المجلة الثقافية الجزائرية

رواية «خزانة شمائل» وسلطنة المماليك للكاتب المصري: صلاح معاطي

إعداد: كوندوزايا أوباكيـروفا*

1. المقدمة: كتب الكاتب والصحفي المصري المعروف، ومؤلف أكثر من عشرين كتابًا، صلاح معاطي روايته التاريخية «خزانة شمائل» عام 2002. ولم يشتهر فقط برواياته التاريخية، بل عُرف أيضًا بكتاباته في مجال الخيال العلمي. وقد تُرجمت أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والكازاخية.

ويُعد صلاح معاطي من تلامذة الكاتب والروائي المصري البارز، وأحد أعظم روّاد القصة القصيرة المعاصرة في العالم العربي، يحيى حقي (7 يناير 1905 – 9 ديسمبر 1992). وقد تناول معاطي في رواياته القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة في العالم العربي، مستعينًا بالأحداث التاريخية الماضية. ويطرح الكاتب أسئلة صعبة ومعقدة تتعلق بالإنسان ودوره في المجتمع، إذ إن كل خطاب وكل سطر في رواياته يمس قضايا عميقة وجوهرية.

وقد حصل صلاح معاطي على جائزة «عبد القدوس» عام 2005 عن إحدى رواياته التاريخية الناجحة «خزانة شمائل»، حيث يصوّر فيها عالمًا معقدًا ومضطربًا، ويثير تساؤلات متعددة حول النظامين السياسي والاجتماعي.

في الرواية التاريخية «خزانة شمائل» يقدّم صلاح معاطي وصفًا صادقًا ودقيقًا لحياة المماليك (صلاح معاطي، 2008). وقبل الدخول الكامل في أحداث الرواية، يجدر بنا التوقف عند الأصل اللغوي لكلمة «مملوك». فقد ظهر هذا المصطلح نتيجة لوجود العبيد البيض الذين لعبوا دورًا مهمًا في تاريخ الإسلام. والكلمة اسم مفعول مشتق من الفعل «مَلَكَ» الذي يعني الامتلاك أو السيطرة، وتدل على:

التبعية لشخص ما؛ التابع أو الإقطاعي (الوسيط).

وعند فحص المصادر التاريخية المتعلقة بالمماليك بدقة، نجد أن لهذا المصطلح دلالات أخرى كذلك (قيراو باييفا، 1988).

في القرن الثالث عشر الميلادي، شكّل المماليك القوة العسكرية المركزية في مصر. وبعد وفاة آخر سلاطين الدولة الأيوبية توران شاه عام 1250م، أصبح المماليك القوة الحاكمة الرئيسية، وانقسموا إلى سلالتين رئيستين:

الدولة البحرية (التركية): 1250–1390م

الدولة البرجية (الجركسية): 1390–1517م

وتعود أصول السلالة الأولى إلى القبائل البدوية التي عاشت في منطقة البحر الأسود خلال فترة دولة القبيلة الذهبية. وبعد الغزو المغولي، أُسرت هذه القبائل ثم بيعت للتجار الإيطاليين، وبعد ذلك نُقل هؤلاء العبيد بحرًا إلى مصر (عليبيكولي، 2005).

كما تعرّض سكان شمال غرب القوقاز للغزو المغولي، ونُقل عدد كبير منهم عبيدًا إلى بلدان مختلفة. ومن هذه الفئة ظهرت الدولة البرجية (ويعني اسمها «البرج» أو «القلعة»)، إذ إن أول سلاطينها، قلاوون، بنى أول قلعة له في القاهرة، ومن ثم وصلت هذه السلالة إلى الحكم بهذه الطريقة.

وخلال فترة حكم الدولة البحرية (1250–1390)، شهدت الحياة الاجتماعية في مصر تغييرات كبيرة؛ فقد ترسّخت الملكية الإقطاعية، وتعززت القوات العسكرية، ونُظّم الجيش وفق النموذج المغولي. كما انتشرت ممارسة إعادة توزيع الأراضي الإقطاعية وتأجيرها. غير أن الفلاحين العاديين كانوا يتعرضون لاستغلال شديد من خلال ضريبة الدخل المعروفة باسم «الخَراج».

