المجلة الثقافية الجزائرية

راشيل كاسك عن فرانسواز ساغان: المحققة العظيمة في الأخلاق

بقلم: راشيل كاسك

ترجمة: محمد نجيب

من المفارقات في معضلة الكاتب أن التعبير عن الذات يمكن أن يغدو مصيرًا. يفرض الخيال قيودًا على الحياة. سكوت فيتزجيرالد، على سبيل المثال، وصف فعليًا جنازته في «غاتسبي العظيم». بشكل غامض، يرى القارئ أن الكاتب ليس أكثر من شخصية من ضمن شخصياته/ها. يتأكد هنا الشك في أن الأدب يحدث بالكامل داخل حدود الشخصية. نوع من خيبة الأمل يعتري مشاعرنا تجاه الكتَّاب بصورة لا تعتري مشاعرنا تجاه فنانين آخرين. يبدو الأمر كما لو أنهم سحقوا أوهامنا بشأن مصير الإنسان إذ وصفوا الوجود، لكنهم فشلوا في تجاوزه ومغالبته.

النعي الذي أعقب وفاة فرانسواز ساغان في عام 2004، زخر بهذا الإحساس بالفشل. لقد أصبحت، كما قيل لنا، شخصية مأساوية؛ فقيرة، منعزلة، ملوثة بالفضيحة وإدمان الكحول. أنتجت ساغان، بالطبع، العديد من الكتب، لكن لم يكن أي منها ناجحًا ومن ثم مزعِجًا للتاريخ مثل كتابها الأول، الذي نُشر عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها فقط. في ذلك الكتاب، «صباح الخير أيها الحزن» وصفت مذهب اللذة ولا أخلاقية الشباب، مذهب اللذة ولا أخلاقية مثقفين الفرنسيين الأثرياء، مذهب اللذة واللا أخلاقية في أوروبا ما بعد الحرب في الستينيات. ليس من المستغرب أن يكون مذهب اللذة واللا أخلاقية في حياتها هو ما أثار اهتمام كتَّاب النعي. هناك يكمن قيدها، مصيرها: من هذه الرواية النحيلة التي أسيء فهمها، ومن بطلتها الشابة سيسيل، لم تهرب فرانسواز ساغان قط. تنتهي رواية «صباح الخير أيها الحزن» بحادث سيارة مميت، وبعد ثلاث سنوات من نشرها، أصيبت ساغان، التي يشكل ولعها بالقيادة الخطرة جزءًا من أسطورة حياتها، بجروح خطيرة في الرأس عندما تحطمت سيارتها ماركة «أستون مارتن» أثناء قيادتها بسرعة عالية. كانت خيبة أمل كتّاب النعي نابعة من حقيقة عدم خضوع كاتبة في تلك اللحظة لمصيرها الخيالي، ملموسة.

مذهب اللذة واللا أخلاقية في «صباح الخير أيها الحزن» ينتمي إلى النوع الأكثر ملائمة من الناحية الفنية. الأخلاق وغيابها الموضوع المحدِّد للرواية: بهذا المعنى، كانت ساغان أكثر كلاسيكية من غيرها من رفاقها الوجوديين، مثل سارتر وكامو. من المؤكد أنها منشغلة بمعضلة القرن العشرين المتمثلة في الواقع الشخصي، والذات وتفاعلها مع المعايير السلوكية، ولكن في «صباح الخير أيها الحزن» هذه المعايير نفسية بقدر ما هي مجتمعية. سيسيل، وهي فتاة في السابعة عشرة من عمرها يتيمة الأم، والدها المتساهل والفاسد يقدم المعيار الوحيد لسلوكها الشخصي، مثالاً عارياً بشكل خاص على تبلور حساسية الإنسان. تشكل مواجهات سيسيل مع أسئلة الصواب والخطأ، والطريقة التي تقطع بها هذه الأسئلة طريقها خلال رغباتها الجسدية والعاطفية، استجوابًا للأخلاق يصعب تصور أنه عمل مؤلفة تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا. ما هو المعنى الأخلاقي؟ من أين ينبع؟ هل هو جوهري وأصيل؟ وإن لم يكن كذلك، فهل ينتقص هذا من الأخلاق نفسها؟ تلك الأسئلة تكمن في قلب رواية اغان القصيرة والمزعجة.

