المجلة الثقافية الجزائرية

شَرْحُ اِعْتِرَاضَاتِ الإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ عَلَى اُلدَّلِيلِ اُلثَّانِي بِصِيغَتَيْهِ لِلْفَلاَسِفَةِ فِي قِدَمِ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ مِنْ مَبَاحِثِ اُلْمَسْأَلَةِ الأُولَى مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ”

شَرْحُ لطفي خيرالله

©تونس، شعبان 1446- فيفري 2025.

كَلِمَةُ اُلشَّارِحِ……………………3

اُلصِّيغَةُ الأُولَى لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي……….5

اُلصِّيغَةُ اُلثَّانِيَةُ لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي……….47

كَلِمَةُ اُلشَّارِحِ

بِسْمِ الله اُلرَّحْمَنِ اُلرَّحِيمِ

لَقَدْ جَعَلَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ رَدَّهُ عَلَى اُلْفَلاَسِفَةِ فِي كِتَابِ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” فِيمَا فِيهِ نِزَاعٌ بِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ اُلدِّينِ، وَكَانَ قَوْلاً فِي غَيْبٍ مِنَ اُلْغَيْبِيَّاتِ. أَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ فِي اُللَّفْظِ فَقَطْ فَقَدْ تَرَكَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي تَصْدِيقِ اُلأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ عَابَ مَنْ طَعَنَ فِيهِ، وَعَدَّهُ مُكَابَرَةً لِأُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ شَأْنُهَا أَنْ تُسَهِّلَ عَلَى اُلْمَلاَحِدَةِ طَرِيقَ إِبْطَالِ اُلشَّرْعِ، كَحِسَابِ اُلْكُسُوفِ. وَمُخَالَفَةُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِأَصْحَابِ اُلْمِلَّةِ وَاُلدِّينِ ذَاتُ وَجْهَيْنِ : اُلْوَجْهُ اُلأَوَّلُ، اِدِّعَاؤُهُمْ أَنَّ اُلأُمُورَ الإِلاَهِيَّةَ يُمْكِنُ إِدْرَاكُهَا بِاُلْعَقْلِ وَحْدَهُ، بَلْ إِنَّ اُلْيَقِينَ فِيهَا غَيْرُ حَاصِلٍ إِلاَّ بِاُلطَّرِيقِ اُلْبُرْهَانِيِّ اُلْمُسْتَغْنِي إِطْلاَقًا عَنْ كُلِّ سَنَدٍ نَقْليٍّ. وَاُلْوَجْهُ اُلثَّانِي، إِثْبَاتُهُمْ لِأَشْيَاءَ هِيَ مُنَافِيَةٌ لِكَثِيرٍ مِنْ قَطْعِيَّاتِ اُلشَّرْعِ، كَقَوْلِهِمْ بِقِدَمِ اُلْعَالَمِ، وَإِنْكَارِ اُلْحَشْرِ اُلْجِسْمَانِيِّ، إِلَى غَيْرِهِمَا. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْغَزَالِيَّ فِي رُدُودِهِ عَلَيْهِمْ مَا كَانَتْ هِمَّتُهُ أَنْ يُثْبِتَ هَذِهِ اُلْقَطِعِيَّاتِ بِأَدِلَّةٍ تَامَّةٍ خَالِيَةٍ مِنْ كُلِّ شَكٍّ، أَوْ أَنْ يَحُلَّ كُلَّ شُكُوكِ اُلْفَلاَسِفَةِ. بَلْ سَعْيُهُ قَدْ كَانَ فِي أَمْرَيْنِ : الأَمْرُ الأَوَّلُ، إِنْ كَانَ حُكْمُ اُلْفَلاَسِفَةِ هُوَ مُخَالِفًا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ اُلدِّينِ، كَأَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ، أَوْ نَفْيِ اُلصِّفَاتِ، طَلَبَ إِبْطَالَ اُلدَّلِيلِ، وَإِبْطَالَ اُلْمَذْهَبِ. وَهْوَ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ قَدْ بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ اِنْفِرَادَ اُلْعَقْلِ عَنِ اُلنَّقْلِ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ آخِذٌ إِلَى اُلضَّلاَلِ لاَ مَحَالَةَ، وَهْوَ حِينَ يُسَمِّي اُلْمَسْأَلَةَ “فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ”. وَالأَمْرُ اُلثَّانِي، إِنْ كَانَ حُكْمُ اُلْفَلاَسِفَةِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِأَصْلٍ شَرْعِيٍّ صَرِيحٍ، طَلَبَ حِينَئِذٍ فَقَطْ إِبْطَالَ اُلدَّلِيلِ، أَوْلِنَقُلْ إِظْهَارَ خَلَلِ اُلدَّلِيلِ، لَيْسَ لِإِبْطَالِ اُلْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اُلْمَذْهَبَ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ اُلشَّرْعِ، بَلْ لِبَيَانِ أَنَّ تِلْكَ اُلأَشْيَاءَ إِنَّمَا يُوصَلُ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ اُلشَّرْعِ فَقَطْ، وَأَنَّ اُلْعَقْلَ اُلْمُجَرَّدَ هُوَ قَاصِرٌ عَنْهَا فِي كُلِّ اُلأَحْوَالِ، وَهْوَ حِينَ يُسَمِّي اُلْمَسْأَلَةَ “فِي تَعْجِيزِهِمْ عَنِ اُلْقَوْلِ”، أَيْ أَنَّ اُلْقَوْلَ صَحِيحٌ، لَكِنْ هُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِهِ، لِأَنَّ اُلأَدَاةَ غَيْرُ مُوَافِقَةٍ.