أما في فترة حكم الدولة البرجية (1390–1517)، فقد اتسع نطاق استغلال الفلاحين، وتقيّدت حريتهم بشكل كبير. وفي هذا الصدد كتب المؤرخ والجغرافي المصري المقريزي:

«كان فلاّحو الأرياف أشبه بالعبيد لدى مُلّاك الأراضي، ولم يكونوا يرغبون حتى في التحرر أو الانتقال إلى مكان آخر، بل كان مقدرًا لهم أن يبقوا عبيدًا إلى الأبد».

وكان الفلاحون الذين يفرّون من أسيادهم يُعادون قسرًا، ويُلزمون بدفع غرامة عقابًا لهم.

وتعرّض عامة الناس للاعتداءات والمضايقات من قبل المماليك الأجانب، حتى في عهد أول سلاطين الجراكسة برقوق، حيث كانت هذه الممارسات أمرًا مألوفًا. وتدهورت الأوضاع الاجتماعية للسكان، وأصبحت الصدامات بين السلاطين والطبقات الفقيرة أمرًا شائعًا.

وقد تم توصيف الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر خلال حكم المماليك على النحو السابق، وهي حقائق تاريخية عرضها صلاح معاطي بصدق وحيوية في روايته التاريخية «خزانة شمائل». ويمكن رؤية الحياة الاجتماعية لعامة الناس من خلال شخصيات الرواية الرئيسة: جمال الدين وزوجته فاطمة، وأبناؤهما حسن وصالح وشهابي. أما الوضع السياسي في تلك الحقبة، فقد صُوِّر من خلال أفعال السلطان برقوق وجمال الدين، وكذلك من خلال الأمراء، مثل أمير الشام جكم، والشيخ المحمودي ومحيطه، إضافة إلى تصرفات سجناء «خزانة شمائل».

في عام 1395م، اعتلى السلطان برقوق العرش بعد إقصائه غير العادل لأول سلطان مملوكي صلاح قادجي. وفي عام 1398م، وبعد وفاة السلطان الظاهر برقوق، عيّن الأمراء ابنه فرج، البالغ من العمر عشر سنوات، سلطانًا للبلاد. وقد حكم السلطان الناصر زين الدين أبو السعادات فرج بن برقوق البلاد مرتين: الأولى بين عامي 1398–1405 بصفته ثاني سلاطين المماليك، والثانية بين عامي 1406–1412 بصفته الرابع.

وُلد فرج في فترة اتسمت بالخلافات وصراعات النفوذ بين الأمراء عام 1388م. وخلال فترة حكمه (وكان يُعرف أيضًا باسم الملك الناصر)، كانت الأوضاع الاجتماعية في البلاد متردية، نتيجة للصراع على السلطة والعرش بين الأمراء من جهة، وتدخل أمراء الشام في هذه النزاعات من جهة أخرى. وإلى جانب ذلك، كانت حملات الغزو التي قادها تيمورلنك قد بلغت ذروتها في تلك الفترة (يوهانس شيلتبرغر، 1983).

ويُعرف تيمورلنك في التاريخ بوصفه قائدًا غزا معظم مناطق آسيا الوسطى، والقوقاز، وإيران، والصين، ووصل حتى حدود بلاد الشام. وقد بدأ حملاته العسكرية عام 1399م، فاستولى على حلب عام 1400م، ثم على دمشق عام 1401م (ناتاليا باسوفـسكايا، 2010).

ودخل جيش تيمورلنك الضخم بلاد الشام، فدمّر الحقول والمنازل والمباني والمراكز الثقافية، وسوّى المدن التي غزاها بالأرض، وأذلّ سكانها. ووفقًا لبعض المصادر الرسمية، دخل المغول مدينة حلب بجيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، وتمكنوا من احتلالها خلال أربعة أيام فقط. وإلى جانب حلب، دُمّرت مدن أورم قلعة ودمشق، بل وهددوا مصر نفسها. غير أنهم، بدلًا من غزوها، اكتفوا بترك قادة عسكريين في المدن التي احتلوها، ثم عاد تيمورلنك إلى بلاده في سمرقند. وحتى وفاته عام 1405م، ظل تيمورلنك يشكّل تهديدًا كبيرًا لسلاطين المماليك في مصر (روي غونثالث دي كلافيخو، 1928).