قررت سيسيل ووالدها ريموند استئجار فيلا صيفية في «كوت دي أزور» مدة شهرين. رايموند يصطحب عشيقته، إلسا، لقضاء العطلة، رغم أن سيسيل قلقة من استهجان القارئ لذلك: ««يجب أن أشرح هذا الموقف على الفور، وإلا قد يعطي انطباعًا خاطئًا. كان والدي في الأربعين من عمره، وكان أرملًا مدة خمسة عشر عامًا». لاحظ أن ريموند هو المفجوع هنا، وليس سيسيل نفسها: تخبرنا فقط أنها كانت في مدرسة داخلية حتى ما قبل عامين. تتذكر إحراج والدها من فستانها القبيح وشعرها المضفَّر عندما جاء ليقلها من المحطة. يبدو الأمر كما لو أنه لم ير أحدهما الآخر منذ سنوات. كأن سيسيل ما بين سن الثانية والخامسة عشر كانت يتيمة الأبوين. «وبعد ذلك في السيارة، بانت فرحته الظافرة المفاجئة لأنه رأى أنني ورثت منه عينيه وفمه، وأنني سأكون بالنسبة له أعز الألعاب وأكثرها روعة».

في الفيلا، كان الثلاثي خاملاً عن قناعة. يسبحون ويتشمسون. لا يزعجهم إحساس بالواجب أو وخز الضمير. يقوم ريموند بتمارين على الشاطئ لإذابة دهون بطنه. إلسا الجميلة، الفاترة، ذات الشعر الأحمر تحرق بشرتها بشدة في ضوء الشمس. سيسيل، التي رسبت مؤخرًا في امتحاناتها، مستلقية على الشاطئ، وهي تمرر الرمال من بين أصابعها: «قلت لنفسي إن الرمل يتسرب كالزمن. كانت فكرة كسولة، وكان من السار أن تراودني أفكار كسولة؛ فقد كان الصيف في نهاية المطاف». ذات يوم، رسا شاب بقاربه الشراعي في خليجهم. كان هذا سيريل، طالب جامعي متحمس وحسن المظهر، يعرض تعليم سيسيل كيفية الإبحار. احتمال مثالي لعلاقة رومانسية صيفية عابرة.

الصدفة، والاندفاع، وعرضية الظروف: هكذا تتكشف الحياة في عالم ريموند وسيسيل. لا يهتمون بالنظام والسياق، بمقاومة رغبات معينة، والتطلع إلى أهداف معينة. حتى إلسا تخضع فقط لقوة الشمس وحرقها بشرتها. هل هذه هي الطريقة الصحيحة للعيش؟ السؤال لا يُطرح. وليس هناك من يطرحه. حتى أعلن ريموند في إحدى الأمسيات أنه دعا امرأة تدعى «آن لارسن» للمكوث معهم. أول شيء عرفناه عن «آن» هو أنها كانت صديقة لوالدة سيسيل المتوفاة. مع استدعاء الأم، يُستدعى العالم المفقود من النظام، والتنشئة، والأخلاق. «آن» مبعوثة ذاك العالم المنسي: «علمت أنه بمجرد وصولها سيكون من المستحيل على أي منا الاسترخاء تمامًا»، كما تقول سيسيل. «أعطت آن شكلًا للأشياء ومعنى للكلمات التي فضل والدي تجاهلها. وضعت معيارًا للذوق الرفيع والحذر الذي لم يسع المرء إلا أن يلاحظه في انسحاباتها المفاجئة، والنظرة على وجهها، وصمتها المؤلم». آن جميلة وسفسطائية وناجحة. وعلى عكس سيسيل وريموند وإلسا، فهي بالغة، تتمتع بقوة اللوم والحكم الأخلاقي التي يتمتع بها البالغون.

