قصة متخيلة: صلاح معاطي
يمشي مختالا بعرفه ومنقاره، مزهوا بريشه المهوش بألوان الطاووس، يفرده كطائر خرافي ليس كمثله على وجه الأرض، مؤذنا بصوته الجهوري فتصمت له كل الكائنات.. هو أولا ثم الآخرون، بل هو؛ وليذهب غيره إلى الجحيم، اعتاد أن يكون موضع اهتمام الجميع ومصدر شقائهم في نفس الوقت.. هل أكل الديك؟ هل شرب؟ هل نام نوما هادئا؟ لا تزعجوه، لا تضايقوه، سلوه، ضحكوه، دللوه..
منذ حدثت المعجزة وباض الديك قامت الدنيا ولم تقعد.. مراكز الأبحاث العالمية تدرس حالة الديك، كاميرات التليفزيون تلاحق الديك أينما ذهب، الصحفيون ووكالات الأنباء لا يكفون عن التساؤل.. كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ هل هو تحول فسيولوجي أصاب الديكة وفي طريقه إلينا نحن البشر؟ أم إنه إنذار بقرب يوم القيامة؟ وتحول الديك إلى بطل عالمي يتصدر واجهات الصحف.
همست العرافة في أذن سيدتها وقالت:
– إنها البشرى يا سيدتي.. هذا الديك جاء ليخبرك أنك ستضعين ابنا ذكرا سيكون له شأن عظيم.. وسيحكم العالم كله، وسيكون اسمه “ترمب”.. ولكن حذار من أن يمسه أحد بسوء.. فعمر هذا الديك متصل بعمر ابنك “ترمب” فحافظي عليه ما استطعت..
سألت الأم وعلامات التعجب بادية على وجهها:
– ولكن أعمار الديكة قصيرة بالنسبة لعمر الإنسان، فلم نر ديكا بلغ قرنا من الزمان، مثلما يعيش بعض البشر.
فطمتها العرافة مستعملة حنكتها وخبرتها الطويلة في ضرب الودع وقراءة الفنجان ومعرفة المقدر والمكتوب:
– لكن هذا الديك معجزة يا سيدتي.. فهل هناك ديك يبيض؟ ليس عجيبا إذن أن يعيش هذا الديك قرنا أو يزيد.
وهكذا لعبت الأقدار لعبتها وصار الديك زعيما على كل الدجاج.. إذا دخل العشة نام الدجاج خوفا منه، وإذ أكل ابتعدت عنه، فمن يجرؤ على مشاركة هذا الديك العظيم في طعامه، وإذا نام امتنع الدجاج عن النقنقة والصياح لكيلا يقلق نومه.
الأكثر من ذلك أن الديك بدأ يعتدي على العشش المجاورة، فيصيب دجاجها إصابات بالغة، بل راح يعتدي على أصحاب البيوت من البشر، فينقر أقدامهم، ويقفز في وجوههم، ويعركلهم أثناء سيرهم.. لدرجة أنه تسبب في سكب الزيت المغلي على البعض، وأحرق البعض حروقا خطيرة..
ذات يوم استيقظت أم “ترمب” على جلبة وضوضاء وصياح داخل حظيرة الدواجن أسرعت إلى هناك فوجدت الدجاج في حالة غير عادية ثورة لم تشهدها عشش الدجاج من قبل.. الدجاج يحيط بالديك من كل جانب ينقر عرفه ينتف ريشه ينقنق في هياج كأن مسا أصابه.. وقف الديك متحفزا متعجبا من هذه الجرأة التي أصابت الدجاج.. فرد جناحيه، راح يواجههم بمنقاره، أرجله تضرب الهواء. لكن الدجاج لم يتراجع تقدم في وجه الديك وأصابه إصابات بالغة.. رأى الديك الدماء تنزف من عرفه، فهدأ من لهجته منقنقا مثلهم، وهو الذي لم يكن يعرف غير الصياح.. متوسلا وهو المعروف بالصلف والغرور.
أحست الأم بالخطر على ابنها “ترمب” المخبوء في أحشائها، فوضعت يدها على بطنها وراحت تهش الدجاج وتبعده عن الديك، أمسكت بعصا غليظة ضربت بها الدجاج، ثم أخرجت السكين لتذبحهم.. لكن بلا جدوى.. لم يعد الدجاج يحتمل هذا الديك أكثر من ذلك.. راحوا يدفعونه بمناقيرهم وأرجلهم حتى أخرجوه من العشة..
خارج العشة.. وقف الديك ذليلا منزويا منتوف الريش، ينزف عرفه، مكسور منقاره، الأم مذهولة.. ما الذي جرى للدجاج؟ الدجاج لا يريد التراجع.. بدت أكبر كثيرا من حجمها الطبيعي.. حاولت أن تمسك واحدة، نقرتها في يدها نقرة دامية وطارت مع أخواتها خلف الديك المطارد.. بعض الدجاج راح ينقرها في قدمها. الأم تحاول إبعاد الدجاج الثائر.. فرت إلى أسفل وخلفها الديك المهزوم وخلفهما حشد كبير من الدجاجات، ما لبثت الدجاجات أن صارت ديوكا نتأت في رؤوسها عروف كبيرة حمراء.. ومع صياحهم تهاوت نبوءة العرافة.
ما لم تقله العرافة وأخفته داخل صدرها، أن المولود سيولد بالفعل في موعده، وسيحكم العالم، لكنه سيختفي فجأة، ولن يعثر له على أثر.. ككل الطغاة..