وخلال فترة حكم الدولة البرجية، كثرت المؤامرات وحركات المعارضة ضد سلاطينها من قبل أمراء الشام. وأسفرت هذه المؤامرات عن خلع السلطان الناصر فرج عام 1405م، وتولية أخيه الأصغر عبد العزيز الحكم. غير أن أنصار السلطان الناصر فرج دعموا عودته إلى السلطة، وبدأ صراع على الحكم بين الأخوين، انتهى بعودة السلطان الناصر إلى العرش عام 1406م.

ومع ذلك، وبعد تولي السلطان الناصر الحكم للمرة الثانية، ظل هناك تهديد خفي مصدره أمير حلب عبد الله جكم. ولأجل الاستيلاء على السلطة في مصر، أعلن هذا الأمير – المعروف أيضًا بلقب العادل – نفسه سلطانًا على بلاد الشام. وقد أيّده جميع الشيوخ وسكان المناطق المحلية، باستثناء أمير الشام نوروز. إلا أن جكم توفي لاحقًا أثناء إحدى حملاته العسكرية. وشكّلت المعارضة التي قادها الشيخ الجركسي المحمودي في كلٍّ من طرابلس ودمشق طعنة قوية في ظهر السلطان الناصر. وفي عام 1412م، قُتل السلطان الناصر في إحدى المعارك، وانتقلت السلطة إلى الشيخ المحمودي الذي لُقّب لاحقًا بـ المؤيد (جيمس ألدردج، 1970).

ولا يكتفي المؤلف بعرض هذه الوقائع التاريخية فحسب، بل يتناول من خلال شخصيات الرواية، مثل السلطان برقوق، وجكم، والشيخ المحمودي، الأوضاع المعاصرة في البلاد.

وُلد الشيخ المحمودي (1358–1421) عبدًا، وجاء إلى مصر في شبابه، حيث اشتهر بشجاعته. وقد اشتراه السلطان برقوق، ثم أصبح لاحقًا أميرًا على بلاد الشام. وسُجن الشيخ المحمودي في سجن «خزانة شمائل» بسبب محاولته اغتيال السلطان برقوق، وتعرّض هناك لمعاناة شديدة. وفي أثناء سجنه، نذر على نفسه أنه إن خرج حيًا من ذلك المكان فسيبني مسجدًا في موضع السجن. وبعد عدة سنوات تمكّن من الفرار من السجن، وتحالف مع أمير دمشق نوروز لمعارضة السلطان. وبعد وفاة السلطان فرج، تولّى الحكم بين عامي 1412 و1421م.

وبعد أن أصبح سلطانًا، أوفى الشيخ المحمودي بنذره، فهدم سجن «خزانة شمائل»، وبنى في موضعه مسجدًا جميلًا أنفق عليه أموالًا طائلة.

2. المناقشة

كان سجن «خزانة شمائل» يقع شمال باب زويلة، وقد بناه أمير القاهرة أمير علم الدين شمائل في عهد السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر الأيوبي. وكان السجن سيّئ السمعة، معروفًا بقسوته ووحشيته وأساليب التعذيب التي لا تُحتمل بحق السجناء. وكان يُودَع فيه مرتكبو الجرائم الخطيرة، والمجرمون المشهورون، وكل من عارض السلطان أو تآمر عليه.

وقد ازدادت قسوة التعذيب في هذا السجن خلال عهد السلطان فرج بن برقوق، حيث حُرم السجناء تمامًا من الاتصال بالعالم الخارجي. وعندما تولّى السلطان الشيخ المحمودي الحكم، حُوّل السجن إلى مسجد، أصبح من أجمل مساجد مدينة القاهرة (عزت أندراوس، 1994).