سيريل، أيضًا- البالغ- يصُدم بأسلوب ريموند وإلسا، ويعتذر لسيسيل عن تقبيله لها. «ليس لديك حماية ضدي… قد أكون النذل الأكثر فظاعة الذي عرفتِه في حياتكِ»، كما يقول هو، بطريقة غير مألوفة. عندما تصل آن، من الواضح أنها تقصد توطيد علاقتها بريموند وسيسيل. من الواضح أيضًا أنها مغرمة بريموند، وأن ريموند لجأ إليها في محاولة للهروب من العالم العاطفي الطفولي الذي يسكنه. خرجت إلسا من الصورة، وثبتت آن ذات الشخصية الجليدية الناضجة جذورها في المكان. سرعان ما أعلنا هي وريموند عن خططهما للزواج؛ على الفور، بدأت آن بفرض إرادتها على سيسيل. تطلب منها أن تأكل أكثر، وأن تستذكر دروسها في غرفتها بدلاً من الذهاب إلى الشاطئ، وأن تقطع علاقاتها تمامًا مع سيريل. أهذا حب أم كراهية؟ هل هي التنشئة أم فرض السيطرة؟ هل هذا ما فوتته سيسيل بسبب عدم امتلاكها أم، أم ما عرّضها له كونها يتيمة الأم؟

تسجل ساغان بوضوح تأثير النظام الجديد على سيسيل: «كان هذا هو ما حملته في قرارة نفسي ضد آن: منعتني من الإعجاب بنفسي. أجبرتني .. على الوقوع في دوامة النقد الذاتي وتأنيب الضمير ». إذًا، بمعنى ما، قد تكون الأخلاق شكل من أشكال كراهية الذات. جرحٌ يخفِّفه المرء عن طريق جرح الآخرين بطريقة مماثلة. لكن آن فعلت شيئًا آخر – سرقت والد سيسيل منها، مصدر حبها الوحيد غير المشروط. رايموند الآن قد فُصِل عن ابنته؛ ابتعد عنها ونبذها. تُجبر سيسيل الفتاة المنقسمة الأفكار والمشاعر على الفسق الأخلاقي: ترغب في التخلص من آن واستعادة ريموند. عجزها الفعلي يؤدي إلى تخيلات القوة، وبسبب هذه الأفكار، تتأرجح بين الكراهية والشعور بالذنب الرهيب. هنا، إذن، اتهام للأخلاق، على الأقل كما تعيشها «آن». أثارت «آن» العنف في طبيعة سيسيل الهادئة. من خلال السيطرة عليها والتدخل في مصدر حبها، أعطتها القدرة على ارتكاب الخطأ.

هذه صورة بارعة يمكن قراءتها كنقد للحياة الأسرية، ومعاملة الأطفال والعواقب النفسية لأشكال التنشئة المختلفة. ذات يوم، حبست «آن» سيسيل في غرفتها، بعد جدال حول أداء الواجب المدرسي. في البداية، تشعر سيسيل بالذعر، وترتمي أمام الباب مثل حيوان بري. «كان هذا أول اتصال لي بالقسوة». ثم يخشوشن قلبها، وتعقد العزم على الحيلة: «استلقيت ممدودة على سريري، وبدأت أخطط للانتقام». الشكل الذي يتخذه هذا الانتقام يحتل القسم الأخير من الكتاب، ويكاد يكون مسرحيًا في عظمته النفسية. اختارت سيسيل كأدوات لانتقادها طفولة والدها، وعناد «آن»، وغرور إلسا، وطبيعة سيريل المسؤولة، ومستعينة بكل ذلك، تصوغ حبكة يكون فيها كل واحد من الأربعة تحت رحمتها تمامًا. بصفتها كاتبة مسرحية، فإنها تختبر، لأول مرة، سلطة كاملة على الآخرين. حبكتها مأساوية ومريرة، لكنها تُلعب بلا انقطاع حتى نهايتها. لا الصواب ولا الخطأ مكسب المنتصر في هذه المعركة. البصيرة، أعظم هبة للكاتب، هي التي تفوز.