أَمَّا رُدُودُ اُلْغَزَالِيِّ بِعَيْنِهَا فِي هَذَا اُلْكِتَابِ، فَقَدِ اِشْتَمَلَتْ عَلَى عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، وَاُلْمَسْأَلَةُ اُلأُولَى هِيَ هَذِهِ “إِبْطَالُ مَذْهَبِهِمْ فِي أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ.” وَقَدْ جَاءَ لَهُمْ فِيهَا بِأَرْبَعَةِ أَدِلَّةٍ عَلَى قِدَمِهِ وَاِمْتِنَاعِ حُدُوثِهِ. وَنَحْنُ كُنَّا مُنْذَ عَشْرِ سِنِينَ قَدْ شَرَحْنَا اُلدَّلِيلَ اُلأَوَّلَ، وَفِي هَذَا اُلشَّرْحِ إِنَّمَا نَأْتِي عَلَى اُلدَّلِيلِ اُلثَّانِي ذِي اُلصِّيغَتَيْنِ. وَبِهِ اُلْقُوَّةُ.

لطفي خيرالله

اُلصِّيغَةُ الأُولَى لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي

-I قَالَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ “زَعَمُوا أَنَّ اُلْقَائِلَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ اللهِ وَاللهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ بِاُلذَّاتِ لاَ بِاُلزَّمَانِ كَتَقَدُّمِ اُلْوَاحِدِ عَلَى الاثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ بِاُلطَّبْعِ1، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي اُلْوُجُودِ اُلزَّمَانِيِّ2، وَكَتَقَدُّمِ اُلْعِلَّةِ عَلَى اُلْمَعْلُولِ3، مِثْلَ تَقَدُّمِ حَرَكَةِ اُلشَّخْصِ عَلَى حَرَكَةِ اُلظِلِّ اُلتَّابِعِ لَهُ، وَكَحَرَكَةِ اُلْيَدِ مَعَ حَرَكَةِ اُلْخَاتَمِ، وَحَرَكَةِ اُلْيَدِ فِي اُلْمَاءِ مَعَ حَرَكَةِ اُلْمَاءِ4، فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي اُلزَّمَانِ، وَبَعْضُهَا عِلَّةٌ وَبَعْضُهَا مَعْلُولٌ إِذْ يُقَالُ تَحَرَّكَ اُلظِلُّ لِحَرَكَةِ اُلشَّخْصِ، وَتَحَرَّكَ اُلْمَاءُ لِحَرَكَةِ اُلْيَدِ فِي اُلْمَاءِ، وَلاَ يُقَالُ تَحَرَّكَ اُلشَّخْصُ لِحَرَكَةِ اُلظِلِّ، وَتَحَرَّكَتِ اُلْيَدُ لِحَرَكَةِ اُلْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً5.

فَإِنْ أُرِيدَ بِتَقَدُّمِ اُلْبَارِئِ عَلَى اُلْعَالَمِ هَذَا6 لَزِمَ أَنْ يَكُونَا حَادِثَيْنِ أَوْ قَدِيمَيْنِ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدِيمًا وَالآخَرُ حَادِثًا7، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ اُلْبَارِئَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ وَاُلزَّمَانِ لاَ بِاُلذَّاتِ بَلْ بِاُلزَّمَانِ8، فَإِذَنْ قَبْلَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ وَاُلزَّمَانِ زَمَانٌ9 كَانَ اُلْعَالَمُ فِيهِ مَعْدُومًا إِذْ كَانَ اُلْعَدَمُ سَابِقًا عَلَى اُلْوُجُودِ10، وَكَانَ اللهُ سَابِقًا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ لَهَا طَرَفٌ مِنْ جِهَةِ الآخِرِ وَلاَ طَرَفَ لَهَا مِنْ جِهَةِ الأَوَّلِ11. فَإِذَنْ قَبْلَ اُلزَّمَانِ زَمَانٌ لاَ نِهَايَةَ لَهُ، وَهْوَ مُتَنَاقِضٌ12. وَلِأَجْلِهِ يَسْتَحِيلُ اُلْقَوْلُ بِحُدُوثِ اُلزَّمَانِ13 وَإِذَا وَجَبَ قِدَمُ اُلزَّمَانِ، وَهْوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَدْرِ اُلْحَرَكَةِ، وَجَبَ قِدَمُ اُلْحَرَكَةِ وَوَجَبَ قِدَمُ اُلْمُتَحَرِّكِ الَّذِي يَدُومُ اُلزَّمَانُ بِدَوَامِ حَرَكَتِهِ14.”