وتتجلى هذه الوقائع التاريخية من خلال حياة الشخصية الرئيسة في الرواية، جلال الدين جمْدار. كما أسهمت بعض الحقائق والشخصيات التاريخية في تشكيل الفكرة الرئيسة للعمل. وقد ذُكر هذا العمل بوصفه مصدرًا تاريخيًا في بعض الكتب التاريخية العربية. فعلى سبيل المثال، كتب عبود مصطفى العبود في مقاله «خزانة شمائل… كيف كُتبت الرواية التاريخية؟» أن المؤلف لم يصرّح مباشرة بما يريد التعبير عنه، بل استخدم أسلوبًا رمزيًا، أو لجأ إلى تصوير أماكن وأزمنة تاريخية أخرى. وأثناء قراءة الرواية، يشعر القارئ بأنه يعيش عصورًا ماضية، وبغضّ النظر عن رغبة الكاتب في ربط الماضي بالحاضر، يمكن الجزم بأن هذا النوع من الأعمال يُسمّى الرواية التاريخية، وهي تنقسم إلى عدة أنواع:

روايات تتناول فترة تاريخية محددة ولا تتجاوز حدثًا تاريخيًا بعينه؛

روايات تنتقد الواقع الراهن وتسعى إلى إصلاح المجتمع من خلال إحياء أحداث الماضي؛

روايات تصوّر أحداثًا واقعية من خلال حكايات متخيّلة.

وكل نوع من هذه الأنواع يرتبط بشخصيات أو أحداث تاريخية محددة (عبود مصطفى عبود، 2008).

إن قارئ رواية صلاح معاطي «خزانة شمائل» يستطيع أن يفهم بعمق طبيعة الصراعات الداخلية المختلفة داخل الدولة، وأشكال القمع والانتهاكات، ولا سيما ويلات الحرب بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية. ومن السهل تبيّن ما أراد الكاتب إيصاله من خلال تصويره للأحداث في عهد السلطان الناصر زين الدين أبي السعادات فرج بن برقوق. وربما أراد أن يعبّر عن حالة التمزق في المجتمع العربي، وعن الصراع على السلطة بين القادة العرب.

ومن خلال تصوير الهجوم المغولي بقيادة تيمورلنك، سعى الكاتب إلى إظهار حجم التهديد الخارجي الذي يواجه الدول العربية كافة. وتُعد هذه المرحلة من التاريخ العربي شديدة الشبه بالواقع المعاصر، وليس من المبالغة القول إن هناك تشابهًا كبيرًا بين تلك الأحداث وما يجري في العالم العربي اليوم، إذ تبدو سياسة الإخضاع كالشوكة المغروسة، بينما تستولي القيادات الأمريكية على ثروات العالم العربي وقيمه من خلال الظلم الداخلي والقسوة.

وربما حاول المؤلف توظيف التاريخ الماضي لتصوير الشؤون السياسية المعاصرة، والسعي إلى تغيير الواقع العربي نحو الأفضل. وتبدأ الرواية باعتقال جلال الدين وزجه في سجن «خزانة شمائل»، ذلك المكان الذي كان السجناء يتعرضون فيه لأبشع أنواع التعذيب. ويصف الكاتب السجن بقوله إن جدرانه الصفراء المائلة إلى الأرجواني غير مستوية ومشوّهة تمامًا، وقد نتأت عليها دمامل نتنة، وتبدو ثقوبه كآثار مرض الملاريا… وعلى سقفه الأسود تنتشر العناكب بكثرة، كما تتدلّى منه الخفافيش الليلية، التي تشبه الشياطين وهي تحدّق في معاناة السجناء وتراقبها بعمق…

ويجيب الكاتب عن سؤال: لماذا سُمّي السجن «خزانة شمائل»؟ على لسان أحد السجناء بلهجة ساخرة: «بالطبع هو خزانة، لأنه يحفظ أثمن كنز امتلكته البشرية يومًا… وهل هناك ما هو أثمن منّا نحن؟» فيردّ عليه أحد الشخصيات الرئيسة، علاء الدين، قائلًا: «لعنة الله على مؤسس هذا السجن، كاتب السلطان الكامل محمد الأيوبي، علم الدين شمائل».

