المجلة الثقافية الجزائرية

سيمون دو بوفوار وسارتر حب ساخن

كيف تحولت الوجودية من إيديولوجيا النضال الإنساني إلى مغامرات مخملية تعكس عشقا ممنوعا؟

بقلم: محمد بصري*

هل تصلح الوجودية أن تكون أيديولوجيا؟ كان الخطاب السارتري ضد اليقينيات والشوفينية والاستبداد لكنه صار مدافعا شرسا عن ستالين الذي سحق المعارضة ونكل بالأحرار ويكون بذلك البطل البروليتاري الذي ألهمت وجوديته الكادحين الفرنسيين الاشتراكيين ولم يقدر أن يقدم إعلان إنشقاقي عن الشيوعية التوليتارية مبكرا في الزمن الذي مثل آلبير كامو القطيعة الوجودية مع المعسكر الاشتراكي وبرهن عليه في سلسلة مقالات كانت أشبه بالملاسنات اللفظية المكتوبة بينه وبين جون بول سارتر الوجودي المتطرف والمنحاز ثقافيا للإتحاد السوفييتي . الواقع أنها كانت خصومة ثقافية ومذهبية ونسقية حول من يمثل الفكر الوجودي هل العدمية أم العبثية أم الاصطفاف مع المؤسسات السياسية القوية التي مثلها ستالين حينذاك المؤسف أن كل المحيطين به كانوا يعتقدون أن الوجودية الماهوية هي آخر فصول حياتهم التي تمترسوا بها ودافعوا عن الحرية وكأنها إيديولوجية البسطاء

بعد مقتل البير كامو 14 يناير 1960 في حادث السيارة المؤسف أحاطت بكتابات سارتر نوبة من انسحاق الضمير وتأنيبه الفلسفي فغدت كتاباته تأبينية لفكر غريمه كامو فيها كثير من الاعتراف بالفضل والفهم العميق لأمهات القضايا الفلسفية وبالمقابل سينتشل سارتر الوجودية من النضال تحت السقف الشيوعي وينقلب ضد حلفاء المنافع المذهبية النضالية بالأمس، إلى الانغماس في الذات ستغدو وجودية العلاقات المحفوفة بالحب والعلاقات العابرة والنارية. في كتاب وجها لوجه لهازل رولي حول الحياة الشقية لسيمون دي بوفوار وسارتر.تتعمق معضلة جديدة تدين الوجودية.فكل المحيطين بسارتر وأغلبهم فتيات يافعات ممثلات طالبات انغمسن في الحياة الأفرودية و المتع المتحررة كانت لهم ميول انتحارية .انتحرت “افيلين” وهي إدانة للوجودية بالفشل المعرفي والأجرأة الثقافية والإفراط في التحيزات غير العقلانية للوجود الموضوعي الانساني.

في كتاب” وجها لوجه الحياة والحب “للكاتبة الفرنسية هازل رولي مؤلف الاعتراف أو قل قصص قصيرة ملتهبة بحمم العشق المحرم والطوطمي الذي تمارسه فئة متمنعة من الضوابط أو المعايير القيمية والجمعية تحت سقف هائل من التحرر.أبلغ ما يمكن تسميته “حب بوهيميي” لا يرقى أبدا للحب الصوفي أو العرفاني أو حتى الفلسفي الإغريقي لأنه مزيج بين الرغبة الوثنية في امتلاك الآخر والبوهيمية في العبث بالجسد.قد يكون الجسد بؤرة للغرائز والتأمل التافه للغريزة لكنه بالنسبة للذات هو آخر هو قلعة ثانية مجاورة .قد تكون جلسات وجودية مدمرة للقيم الخلقية وفي ذات الوقت تعبير عن سلوك فضائحي لا يفقه ثقافة الستر والتطهر من الغوغائية الجنسية.جلسات عربدة جنسية.حياة دو بوفوار و بيانكا بنيفيلد وكزافييه وبوست والاخوات كوازاكيفيتش والرسامة واندا أبطال المسرح السارتري الحر والراديكالي لم تكن حياتهم في الظل.هناك محاولة لتأريخ الرذيلة والحب الممنوع لم تكون لتترك عبثا للقارئ الذي تلتهم أعينه قصصا حدثت في والثلاثينات والاربعينيات والخمسينات من القرن الماضي. جل أبطاله أصبحوا من الماضي . 

في ظل هذا الواقع الذي تصفه دو بوفوار نفسها في قصصها ب”بالقذر” كانت تتشكل جندريات جديدة مفاهيم أخرى تسللت للقاموس الأناسي.مثل المثلية والجنس الأنوثي الجديد أو التحديدات الحداثية لجوهر المرأة وهو ما تقرره دو بوفوار في كتابها “الجنس الأخر”.الوجودية في شقها العبثي هي من ضخت مفهوم الجندرية النسوية التي ترفض المثل الاجتماعية وتسخر من الأخلاق باسم التحرر الراديكالي الماهوي .أي ماهيتي فوق كل الاعتبارات الأخرى بما أني. أنا من أصنعها باستمرار.