شَرْحٌ -I-

1) [زعموا… فَإِنَّهُ بِاُلطَّبْعِ]، لَيْسَ يَخْلُو اُلْقَوْلُ بِتَأَخُّرِ اُلْعَالَمِ عَنِ الله، وَتَقَدُّمِ الله عَلَيْهِ، مِنْ أَحَدِ اُلْوَجْهَيْنِ، إِمَّا اُلتَّقَدُّمُ بِاُلذَّاتِ، أَوِ اُلتَّقَدُّمُ بِاُلزَّمَانِ. وَاُلْغَزَالِيُّ يَذْكُرُ أَوَّلاً مَعْنَى اُلتَّقَدُّمِ بِاُلذَّاتِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ عَلَى لِسَانِ اُلفَلاَسِفَةِ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى نَقِيضِ مَقْصُودِ مُثْبِتِيِّ اُلْحُدُوثِ. إِذِ اُلتَّقُدُّمُ وَاُلتَّأُخُّرُ هُمَا مَعْنَيَانِ مُتَضَايِفَانِ، أَعْنِي أنَّ مَفْهُومَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا يُقَالُ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى الآخَرِ، فَاُلْْمُتَقَدِّمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مُتَأَخِّرٍ، وَاُلْمُتَأَخِّرُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ مُتَقَدِّمٍ. لِذَلِكَ فَالأَنْحَاءُ الَّتِي يُقَالُ بِهَا أَحَدُهُمَا هِيَ عَلَى عَدَدِ أَنْحَاءِ الآخَرِ. وَأَرُسْطُو فِي كِتَابِ “اُلْمَقُولاَتُ” كَانَ قَدْ أَحْصَى أَصْنَافًا خَمْسَةً مِنَ اُلْمُتَقَدِّمِ: اُلْمُتَقَدِّمُ بِاُلزَّمَانِ، وَهُوَ مَا زَمَانُهُ أَطْوَلُ مِنْ زَمَانِ اُلْمُتَأَخِّرِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى الآنِ اُلْحَاضِرِ، كَمُوسَى هُوَ قَبْلَ عِيسَى. وَاُلْمُتَقَدِّمُ بِاُلْمَرْتَبَةِ، وَهُوَ اُلشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مَبْدَأً لِشَيْءٍ آخَرَ، أَوْ يَكُونُ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى اُلْمَبْدَأِ، مِثَالُ ذَلِكَ، اُلْحُدُودُ وَالأُصُولُ اُلْمَوْضُوعَةُ فِي عِلْمِ اُلْهَنْدَسَةِ هِيَ بِمَنْزِلَةِ اُلْمَبْدَأِ لِسَائِرِ مَطَالِبِ هَذَا اُلْعِلْمِ، إِذَنْ فَهْيَ قَبْلُ، أَمَّا اُلشَّكْلُ اُلْمُلَقَّبُ بِاُلْحِمَارِيِّ، مَثَلاً، فَهُوَ قَبْلَ اُلْمُلَقَّبِ بِاُلْعَرُوسِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى مَرْتَبَةِ اُلْمَبْدَأِ، إِذِ الأَوَّلُ مَنْزِلَتُهُ اُلْعِشْرُونَ، وَالثَّانِي، اُلسَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ. وَنَحْوٌ ثَالِثٌ وَهُوَ اُلتَّقَدُّمُ بِاُلشَّرَفِ وَالاِعْتِبَارِ، كَتَقَدُّمِ قُرَيْشٍ عَلَى سَائِرِ اُلْعَرَبِ. ثُمَّ نَحْوَانِ آخَرَانِ مِمَّا لَهُمَا دُخُولٌ وَاضِحٌ فِي هَذا اُلنَّظَرِ، وَفِي كَثِيرٍ غَيْرِهِ مِنْ مَبَاحِثِ اُلْفَلْسَفَةِ، أَوَّلُهُمَا اُلتَّقَدُّمُ بِاُلطَّبْعِ، وَقَدْ عَرَّفَهُ أَرُسْطُو بِقَوْلِهِ “مَا لاَ يَرْجِعُ بِاُلتَّكَافُئِ فِي لُزُومِ اُلْوُجُودِ” وَجَعَلَ عَلَيْهِ مِثَالاً، اُلْوَاحِدَ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى الاِثْنَيْنِ، أَيْ أَنَّ اُلْوَاحِدَ هُوَ قَبْلَ الاِثْنَيْنِ بِاُلطَّبْعِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ لَزِمَ مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ ثَانٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ أَوَّلٌ مَوْجُودًا، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ اُلشَّيْءِ الأَوَّلِ وُجُودُ اُلثَّانِي، كَانَ الأَوَّلُ مُتَقَدِّمًا، وَاُلثَّانِي مُتَأَخِّرًا. وَلاَ تَفْهَمْ مِنْ لُزُومِ وُجُودِ الأَوَّلِ مِنَ اُلثَّانِي أَنَّ اُلثَّانِيَ هُوَ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِوُجُودِ الأَوَّلِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ اُلثَّانِي إِذْ هُوَ مَوْجُودٌ، فَلاَ مَحَالَةَ فَإِنَّ الأَوَّلَ هُوَ أَيْضًا مَوْجُودٌ. وَلَيْسَ إِنْ كَانَ الأَوَّلُ مَوْجُودًا، فَلاَ مَحَالَةَ فَإِنَّ اُلثَّانِي مَوْجُودٌ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى “مَا لاَ يَرْجِعُ بِاُلتَّكَافُئِ”. وَيُفْهَمُ ذَاكَ مِنْ اُلْمِثَالِ، فَإِنَّ الاِثْنَيْنِ مَتَى وُجِدَ، فَقَدْ وُجِدَ اُلْوَاحِدُ ضَرُورَةً، لَكِنْ لاَ عَلَى أَنَّ الاِثْنَيْنِ عِلَّةُ اُلْوَاحِدِ، بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ ثُبُوتَهُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ اُلْوَاحِدِ. وَاُلْعَكْسُ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَيْ لَيْسَ إِثْبَاتُ اُلْوَاحِدِ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الاِثْنَيْنِ لاَ مَحَالَةَ، بَلْ قَدْ يُوجَدُ اُلْوَاحِدُ وَلاَ يَكُونُ الاِثْنَانِ أَلْبَتَّةَ. لِذَلِكَ قِيل َ إِنَّ اُلْوَاحِدَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الاِثْنَيْنِ. أَمَّا اُلثَّانِي مِنْ نَحْوَيِ اُلْمُتَقَدِّمِ اُلْمَذْكُورَيْنِ، فَاُلْمُتَقَدِّمُ بِاُلسَّبَبِيَّةِ، وَيَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ مُتَقَدِّمٌ بِاُلطَّبْعِ، وَقَدْ عَرَّفَهُ أَرُسْطُو بِقَوْلِهِ “فَإِنَّ اُلسَّبَبَ مِنَ اُلشَّيْئَيْنِ اُللَّذَيْنِ يَرْجِعَانِ بِاُلتَّكَافُئِ فيِ لُزُومِ اُلْوُجُودِ عَلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَ سَبَبًا لِوُجُودِ شَيْءٍ آخَرَ، فَبِاُلْوَاجِبِ يُقَالُ إِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ بِاُلطَّبْعِ”، إِذْ قَدْ يَكُونُ شَيْئَانِ يَتَكَافَآنِ فِي لُزُومِ اُلْوُجُودِ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا لاَزِمًا مِنْ وُجُودِ الآخَرِ، وَالآخَرُ أَيْضًا لاَزِمًا مِنْ وُجُودِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ، فَإِمَّا أَلاَّ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَبَبًا لِلآخَرِ، مِثَالُ ذَلِكَ فِي اُلضِّعْفِ وَاُلنِّصْفِ، إِذِ اُلضِّعْفُ لاَزِمٌ مِنَ اُلنِّصْفِ، وَاُلنِّصْفُ لاَزِمٌ مِنَ اُلضِّعْفِ، وَلاَ وَاحِدَ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلآخَرِ، فَإِذَنْ يُقَالُ هُمَا مَعًا بِاُلطَّبْعِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَبَبًا لِلآخَرِ، وَهَذَا هُوَ اُلْمُتَقَدِّمُ بِاُلسَّبَبِيَّةِ. وَأَرُسْطُو يَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ مِثَالاً وَهْوَ الإِنْسَانُ اُلْمَوْجُودُ، وَاُلْقَوْلُ اُلصَّادِقُ “الإِنْسَانُ مَوْجُودٌ”. إِذْ أَنَّ وُجُودَ الإِنْسَانِ فِي الأَعْيَانِ لاَزِمٌ عَنْ صِدْقِ اُلْقَوْلِ “الإِنْسَانُ مَوْجُودٌ”، أَيْ أَنَّ صِدْقَ هَذَا اُلْقَوْلِ يَلْزَمُهُ لاَ مَحَالَةَ عَلَى ججِهَةِ الدَّلاَلَةِ وُجُودُ الإِنْسَانِ فِي الأَعْيَانِ. لَكِنَّ صِدْقَ اُلْقَوْلِ “الإِنْسَانُ مَوْجُودٌ” إِنَّمَا هُوَ لاَزِمٌ عَنْ وُجُودِهِ فِي الأَعْيَانِ، لاَ عَلَى جِهَةِ اُلدَّلاَلَةِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ اُلْوُجُوبِ وَاُلْعِلِّيَةِ، أَيْ أَنَّ عِلَّةَ اُلصِّدْقِ قَدْ كَانَتِ اُلْوُجُودَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلسَّبَبَ فِي أَحَدِ اُلْمُتَكَافِئَيْنِ هُوَ اُلْمُتَقَدِّمُ بِاُلسَّبَبِيَّةِ. تِلْكُمُ إِذَنْ هِيَ أَنْوَاعُ اُلتَّقَدُّمِ اُلْخَمْسَةُ اُلْمَذْكُورَةُ فِي كِتَابِ “اُلْمَقُولاَتُ”.