ويمنحنا وصف السجن صورة واضحة لسجن عراقي مشابه هو سجن أبو غريب، حيث ما زالت تُمارَس أنواع شتى من التعذيب حتى اليوم. ومن خلال قراءة الرواية، يتضح أن المؤلف استخدم التاريخ الماضي ليكشف واقع الحياة الراهنة في العالم العربي (عبود مصطفى عبود، 2008).

ويُعد سجن أبو غريب من أكثر السجون قسوةً ورعبًا في العالم، ويقع على بُعد نحو 20 كيلومترًا من العاصمة العراقية بغداد. وقد بدأ العمل فيه عام 1970، وبلغ ذروة شهرته خلال فترة حكم الرئيس العراقي صدام حسين، حيث كان خاضعًا لإشراف وزارة الأمن العام. وفي عام 1984 وحده، حُكم على أربعة آلاف سجين بالإعدام، وكان رئيس جهاز الأمن الخاص صدام كامل يحضر شخصيًا عمليات الإعدام وأعمال التعذيب. وقد وصف الإعلام الغربي هذا السجن بأنه «مركز تعذيب صدام حسين».

وبعد الغزو الأمريكي، انتقلت إدارة السجن إلى القوات الأمريكية، وأُلقي القبض على العراقيين الذين عارضوا السياسة الغربية وزُجّ بهم في هذا السجن. وقد خُصص جزء من السجن للمعتقلين السياسيين، وقُسم إلى جناحين: «مفتوح» و«مغلق». وكان الجناح المغلق يضم سجناء من الشيعة معزولين تمامًا عن العالم الخارجي. وخلال حرب الخليج، سُجن فيه أمريكيون أيضًا.

وفي عام 2004، كُشفت وقائع التعذيب الوحشي الذي مارسه الجنود الأمريكيون بحق سجناء أبو غريب، وأثارت هذه الانتهاكات فضيحة دولية كبرى. وبعد ذلك أُغلق السجن مؤقتًا ابتداءً من 9 مارس 2009. وكان الجنود الأمريكيون يُهينون السجناء ويعذّبونهم بوحشية شديدة، ثم يرسلون صور التعذيب إلى أصدقائهم وهم يشعرون بالفخر بما فعلوا.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجاوزوه إلى التمثيل بجثث السجناء وإجراء تجارب عليها. وقد أُدين اثنا عشر جنديًا أمريكيًا في هذه القضية، وحُرموا من حريتهم وأُقيلوا من مناصبهم. وفي عام 2009 أُعيد ترميم مبنى السجن واستُؤنف عمله.

وفيما يخص هذا السجن وما اشتهر به من ممارسات تعذيب على أيدي الجنود الأمريكيين، نُشر عام 2005 كتاب للصحفي الروسي ميخائيل سيرغوشيف بعنوان «سجن أبو غريب: مرحبًا بكم في الجحيم»، وصف فيه بوضوح كيف كان الجنود الأمريكيون “يحاربون الإرهاب” و“ينشرون الديمقراطية” في العراق. وفي هذا الكتاب، يروي الضابط الأسير نيكولاي مازورينكو تجربته داخل السجن. ومن الواضح أن المؤلف حاول تجسيد هذه التجربة في روايته «خزانة شمائل»، حيث صُوّر السجن بأقصى درجات القسوة واليأس، مستندًا إلى وقائع تاريخية حقيقية.

وكما ذُكر سابقًا، لا تتناول هذه الرواية أحداث عصر سلاطين المماليك فحسب، بل تحمل أيضًا دلالات خفية على الأحداث المعاصرة. فقد حاول الكاتب، من خلال عرض قسوة السلاطين تجاه المجتمع، والصراعات الداخلية بين الأمراء، وحملات تيمورلنك في عهد السلطان برقوق، الربط بين تلك الوقائع التاريخية ومواقف الولايات المتحدة وأوروبا والحركة الصهيونية تجاه الدول العربية.

