المجلة الثقافية الجزائرية

دم نازح في الممر: يوميات النزوح وتفاصيل الحياة تحت الإبادة

نسمة العكلوك*

 

نقرأ في كتاب “دم نازح في الممر” يوميات الكاتبة فاتنة الغرة التي دونت فيها تجربتها خلال الإبادة في غزة. يتكون الكتاب من ثلاثة وعشرين فصلا، كتبتها الكاتبة أثناء زيارتها الأولى لغزة بعد غياب دام سنوات عديدة، لم تعش خلالها عدوان عام 2014 وما تلاه من أحداث، الأمر الذي جعلها تفتقر إلى بعض الخبرة في متابعة كيفية تأقلم الناس مع ظروف الحصار والحروب المتكررة، تسجل هذه اليوميات تفاصيل النزوح المتكرر الذي عاشته الكاتبة من مكان إلى آخر في داخل مدينة غزة. وتوثق مشاهد الحياة اليومية والمعاناة الإنسانية خلال الإبادة ولا سيما في المنطقة التي أطلق عليها اسم “الشمال” خلال تلك الأحداث.

تختلف تسميات مناطق قطاع غزة ما قبل الإبادة وما بعدها، فعلى الرغم من صغر مساحة القطاع ، نجحت هذه التقسيمات في تفريق العائلات وتشتيتها، ويظهر ذلك جليا في الرسائل الموجهة إلى لمار، التي ولدت في غزة ثم لحقت بعائلتها في بلجيكا، فلم تتح لها الفرصة لتعلم الكتابة والقراءة بالعربية، رغم قدرتها على التحدث بها. 

هذه الرسائل لم تقرأها لمار، لكن بدا وكأننا جميعا أصبحنا لمار؛ نقرأ من خلالها تفاصيل قد تنسى وسط هول الإبادة، ونستعيد يوميات الحياة التي كانت تضيع بين الأخبار والأرقام. 

في هذا الكتاب، نجحت فاتنة الغرة في التخفف من عباءة الشعر، لم ألمح الشاعرة متخفية بين السطور، بل قرأت فاتنة مختلفة؛ أقل انشغالا بذاتها وأكثر التفاتا إلى الآخرين. فبينما تمحورت كتاباتها السابقة حول المرأة والحالمة وتجاربها الشخصية، نجدها هنا تمنح المساحة الأكبر للناس من حولها. يصبح حضورها ثانويا من حيث الظهور، لكنه يظل مركزيا بوصفه عينا تنقل لنا المشهد وتمنحه معناه.

من خلالها نعرف ماذا يعني أن تركض في الشارع برفقة والدتك المسنة التي أثقلتها سنوات التعب ووجع الأيام. وماذا يعني أن تصبح تفاصيل صغيرة، كشجرة الجمييز، والفلفل الأحمر، والعدس بالدقة، وألعاب الطفولة مثل الغميضة والصفة. 

ومن خلال هذه اليوميات نلمس أن الكاتبة لم تعش الإبادة والنزوح مع عائلتها فحسب، بل عاشتهما أيضا مع آخرين جمعتها بهم ظروف التهجير القسري. وتشرح كيف كان كثيرون يفضلون ” البهدلة”، وانعدام الخصوصية، وشح الماء، وغيرها من المشقات، على البقاء وحيدين؛ فوجود الجماعة كان يمنحهم قدرا من الطمأنينة، ويجعلهم يتقاسمون الوجع والألم كما يتقاسمون ضيق العيش وتقلبات المزاج. 

ورغم أن الكاتبة كشفت لنا الكثير من التفاصيل الخاصة بحياة النساء اللواتي شاركنها تجربة النزوح، فإنها حافظت على قدر من الخصوصية بعدم ذكر أسمائهن. وقدمت لنا صورًا إنسانية صادقة، خالية من التجميل أو الخجل، إلى حد أنها أخبرتنا عن ضراط امرأة مسنّة أزعج جمعًا كبيرًا من الناس في مكان النزوح. لم يكن الهدف من هذه التفاصيل إثارة السخرية، بل نقل واقع الحياة كما هو، بكل ما فيه من هشاشة وإنسانية وتفاصيل يومية فرضتها ظروف قاسية وغير اعتيادية.

“امرأة عجوز تسكن طابقا أسفل منا، امرأة سمينة تتضجع على جنبها، ثم تخرج ضراطا قويا يفزع النيام مقترنا برائحة تصيب كل قاطني الطابق بالغثيان….. محظوظة أنا، لأنني لم أسكن في الطابق نفسه، وإلا كنت أخذت قطعة من العجين وسددت بها ذلك الخرم دون تردد”.

يمكن اقتراح هذا الكتاب لمن لم يعرف الحرب، أو بالأحرى الإبادة، في تفاصيلها اليومية البسيطة. فالكاتبة لا تكتفي بسرد الأحداث الكبرى، بل تنقل للقارئ المعاناة اليومية التي تعيشها العائلات الغزية، وخصوصًا النساء، في ظل انعدام الخصوصية والخوف الدائم.

تحدثنا عن الخوف من القيام بأبسط الأمور، كالاستحمام، خشية أن تسقط قذيفة في أي لحظة، فيُحمل المصابون أو الشهداء أمام الناس من دون أن يجدوا ما يستر أجسادهم. كما تروي تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تكشف حجم القيود التي فرضتها ظروف النزوح، مثل لجوء بعض النساء إلى تدخين سيجارة خلسة في حمام النساء، خوفًا من أحكام العائلات الأخرى ونظراتها.

وفي مستشفى القدس، حيث تجمعت عائلات من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة؛ منها المحافظة، ومنها المعتدلة، ومنها الأقل اكتراثًا بهذه المسائل، تظهر كيف فرض النزوح واقعًا جديدًا جمع الجميع في المكان نفسه. وكما تقول الكاتبة: ” النازحون هنا ليسوا فقراء، لكن الحرب ساوت بين الجميع هنا”.

ومن خلال هذه المشاهد، يكشف الكتاب (المتوسط، 2025) كيف لا تقتصر آثار الإبادة على الخوف من الموت، بل تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، فتغيّر علاقة الإنسان بجسده وخصوصيته وعاداته، وتجعله يعيد التفاوض مع أبسط حقوقه الإنسانية.

 

*مدومة الكاتبة نسمة العكلوك