2) [مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ … اُلزَّمَانِيِّ ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمُتَقَدِّمَ بِاُلطَّبْعِ عَلَى قَرِينِهِ قَدْ يَكُونُ أَيْضًا مَعَهُ بِاُلزَّمَانِ، لِأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي بَيْنَهَا تَقَدُّمٌ وَتَأَخُّرٌ بِاُلطَّبْعِ إِنْ كَانَتْ لاَ زَمَنِيَّةً، فَلاَ يُمْكِنُ أَصْلاً أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا أَيُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ اُلنِّسْبَةِ اُلزَّمَانِيَّةِ، كَاُلْمِثَالِ اُلْمَذْكُورِ آنِفًا فِي اُلْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ زَمَانِيَّةً، فَجَازَتْ لَهُمَا إِذَنِ اُلنِّسْبَةُ اُلزَّمَانِيَّةُ، كَاُلْمَعِيَّةِ، مَعَ نِسْبَةِ اُلتَّقَدُّمِ بِاُلطَّبْعِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي نَوْعِ اُلتَّقَدُّمِ بِاُلْعِلِّيَةِ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ الآنَ. إِذْ يُقَالُ أَيْضًا عَلَى اُلْمُتَقَدِّمِ بِاُلْعِلَّيَةِ مُتَقَدِّمٌ بِاُلطَّبْعِ وَبِاُلذَّاتِ.