لقد تجاوز صلاح معاطي حدود الوصف البسيط للأحداث الماضية؛ إذ كان يسعى إلى التأثير في وعي الشعوب العربية إلى حدٍّ ما. ويتضح ذلك من خلال تكراره المتواصل لأفكاره المتعلقة بتغيير المجتمع وتحوّل السلطة. ففي الفصل الرابع من الرواية يرد السرد الآتي:

قال علاء الدين متأوهًا:

– مع بالغ أسفنا، فإننا نحن السبب في تحوّل الحكّام إلى قساة وطغاة، وذلك بسبب موقفنا السلبي تجاه القانون والحق، وقبولنا بالعنف. ولهذا نحن بحاجة إلى ثورة.

– لا فائدة من ذلك، فحتى لو حدث انقلاب، فإن طغاةً جدُدًا سيحلّون محلّ الطغاة السابقين.

لكن الجوهر الحقيقي هو الثورة ذاتها… علينا أن نُجدّد دماءنا… (صلاح معاطي، 2008).

ومن خلال هذا المقتطف القصير يمكن أن نلمس بوضوح رغبة الكاتب وحلمه في تغيير الوعي الجمعي للأمة. ويبدو جليًا أن المؤلف أراد أن يفتح أعين شعبه على الظلم، وأن يسهم في تحسين حياتهم، لكنه كان يدرك في الوقت نفسه أن هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا بتغيير طريقة التفكير.

يرى صلاح معاطي الحياة بألوانها الواقعية، ويرفض النظرة الصوفية أو الغيبية إليها. ويتمثل موقفه في الكشف عن مظاهر الظلم والقسوة والجهل التي توجد في كل مجتمع. وعند سرده لأحداث عصر المماليك، تعمّد إبراز الحياة الداخلية للشخصية الرئيسة والبيئة المحيطة بها. ومع ذلك، فقد قُدّمت الشخصيات والأحداث التاريخية الأخرى في الرواية من خلال ربطها بالواقع المعاصر وحقيقته القاسية.

وقد تُرجمت أعماله إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وحققت نجاحًا كبيرًا، الأمر الذي يبرز قيمتها وأهميتها البالغة. وكما ذُكر سابقًا، فإن سجن «خزانة شمائل» شُيّد على يد أمير مصر علم الدين شمائل (في عهد السلطان الكامل محمد بن العادل أبي بكر الأيوبي)، الذي أراد تخليد اسمه في التاريخ. ولاحقًا، سُجن في هذا المكان الشيخ المحمودي، الذي نذر بدوره أن يهدم السجن ويبني مسجدًا مكانه (صلاح معاطي، 2008).

وبعد خروجه من السجن، أوفى الشيخ المحمودي بنذره، وأصبح سلطانًا، ثم هُدم السجن وأُقيم في موضعه أحد أكبر مساجد القاهرة، وهو مسجد المؤيد. وقد استغرق بناؤه نحو خمس سنوات، بدءًا من عام 1425م. ويقع المسجد في الجزء الشرقي من القاهرة، وتبلغ أبوابه النحاسية ارتفاعًا يقارب 5.8 أمتار. وكان في ساحته الواسعة العديد من النوافير الجميلة والأشجار الخضراء، كما أُنشئت داخله مكتبة كبيرة تضم مجموعة واسعة من الكتب العلمية، ومدارس (كتاتيب) بأمر من الشيخ المحمودي، وهو ما أشار إليه المؤرخ الشهير المقريزي في مؤلفاته.

وفي الوقت الحاضر، يُعد هذا المسجد من أكبر مساجد القاهرة، ومنذ عام 2002 أصبح منطقة سياحية بموجب قرار صادر عن وزارة الثقافة والسياحة.

وأثناء قراءة رواية «خزانة شمائل»، يمكن بسهولة ملاحظة محاولة الكاتب مقارنة سياسات السلطان برقوق وبيبرس بما يجري في العراق المعاصر والعلاقات مع الولايات المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بالحروب الداخلية والقسوة الممارسة بحق الأبرياء (سامي فريد، 2008).