الوجودية السارترية ترفض الاستخدامات اللاذعة لمفهوم “العبث” يرفض ساتر أن تكون وجوديته عبثية ويصفها بالملتزمة .هناك مسؤولية.قد يكون الانتحار هو النهاية غير السعيدة لحياة تختار طريق الشقاء .أغلب الشخصيات الذين سقطوا في الدائرة القريبة لحياة سارتر سقوطا ايديولوجيا تمتعول بميول انتحارية وكره للوجود ذاته.الوجود الماهوي كآخر قلاعهم الثقافية والانتمائية كانوا يملكون شعورا بالنقص وشعور غامر بالإعتداء على الذات بمعنى الموت انتحارا.تعتبر إيفلين الشقراء الجذابة شخصية هلامية في قصص سارتر الغرامية تمرغت معه في الرذيلة والجنس كما تفصح عنها كتابات “وجها لوجه” لهازلي رولي أو الرسائل المنسية لدي بوفوار.الكتابات الملعونة التي احتفظت بها سيمون وسلمتها إلى الصحفية المذكورة آنفا قبيل موتها سنة 1986 .ايفلين المنتحرة سنة 1966 بابتلاعها كمية كبيرة من الحبوب المنومة أرغمها سارتر على التمثيل وقدمها لجمهوره المخملي من الباحثين عن المغامرة العاطفية والعبث الثقافي في أدوار هامشية في مسرحية “لامفر” ومسرحية “الغثيان” لسعها أحد النقاد بقوله” كانت لوحا رائعا من الجليد” 1 كان ظهور مسرح سارتر في التليفزيون هو من أربك هذه الغانية الجميلة ودفعها للتفكير في الاختفاء الأبدي.إيفلين خيبت رجاء سارتر أن يجعلها ممثلة مرموقة وهو خيبها كحبيب وعاشق .فلم يكن الحب بالنسبة له سوى إكراه ماهوي جديد يعيق حضوره الحر.

. سارتر هو ذاته الذي تمرغ في الوحل الاجتماعي والفقر واليتم المبكر سارتر جون بول المولود 1905 والمتوفى 1980 الرجل الذي رفض جائزة نوبل سنة 1964 وألقى بدعوة الأكاديمية الملكية السويدية التي تحمل شعار وختم الملك في سلة المهملات وهو الإبن اليتيم الذي تربى في بيت جده الطبيب شارل شفايتزر وقد تكون أهم رواياته “الذباب” و”الايذي القدرة” و”الجدار” “الغثيان”هي من لفتت لجان اقتفاء أثر العمالقة في الأدب العالمي لكنه خيب ظنهم وصدمهم برفضه.وهنا يكون الرجل النادر في قائمة الذين يحترمون مبادئهم يقول بعد إعلان اسمه ” لا أريد أن أدفن حيا” وأعتقد أن الجوائز هي شهادة وفاة للمبدع وبداية لموته””هي قبلة الموت”. الغريب في حياة سارتر الملحد الوجودي الذي يرفض الانتماء الديني والعقدي والشرس والضال في خصوماته.أنه تملص من عهوده ووقوفه مع المعسكر الاشتراكي خاصة بعد اجتياح روسيا للجمهوريات

السوفياتية السابقة وأزمة المجر 1956 وتزعمه لحركة نضالية شديدة للشيوعية التي كانت تستهويه في شبابه.سارتر هو ذاته الذي قبض عليه يبيع جريدة ماوية”قضية الشعب” في حدائق مونبارناس بباريس متنكرا واقتيد للاستجواب في مخافر الشرطة عندما طلب منه الضابط ذكر مهنته قال : مفكر فيلسوف يحرض على الثورة. ذلك سنة 1968 وهو الكاره للماويين.وقد جسد المبدأ القائل “قد أختلف معك لكني سأناضل من أجل حريتك”.ساتر كان يكره ريمون آرون كدم أسنانه ويمقت كلود ليفي شتراوس الذي كان يعتبره الأنتروبولوجي العنصري القسيس الذي يُجير الأراء العلمية للدين.وكان كلود يبادله نفس الشعور المقيت ويدعوه النجس.سارتر هو الذي وقف مع القضية الفلسطينية ومع الثورة الجزائرية و مع إسرائيل قبل وبعد أحداث سجن أوشفيتز اللعين وتضامن مع القضية اليهودية وسببت له ذلك خلاف مع الغرب والشرق وهو الفيلسوف الذي استمتع بحديث طويل مدة 3 ساعات مع الراحل “جمال عبد الناصر” كما سبب له هذا صداعا سياسيا وجسديا مع اليسار واليمين الفرنسي.سارتر المنبوذ دينيا كما يروي الذين حضروا نهاياته المأساوية يموت مريضا منعزلا شبه أعمى يتوسلهم حضور حاخام ليشهد دخوله اليهودية و ليقول في اخر كلامه “أعتقد أني لست مخيرا في وجودي فقد سبق التحضير له من طرف خالق ولست مجرد غبار في هذا الكون بل كائن يشعر ويحس”.

هوامش

1-ل هازلي رولي الحياة والحب وجها لوجه جون بول سارتر وسيمون ذي بوفوار ترجمة محمد حنانا ص384.

*محمد بصري/ مفتش التربية الوطنية/ الجزائر