3) [وكتقدّم العلّة على المعلول]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمُتَقَدِّمَ بِاُلْعِلِّيَةِ هُوَ مُتَقَدِّمٌ بِاُلذَّاتِ وَلَيْسَ بِاُلزَّمَانِ. إِذَنْ فَيْسَ مِنْ شَرْطِ الإِحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ اُلْمُحْدِثِ وَاُلْحَادِثِ زَمَانٌ، إِذْ هُمْ قَدْ شَرَطُوا، أَعْنِي اُلْمُتَكَلِّمِينَ فِي حُدُوثِ اُلْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِاُلْعَدَمِ سَبْقًا زَمَانِيًّا، فَوَجَبَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اُلْمُحْدِثُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِاُلزَّمَانِ. فَإِذْ لَمْ يَجِبْ هَذَا اُلشَّرْطُ، لَمْ يَلْزَمْ إِذَنْ مِنَ اُلْقَوْلِ بِقِدَمِ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ رَفْعُ التَّأَخُّرِ اُلزَّمَانِيِّ عَنْهُ، بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُولٍ أَصْلاً وَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ.

4) [مِثْلَ تَقَدُّمِ حَرَكَةِ… مَعَ حَرَكَةِ اُلْمَاءِ]، إِنَّهَا أَمْثِلَةٌ مَشْهُورَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ نِسْبَةَ اُلْمَعْلُولِيَّةِ مُتَنَزِّهَةٌ عَنْ مَعْنَى اُلزَّمَانِيَّةِ، إِذْ لَوْ كَانَ اُلتَّقَدُّمُ بِاُلزَّمَانِ شَرْطًا فِي أَنْ يَكُونَ اُلشَّيْءُ مُحْدِثًا لِشَيْءٍ، لَكَانَ مُمْتَنِعًا، حَيْثُ غَابَ هَذَا اُلشَّرْطُ، وَتَسَاوَى الشَّيْئَانِ فِي اُلزَّمَانِ، أَيْ كاَنَا فِيهِ مَعًا، أَنْ يُمَيِّزَ اُلذِّهْنُ اُلعِلَّةَ مِنَ اُلْمَعْلُولِ. فَحَرَكَةُ اُلشَّخْصِ وَحَرَكَةُ ظِلِّهِ هُمَا مَعًا، وَحَرَكَةُ اُلْيَدِ وَحَرَكَةُ اُلْخَاتَمِ، وَحَرَكَةُ اُلْيَدِ فِي اُلْمَاءِ وَحَرَكَةُ اُلْمَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَاُلذِّهْنُ حَاكِمٌ بِأَنَّ حَرَكَةَ اُلشَّخْصِ إِنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ اُلظِلِّ لاَ اُلْعَكْسُ، وَالأَمْرُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الأَمْثِلَةِ. فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ اُلتَّقَدُّمَ بِاُلْعِلِّيَةِ لاَ يَقْتَضِي أَلْبَتَّةَ اُلتَّقُدَّمَ بِاُلزَّمَانِيَّةِ. وَهَذِهِ الأَمْثِلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ “اُلْمَقُولاَتُ” لاِبْنِ سِينَا، فَصْلُ التَّقَدُّمِ وَاُلتَّأَخُّرِ، وَمِنْ “إِلاَهِيَّاتُ اُلشِّفَاءِ”.

5) [وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً]، أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مَعًا فِي اُلزَّمَان.

6) [فَإِنْ أُرِيدَ…هذا]، هُنَا يَبْدَأُ إِلْزَامُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِلْمُخَالِفِينَ عَلَى اُلْمَعْنَى الأَوَّلِ فِي اُلتَّقَدُّمِ. فَإِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا اُلْمُتَكَلِّمَةُ تُقِرُّونَ بِأَنَّ اُلْبَارِئَ تَعَالَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ بِاُلْعِلِّيَةِ فَقَطْ، وَإِذْ أَنَّ اُلشَّيْءَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِلَّةٌ فَمَعَ مَعْلُولِهِ ضَرُورَةً مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْلُولٌ، فَلاَ مَحَالَةَ اُلْبَارِئُ هُوَ مَعَ اُلْعَالَمِ وَاُلْعَالَمُ هُوَ مَعَ اُلْبَارِئِ. وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ اُلشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَاتِهِ تَقَدُّمٌ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِاُلزَّمَانِ مَثَلاً، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ لَهُ عِلَّةً، صَارَ الاِثْنَانِ مَعًا بِاُلزَّمَانِ. لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَعِيَّتُهُمَا بِاُلزَّمَانِ مِنْ جِهَةِ اُلْعِلِّيَةِ وَاُلْمَعْلُولِيَّةِ بِمَانِعَةٍ أَصْلاً لِأَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي تَأَخُّرٌ آخَرُ عَلَى الأَوَّلِ غَيْرُ التَّأَخُّرِ بِاُلْعِلِّيَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلنَّارَ هِيَ مُتَقَدِّمَةٌ بِاُلزَّمَانِ عَلَى اِشْتِعَالِ اُلْقُطْنِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي آنِ مَا يَصِيرُ اُلْقُطْنُ مُشْتَعِلاً حَقًّا، أَيْ فِي آنِ مَا تَصِيرُ فِيهِ اُلنَّارُ عِلَّةً بِاُلْفِعْلِ لاِشْتِعَالِ اُلْقُطْنِ اُلْمَعْلُولِ، فَالاِثْنَانِ حِينَئِذٍ يَكُونَانِ مَعًا بِاُلزَّمَانِ قَطْعًا. وَالأَمْثِلَةُ اُلْمَأْخُوذَةُ أَوَّلاً إِنَّمَا تُفِيدُ هَذَا اُلْحَصْرَ فِي اُلتَّقَدُّمِ بِاُلْعِلِّيَةِ فَقَطْ، إِذْ أَنَّ حَرَكَةَ اُلْيَدِ مَثَلاً، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَلْبَتَّةَ وُجُودٌ مُتَقَدِّمٌ بِاُلزَّمَانِ عَلَى حَرَكَةِ اُلْمِفْتَاحِ زَائِدًا عَلَى اُلْعِلِّيَةِ بِعَيْنِهَا، بَلْ نَفْسُ وُجُودِ ذَاتِهَا هو وُجُودُهَا عِلَّةً لِحَرَكَةِ اُلْمِفْتَاحِ.