ومن الواضح أن محاولة صلاح معاطي في الربط بين الماضي والأحداث الراهنة قد حققت هدفها (عبود مصطفى عبود، 2008). فقد سعى إلى كشف لا إنسانية بعض العادات العربية، والظلم الاجتماعي، وتأثيرهما السلبي في تطور المجتمع. وكان يأمل أن يكون العرب أكثر إنسانية ورحمة واجتهادًا في العمل. ومن القضايا الرئيسة في الأدب العالمي استكشاف روح الأمة، ورسم ملامحها العامة، وتحديد المفاهيم الجوهرية للإنسانية. وباعتباره جزءًا من الأدب العالمي، قام صلاح معاطي في بدايات الثمانينيات بتشريح واقع أمته بدقة، مضيفًا إلى ذلك ألوانها الثقافية الجميلة.

لقد كرّس العديد من أعلام الأدب العالمي حياتهم لهدف واحد، هو تنشئة أجيال جديدة خالية من التمييز الاجتماعي، وقادرة على التفاعل مع مظاهر الظلم في الحياة اليومية. وهكذا سار صلاح معاطي على النهج نفسه. فقد عرض في «خزانة شمائل» – من خلال الحياة المدمّرة للشخصية الرئيسة جلال الدين – كيف يمكن للإنسان أن يُحرم في لحظة واحدة من حياة سعيدة، وكان السبب الرئيس في ذلك هو الوصاية الاجتماعية التقليدية في المجتمع العربي وما تحمله من أيديولوجيا.

3. الخاتمة

أراد صلاح معاطي من خلال هذا العمل الذي جرت مراجعته أعلاه أن يكشف عن آلاف الحيوات المدمّرة المشابهة لحياة الشخصية الرئيسة، ويرى أن السبب في ذلك يعود إلى الجهل والقسوة اللذين يطبعان المجتمع العربي التقليدي، الذي يتبع عاداته وتقاليده اتباعًا أعمى دون وعي أو تفكير.

ونعدّ صلاح معاطي في هذا السياق فيلسوفًا وكاتبًا ناجحًا للأمة العربية ككل. فقد كُتبت العديد من مؤلفاته بهدف التعريف بتاريخ العرب ونشره. وتتميّز رواياته بخصوصية أساسية تتمثل في عرض الأحداث التاريخية في مقارنة دائمة مع التاريخ العربي المعاصر، ولا سيما تاريخ مصر. ومن أكثر ما يلفت الانتباه أن أعماله تزخر بالوقائع التاريخية.

وتُعد قصصه حكايات عن الحياة والفعل الإنساني، يوظّف فيها التحليل النفسي بمهارة. ففي بعض الأعمال تظهر التأثيرات الدرامية بوضوح، بينما يمكن في أعمال أخرى استنتاج مشاعر الشخصيات من أفعالها وكلماتها وحواراتها. ومن أجل تقديم تحليل دقيق أو شامل لأعمال صلاح معاطي، لا بد من دراستها دراسة معمّقة، إذ تستحق هذه الأعمال التحليل لما تتسم به من أسلوب أدبي فريد يجمع بين المنهجين الأدبي والتاريخي.

References:

1. Aubakirova Kunduzay et al. / Procedia – Social and Behavioral Sciences 197 ( 2015 ) 543 – 548

2. Alibekuly A. (2005). Mamluk kezindegi turki-qypshaq adebieti (damuy, adebi okilderi, olen olshemi). Aftoreferat. Almaty, 8-9.

3. Azat Andraus (1994) http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

4. James Aldridge (1970). Cairo. Biography of the city. Translation from English O.Orestova. Moscow, 85-86.

5. Johannes Schiltberger (1983). Als Sklave im Osmanischen Reich und bei den Tataren: 1394—1427. Stuttgart: Thienemann Press

6. Natalia Basovskaya (13 February 2010). Professor RSUH. Echo of Moscow, 142-147

7. Qyraubaeva A. (1988). Gasyrlar Myrasy. Almaty: Mektep, 95.

8. Ruy González de Clavijo (1928). Embassy to Tamerlane 1403-1406 . New York and London: Harper.

9. Salah Maaty (2008). Hizanat Shamail, Cairo. 246-251.

10. Sami Farid (2008). Maza yabqa? Min Hizanat Shamail yahruj at-Tarih. Al-ahram. 22(9), 19-21.

*قسم الدراسات الشرقية، جامعة الفارابي الوطنية الكازاخية،