سامر محمود الخطيب
السردُ هو فنٌّ يَعبُرُ في فضاءِ القصَّة والروايةِ والأسطورةِ والخرافةِ وبالتالي فهو فنٌّ يعبر الخلايا الوجدانيَّةَ الفكريَّةَ والحسيَّة للفطرةِ الإنسانيةِ بكلِّ تفاصيلِها, والسردُ في الشِّعر العربي هو حكايةٌ متكاملةُ البنيةِ والنسيج ,متعانقةٌ مع القافيةِ والصورةِ والمجازِ والاستعارة وكلً مكوناتِ الروح الشعريَّةِ, لكنًها تحملُ في طياتِها تفاصيلَ تجعلُ للمكان والزمان والشخصياتِ حضوراً يزيدُ من طول القصيدةِ الشعريَّةِ .
الشعرُ والسردُ قطبان كهربائيان لتزاوج أدبيٍّ فكريٍّ يولدُ جيلاً جمالياً خالداً ,ومنْ ميزاتِ السردِ أنَّه لا يُشكِّلُ عضواً إضافياً غريباً على الجسدِ الشعريِّ, بل هو عضوٌ أساسيٌّ يتحركُ في الجسدِ الشعري دون تسميتِه.
كلُّ قصيدةٍ بحدِّ ذاتِها هي قصةٌ أو روايةٌ لحالةٍ شعوريةٍ عشناها حقيقةً, ولكنْ يصبحُ السردُ أكثر حضوراً في القصيدةِ عندما تصبحُ ديناميكيةُ المكانِ والزمانِ والأشخاصِ حاضرةً بقوَّةٍ وبعمق
ولا يمكنُ أنْ ننسى عنصرَ الحوارِ الذي يشكِّلُ أحدَ
العناصر الكيميائيَّةِ الساحرةِ في القصيدة الشعريَّةِ السرديَّة والتي تشكلُ جاذبيَّةً روحيَّة في تتابعِ ألأحداثِ القصصيةِ الخلابةِ ووجبة فكرية دسمة في التعبير الروحي وما يميز السرد الشعري حقيقة هو تلك العفوية المرهفة التي تسكنُ في حنايا الوجدِ والتي قد تتخلَّى عن الجانبِ الفكريِّ المقيَّد أحيانا لتسهِّلَ انسيابَ الرؤيةِ والصورة المشهديَّةِ التي تمزجُ بين واقعيةِ القصَّةِ وخيالِ الشعر في قالبٍ ربَّما يدخلُ الألوانَ الواقعيَّة واللحمَ والدمَ البشري في بنيةِ القصيدةِ السرديَّة .
ومما لا شكَّ فيه ولا جدالَ حولَه أنَّ السرديَّة الشعريَّة لم تكنْ بعيدةً عن أيِّ عصرٍ منَ العصور وخيرُ دليلٍ على ذلك هو معلقةُ امرىء القيس قفا نبك الذي يُعتبرُ مع الأعشَى رائدا السَّردِ الشعري وفي هذه المعلقةِ يصفُ امرؤ القيس ذلكَ الجمالَ والحسنَ لصبيَّةٍ وقع في حبِّها ووصفها ووصف تفاصيل حكايته معها في حبكةٍ شعريةٍ خالدةٍ عبر العصور حيثُ قال :
وبيضة خدر لا يرام خباؤهـــــا
تمتعت من لهو بها غير معجل
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا
علي حراصـــا لو يسرون مقتلي
أغــــــــرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهمــــا تأمري القلب يفعل
وحينَ نتكلمُ عن السردِ الشعري لا بدَّ أن نذكرَ بعضاً من خصائصِه وهي السردُ الطلبيُّ الذي يمثلُ حاجةً ملحةً للطرفِ الآخر، والإسنادي بمعنى أنَّه يبدأُ بجملةٍ محددة تفتتحُ به النصوصُ، وتضميني بمعنى تسلسلِ الرؤى والأحداثِ بشكلٍ منطقيٍّ يتوافقُ مع الحكايةِ المرادِ إيصالها .
وعليه فإنَّني أؤكِّدُ أنَّ تعانقَ الألوانِ الأدبيَّة في جوٍّ مثاليٍّ يشكِّلُ إضافةً أكثرَ عمقاً وجماليَّة من أحاديةِ القطبِ الأدبيِّ إذا صحَّ التعبير، فما أجملَ لقاء الشمسِ بالأرض ، وما أروعَ تحليقَ العصافير فوقَ الأشجارِ ،وما أروعَ التلاقي الأدبي والإنصهار الوجداني لكلِّ الأشكالِ الأدبيَّة بما يخدمُ الوجدانَ التنويريَّ والإشراقيَّ .