7) [لَزِمَ… وَالآخَرُ حَادِثًا]، اُلْحَادِثُ فِي عُرْفِ اُلْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ مَا وُجُودُهُ مَسْبُوقٌ بِعَدَمٍ، وَاُلْقِدِيمُ مَا وُجُودُهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ. فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْحَادِثَ لَهُ آنٌ فِي وُجُودِهِ، كُلُّ الأَوْقَاتِ اُلْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ ذَلِكَ الآنِ مُصَاحِبٌ لَهَا بِاُلْعَدَمِ. أَمَّا اُلْقَدِيمُ فَكُلُّ وَقْتٍ يُفْرَضُ وَكُلُّ وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَهُ إِلَى غَيْرِ أَوَّلٍ مَفْرُوضٍ، فَإِنَّ اُلْقَدِيمَ مُصَاحِبٌ لَهَا بِاُلْوُجُودِ. إِذَنْ فَلَوْ كَانَ اُلْبَارِئُ مُتَقَدِّمًا عَلَى اُلْعَالَمِ بِاُلْعِلِّيَةِ فَقَطَ، وَنِسْبَةُ اُلْعِلِّيَةِ تُوجِبُ اُلْمَعِيَّةَ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِمَّا وَقْتُ اُلْحَادِثِ مَعَ وَقْتِ اُلْقَدِيمِ، وَاُلْقَدِيمُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ كَانَ فِيهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَاُسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ اُلْحَادِثُ حَادِثًا، بَلْ قَدِيمٌ. هَذَا خَلْفٌ. وَإِمَّا أَنْ يُصَاحِبَ اُلْقَدِيمُ اُلْحَادِثَ، فَاُسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ اُلْقَدِيمُ قَدِيمًا، بَلْ حَادِثٌ. هَذَا خَلْفٌ.

8) [وَإِنْ أُرِيدَ… بَلْ بِاُلزَّمَانِ]، هُنَا يَبْدَأُ إِلْزَامُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِلْمُخَالِفِينَ عَلَى اُلْمَعْنَى اُلثَّانِي مِنَ اُلتَّقَدُّمِ. فَاُعْلَمْ  أَن اُلْمُتَكَلِّمِينَ إِنَّمَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ حَادِثٌ فِي زَمَانٍ، وَأَنَّ اُلْقَدِيمَ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ زَمَانِيٌّ، وَأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ بِأَوْقَاتٍ لاَمُتَنَاهِيَةٍ. لَكِنَّ اُلزَّمَانَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَا يَرَاهُ اُلْحُكَمَاءُ بَتَاتًا، لاَسِيَّمَا مِنْهُمْ الَّذِينَ يَذْهَبُونُ فِيهِ مَذْهَبَ أَرُسْطُو، كَابْنِ سِينَا. إِذِ اُلْمَشْهُورُ عِنْدَ اُلْمَشَّائِيينَ أَنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ اُلْفَلَكِ الأَقْصَى بِحَسَبِ اُلْمُتَقَدِّمِ وَاُلْمُتَأَخِّرِ. قَالَ أَرُسْطُو: “فَعَلَى هَذَا اُلْقِيَاسِ إِذَنْ اُلزَّمَانُ هُوَ عَدَدُ اُلْحَرَكَةِ مِنْ قِبَلِ اُلْمُتَقَدِّمِ وَاُلْمُتَأَخِّرِ” “السَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ”، اُلْمَقَالَةُ اُلرَّابِعَةُ، 219 ب. وَلِأَنَّ اُلزَّمَانَ قَدِيمٌ، أَعْنِي لاَ أَوَّلَ لَهُ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ اُلْحَرَكَةُ قَدِيمَةً، أَيْ لَيْسَتْ هُنَاكَ حَرَكَةٌ إِلاَّ وَقَبْلَهَا حَرَكَةٌ، إِذًا فَاُلْفَلَكُ قَدِيمٌ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْحُكَمَاءَ لَمَّا أَوْجَبَتْ أَنْ لاَ أَوَّلَ لِلزَّمَانِ، لَزِمَهَا لاَمَحَالَةَ أَنْ تُوجِبَ أَنَ لاَ مَبْدَأَ لِلْعَالَمِ. أَمَّا اُلْمُتَكَلِّمُونَ فَوَصْفُهُمْ لِلْقِدَمِ وَاُلْحُدُوثِ وَصْفٌ زَمَانِيٌّ، فَقَالُو اُلْحَادِثُ مَا لَهُ أَوَّلٌ فِي اُلزَّمَانِ، وَاُلْقَدِيمُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ، فَهَذَا فِي ظَاهِرِهِ قَدْ يُوجِبُ أَن ْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَيْضًا قَدِيمًا، لِأَنَّ اُلزَّمَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدِيمًا. لِذَلِكَ فَهُمْ لِيُثْبِتُوا اُلْوَصْفَ وَيَمْنَعُوا اُللُّزُومَ، ذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إِلَى إِنْكَارِ وُجُودِ اُلزَّمَانِ أَصْلاً. اُنْظُرْ فِي ذَلِكَ “اُلْمَوَاقِفُ” لِعبد الرّحمان بن أحمد الإيجي اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 756 هِجْرِيَّةً، اُلْمَقْصِدَ اُلسَّابِعَ، وَشَرْحَهُ للسيّد الشّريف علي بن محمّد الجرجانيّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 816 هِجْرِيَّةً.