تعد رواية ساغان الثانية، «ابتسامة ما»، من نواح كثيرة تكملة لرواية «صباح الخير أيها الحزن»، توجد العديد من المواضيع المألوفة: البحث عن الأم المفقودة وخيانتها؛ الطبيعة المزدوجة للأب/ الحبيب، والحبيب/ الأخ؛ الدفاع عن الملل أو العدمية كموقف أخلاقي أكثر صدقًا من الالتزام بالتقاليد. دومينيك، طالبة قانون في جامعة السوربون، تلتقي بلوك، عم صديقها برتراند المتزوج. أخذ لوك وزوجته الطيبة، فرانسواز، دومينيك تحت جناحهما، إذ أنها وحيدة ولا تلقى رعاية من أحد، ابنة أبوين محليين أصبحا أكثر بعدًا بسبب حزنهما الشديد على وفاة “ابن” قبل بضع سنوات، كما تصيغ دومينيك الوضع. مثل سيسيل، تناضل دومينيك من أجل الحفاظ على كرامة واقعها، من أجل تأكيد حقيقته، بغض النظر عن ادعاء الآخرين ربما أنهم يرتؤونه غير طبيعي. سرعان ما يبدأ لوك في التودد العاطفي إلى دومينيك، حتى عندما تغلفها فرانسواز بحب أمومي. تستفيد دومينيك من اهتمامهما، ولكنها لا تجد طريقًا أخلاقيًا من خلاله، لأن شكلي المودة – الجنسي والأمومي – مُحيِّران. يقترح لوك أن تهرب دومينيك برفقته وتقيم معه علاقة غرامية قصيرة، وفي النهاية سيعود إلى فرانسواز. مرة أخرى، تُعرَّف شخصية الأب بأخلاقية شاذة تؤدي إلى خيانة الفتاة لشخصية الأم. والأهم من ذلك، أنه يحرمها من واقعها العاطفي: وفقًا للوك، فإن علاقته بدومينيك لا يمكن أن تستمر إلا على أساس أنها لا تحبه.

طبيعة الحب هو الشغل الشاغل للرواية. النضج الخارق الذي جعل اسم ساغان كروائية يظهر بقوة في تصويرها الذكي للحب بوصفه حدثًا نفسيًا له جذوره في الحياة الأسرية والتكوين المبكر للشخصية. بالنسبة للقارئ الحداثي فإن سلوك لوك تجاه دومينيك له تيارات خفية قوية من الإساءة: صدمتها العاطفية العنيفة في أعقاب القضية، ونهاية الرواية المتناقضة بشكل رائع، تذهب إلى ما هو أبعد من حدود التأثير أو حتى الصراحة الفجة. «هناك شيء فاسد في دولة الدنمارك!» تجد دومينيك نفسها تكرر دون أن تعرف السبب. إن إحساس ساغان بالمأساة العاطفية هو في الواقع شعور كبار كتَّاب المسرح.

قالت ساغان في مقابلة، قبل مدة قصيرة من نشر «ابتسامة ما»: «معظم الوقت تكون الحياة نوعًا من التقدم الإيقاعي لثلاث شخصيات». في «صباح الخير أيها الحزن» جسًّدت ساغان هذا المبدأ بشكل نحتي تقريبًا، عندما تصف سيسيل البالغين الثلاثة الواقفين على الدرج في الليلة التي حوِّل فيها ريموند دفة عواطفه من إلسا إلى «آن»: «أتذكر المشهد تمامًا. بادئ ذي بدء، يتراءى أمامي منظر رقبة آن الذهبية وكتفيها المثاليين، أخفض قليلًا من مستوى وجه أبي المبهور ويده الممتدة، وفي الخلفية، صورة ظلية لإلسا».

هاتان الروايتان، اللتان تتسمان بالدقة والصرامة، والصحيحان من الناحية الفنية من خلال واقعيتهما النفسية، هما أعلى تعبير عن نقاء جمالية مؤلفتهما الغريبة والبديعة.

*تكوين