي الإشارة إلى الرّفض الضّمني من طرف دار النّشر ”سوي” لرواية ”نساء”، ثم نهاية مسار مجلّة ”تيل كيل”، وتحوّل سوليرس إلى غاليمار مع إصدار الرّواية وكذا انطلاق مشروع مجلة ”اللاّنهائي”؟ تمثّل هذه الملاحظة حول نتائج الحرب بين الجنسين درسا رائعا بخصوص ذكاء مختلف الحكايات الدرامية الممكنة،وفي نفس الوقت،موقفا استثنائيا وصعبا نحو الموت الحتمي،مما يفترض سلوكا استثنائيا جدا بخصوص ماينعت ب ”الحبّ”، الثّنائي والمشاعر الموازية كيفما كانت.
فابيان ريبيري: هل اتّخذت أحيانا اختلافاتكما بُعْدا نِزَاعيا؟
مارسيلين بلينيت: لقد تناقشنا غالبا طويلا حول موضوعات مختلفة، لم نكن دائما على توافق، غير أنّنا لم نبلغ درجة ”النّزاع”. وجب التّذكير بأنّه بعد خمسين سنة من التّقاسم المشترك،استطعنا امتلاك مايكفي من الذّكاء حتى نستوعب مبرّرات الثّاني ثمّ مكمن الموضوعي في خطاب كلّ واحد منّا لحظات عدم التّوافق والتّقليل من شأن مختلف الحساسيات المفرطة غير المجدية. الخلافات ليست أساسا تباينات. أدرك وسوليرس مايحدّد خطابا أو تحليلا. بهذا الصّدد أدين بالفضل إلى فيليب سوليرس ببعض مقارباته حول مضامين دراستي عن رامبو، وفي نفس الوقت يدين لي بجوانب من اهتمامه نحو لوتريامون، الذي أصدره ثانية عند غاليمار،إلخ.خمسون سنة من التّواصل والنّقاشات شبه اليومية أرست اهتمامات وكذا توافقات حتما لن ينتبه إليها أو يلتقطها آخرون. بوسعكَ اختبار التّجربة إذا أردتَ فعلا تمثُّل دلالة كلامي، أنتَ في عمر مناسب، لكن لايمكني قط الاصغاء إليّ بعد خمسين سنة.مع ذلك،من يدري؟
فابيان ريبيري: هل حدث بينكما تفاهم جوهريّ منذ اللّقاء الأوّل؟
مارسيلين بلينيت: لايمكني سوى الإحالة على الرّسالة التي وصلتني من سوليرس مباشرة بعد قراءته لمسودّتي ”عشّاق مؤقّتون للزّنوج”. رسالة تكاد تشبه معجزة خلال حقبة لازلت إبّانها فتى صغيرا ثمّ تأكّد موقفه أكثر بعد صدور الكتاب. كان سوليرس الوحيد الذي استوعب التّأثير الجوهريّ لرامبو على كتابتي. من جهتي، إذا كانت لديّ تحفّظات بخصوص قراءة روايته الأولى ”عزلة فضولية” (بل سوليرس نفسه كانت له تحفّظات نحو روايته) فقد أبديت عكس هذا الموقف حماسة سريعة بخصوص روايته الأخرى ”المنتزه”. أفترض بأنّي كنتُ أحد القلائل، الذي لم يتناولها من منظور تيّار الرّواية الجديدة كما السّائد آنذاك عند النّقّاد، بل يحدّدها فكر واقعيّ وحساسية شعرية. تناقشت وسوليرس حول مختلف ذلك، وبما أنّ هيئة مجلة تيل كيل انشغلت أساسا بالمعارضين للرواية الجديدة، فقد اعتبرني بالتّأكيد حليفا له، وهذا ماتحقّق عمليا على أرض الواقع، بحيث رشّحني سوليرس لمنصب”السّكرتير العام والمدير” الذي يدير شؤون مجلة تيل كيل مباشرة بعد استبعاد المسؤول السّابق، وقد شغلت هذا المنصب لما يزيد عن عشرين سنة.
فابيان ريبيري: ألم تبحثا معا عن حياة مثالية؟
مارسيلين بلينيت :مابوسعي تأكيده، أنّ تطلّعنا الأساسيّ (إن تعلّق الأمر بتطلّع) لاعلاقة له بحياة البؤس أو الشّقاء حسب تصوّر معاصرينا، لكن بالتّأكيد، وأكثر تحديدا، صوب حياة حرّة نحو مختلف الأعراف وكذا جلّ أنواع الاستعباد الارادية كيفما تجلّت.حينها نبلغ ”السّعادة”، وإمكانية الشعور بالسّعادة. لايرتبط ذلك بمحاولات بحث وإلاّ انتفت الخِفَّة تقريبا، لصالح مجهود شاقٍّ، يتعلّق الأمر أساسا بنمط وأسلوب حياة.
فابيان ريبيري: ماهي كتب صديقك فيليب سوليرس التي تحلّق بكَ إلى الجنّة، إذا لزم تحديد وجهة حقائبكَ؟
مارسيلين بلينيت: سأكون محرجا في الواقع. لكن إذا اقتضى المقام فسأختار بالتّرتيب رواياته ”لوا”(Lois) ،”فردوس”،”نساء ”،”حركة”. أمّا بخصوص دراساته فسأختار عمليه ”ماركيز دي ساد”(فوليو رقم 5841)،”رواية حقّا: مذكّرات”.يظلّ هذا الاختيار محض ذاتي وبالضّرورة غير تامّ. هل يلزم حقّا الحديث عن إمكانية الاختيار بين نصوص يرتبط بعضها ببعض بكيفية حميمة للغاية. أيضا، تضعني أسئلتكَ في موقع المؤرّخ الذي لايبدو فعلا ملائما قصد الحديث ضمن تصوّر هيدغر عن التّاريخي، بحيث لايمكننا التّأريخ سوى إذا أخذنا بعين الاعتبار معالم خطاب خارج حكايات تاريخية بلا أهميّة تقريبا حتى وإن لعب هذا السّجل التّاريخي دورا حتميا بالنّسبة للتّاريخ. باختصار، المغامرة التي نحن بصدد الحديث عنها تستند أيضا على نهاية دون بداية قط.
هامش:
مرجع الحوار:
L’infini : numéro 137.Automne 2016.