9) [فَإِذَنْ… زَمَانٌ]، هَذَا إِلْزَامٌ بِحَسَبِ اُلْقِسْمَةِ اُلْجَدَلِيَّةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ بِحَسَبِ قَوْلِ اُلْمُخَالِفِ، لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اُلْمُتَكَلِّمَةَ اُلْمُثْبِتَةَ لِلْحُدُوثِ اُلزَّمَانِيِّ مُنْكِرَةٌ أَيْضًا لِلزَّمَانِ، إِذَنْ فَلاَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا هَذَا الإِلْزَامُ. فَاُلزَّمَانُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِعَارِضٍ لِحَرَكَةٍ مَوْجُودَةٍ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْقَاتٍ مُتَوَهَّمَةٍ، وَمَقَادِيرٍ مُقَدَّرَةٍ فِي اُلذِّهْنِ، أَمَّا فِي اُلْخَارِجِ فَاُلْمَوْجُودُ إِمَّا مَعِيَّةٌ، أَوْ تَرَاخِي مُجَرَّدٌ، قَدْ نَتَوَهَّمُ لَهُ بِاُلذِّهْنِ أَوْقَاتًا. وَهَذَا مَا سَيَكُونُ أَيْضًا مَفْهُومًا مِنِ اِعْتِرَاضِ اُلْغَزَالِيِّ. لِذَلِكَ تَجِدُهُمْ فِي كَلاَمِهِمْ عَنِ اُلْحُدُوثِ وَاُلْقِدَمِ، وَتَقَدُّمِ اُلثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ، أَكْثَرَ اِسْتِعْمَالِهِمْ إِنَّمَا لِلَفْظَةِ “وَقْتٌ، وَأَوْقَاتٌ”، وَلاَ يَتَّخِذُونَ إِلاَّ قَلِيلاً لَفْظَةَ “اُلزَّمَانُ” اُلْفَاشِيَةَ فِي عِبَارَةِ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَالَّتِي يَلْزَمُهَا عِنْدَهُمْ ضَرُورَةُ اُلْقَوْلِ بِقِدَمِ اُلْعَالَمِ لِقِدَمِ اُلزَّمَان.

10) [كَانَ اُلْعَالَمُ… عَلَى اُلْوُجُودِ]، كُلُّ مَا سِوَى الله فَهُوَ اُلْعَالَمُ، وَاُلزَّمَانُ سِوَى الله، فَهُوَ مِنَ اُلْعَالَمِ. وَاُلْعَالَمُ حَادِثٌ، فَاُلزَّمَانُ حَادِثٌ. وَاُلْحُدُوثُ عَلَى قَوْلِ اُلْمُخَالِفِ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ وُجُودٌ أَوَّلٌ، أَيْ هُوَ لَهُ وَقْتُ وُجُودٍ، كُلُّ وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَهُ، وَكُلُّ وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَ ذَلِكَ اُلْقَبْلِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ كَانَ فِيهِ مَعْدُومًا. إِذَنْ فَاُلْعَدَمُ اُلسَّابِقُ عَلَى وُجُودِ اُلْحَادِثِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمٌ أَزَلِيٌّ لاَ أَوَّلَ لَه.

11) [وَكَانَ اللهُ سَابِقًا… مِنْ جِهَةِ الأَوَّلِ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْعَدَمَ اُلسَّابِقَ عَلَى اُلْعَالَمِ اُلْحَادِثِ لاَ أَوَّلَ لَهُ فِي اُلزَّمَانِ، أَيْ لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَسْبُوقًا بِوُجُودٍ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ “لاَ طَرَفَ لَهَا مِنْ جِهَةِ اُلأَوَّلِ”، فَمُدَّةُ اُلْعَدَمِ لَيْسَ لَهَا أَوَّلٌ فِي اُلزَّمَانِ. وَ”لَهَا طَرَفٌ مِنْ جِهَةِ الآخِرِ”، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَهَا حَدٌّ مِنْ جِهَةِ اُلنِّهَايَةِ بِحُدُوثِ اُلْعَالَمِ، وَدُخُولِهِ فِي اُلْوُجُودِ، إِذِ اُلْوُجُودُ إِنَّمَا هُوَ إِبْطَالٌ لِلْعَدَم.

12) [فَإِذَنْ قَبْلَ… وَهْوَ مُتَنَاقِضٌ]، وَهَذَا هُوَ إِلْزَامُ اُلْفَيْلَسُوفِ لِلْمُخَالِفِ. وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ مِنَ اُلْعَالَمِ، وَ إِثْبَاتُكُمْ لِلْعَالَمِ أَنَّهُ حَادِثٌ، فَاُلزَّمَانُ حَادِثٌ. لَكِنَّ اُلْحَادِثَ عِنْدَكُمْ هُوَ مَا تَقَدَّمَ اُلْقَدِيمُ عَلَى وُجُودِهِ زَمَانًا لاَنِهَايَةَ لَهُ فِي الأَوَّلِ. فَلَزِمَ ضَرُورَةً أَنَّ اُلزَّمَانَ مَعًا هُوَ قَدِيمٌ وَلَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَهُوَ حَادِثٌ وَلَيْسَ بِحَادِثٍ. وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ اُلنَّقِيضَيْنِ كَمَا تَرَى.

13) [وَلِأَجْلِهِ يَسْتَحِيلُ اُلْقَوْلُ بِحُدُوثِ اُلزَّمَانِ]، يُرِيدُ أَنَّهُ لِأَجْلِ أَنَّ اُلْقَوْلَ بِحُدُوثِ اُلزَّمَانِ يَلْزَمُهُ مُحَالُ اُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلنَّقِيضَيْنِ، وَهْوَ أَنَّهُ حَادِثٌ وَلَيْسَ بِحَادِثٍ، وَمَا لَزِمَ مِنَ اُلْمُحَالِ مُحَالٌ، كَانَ اُلْقَوْلُ بِحُدُوثِ اُلزَّمَانِ مُحَالاً.

وَنَقِيضُ اُلْمُحَالِ وَاجِبٌ. إِذَنْ فَاُلزَّمَانُ قَدِيمٌ. وَاُلزَّمَانُ مِنَ اُلْعَالَمِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ قَدِيمٌ. وَاُعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اُلْحُجَّةَ فِي قِدَمِ اُلزَّمَانِ قَدِ اسْتَعْمَلَهَا أَرُسْطُو فِي كِتَابِ السَّمَّاعِ اُلطَّبِيعِيِّ، وَاُسْتَعْمَلَهَا أَيْضًا اِبْنُ سِينَا فِي سَمَّاعِ اُلشِّفَاءِ. وَتَحْرِيرُهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ اُلزَّمَانُ حَادِثًا، وَاُلْحَادِثُ مَا كَانَ لَهُ قَبْلُ قَدْ كَانَ فِيهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَبَعْدُ صَارَ فِيهِ مَوْجُودًا، إِذَنْ فَاُلْقَبْلُ وَاُلْبَعْدُ اللَّذَانِ ُيعْرَفُ بِهِمَا تَجَدُّدُ اُلزَّمَانِ اُلْحَادِثِ مِنْ حَالِ اُلْعَدَمِ اُلسَّابِقِ إِلَى حَالِ اُلْوُجُودِ اُللاَّحِقِ هُمَا مُتَقَدِّمَانَ لاَ مَحَالَةَ عَنِ اُلْمُتَقَدِّمِ وَاُلْمُتَأَخِّرِ اُلذَّاتِيَيْنِ الَّذَيْنِ هُمَا لِنَفْسِ اُلزَّمَانِ اُلْحَادِثِ. فَبَانَ إِذَنْ أَنَّ قَبْلَ كُلِّ زَمَانٍ زَمَانٌ إِلَى غَيْرِ أَوَّلٍ. فَاُلزَّمَانُ قَدِيمٌ قَطْعًا. اُنْظُرْ أَرُسْطُو “اُلسَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ”، اُلْمَقَالَةَ اُلثَّامِنَةَ، 251ب، 10. وَابْنَ سِينَا، “اُلشِّفَاءُ، اُلسَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ”، اُلْمَقَالَةَ اُلثَّالِثَةَ، اُلْفَصْلَ اُلْحَادِي عَشَرَ.

14) [وَإِذَا وَجَبَ… بِدَوَامِ حَرَكَتِهِ]، إِنَّ لُزُومَ قِدَمِ اُلْحَرَكَةِ مِنْ قِدَمِ اُلزَّمَانِ، وَمِنْ قِدَمِ اُلْحَرَكَةِ قِدَمِ اُلْمُتَحَرِّكِ، لِأَنَّ اُلْحَرَكَةَ عَرَضٌ لاَ يَقُومُ بِذَاتِهِ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ اُلزَّمَانَ وَجَعَلَهُ مِقْدَارَ اُلْحَرَكَةِ. لَكِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا بِأَنَّ اُلْمُتَكَلِّمِينَ هُمْ عَلَى غَيْرِ هَذَا اُلرَّأْيِ، لِذَلِكَ فَقَدْ لاَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الإِلْزَامُ، وَاِعْتِرَاضُ اُلْغَزَالِي مَبْنَاهُ عَلَى هَذَا اُلْمَعْنَى.

-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “الاِعْتِرَاضُ1 هُوَ أَنْ يُقَالَ اُلزَّمَانُ حَادِثٌ وَمَخْلُوقٌ وَلَيْسَ قَبْلَهُ زَمَانٌ أَصْلاً2، وَمَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّ اللهَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ وَاُلزَّمَانِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَانَ وَلاَ عَالَمَ، ثُمَّ كَانَ وَمَعَهُ عَالَمٌ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا كَانَ وَلاَ عَالَمَ وُجُودُ ذَاتِ اُلْبَارِئِ وَعَدَمُ ذَاتِ اُلْعَالَمِ فَقَطْ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا كَانَ وَمَعَهُ عَالَمٌ وُجُودُ اُلذَّاتَيْنِ فَقَطْ، فَنَعْنِي بِاُلتَقَدُّمِ اِنْفِرَادُهُ بِاُلْوُجُودِ فَقَطْ، وَاُلْعَالَمُ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ3، وَلَوْ قُلْنَا كَانَ اُللهُ وَلاَ عِيسَى مَثَلاً، ثُمَّ كَانَ وَعِيسَى مَعَهُ، لَمْ يَتَضَمَّنِ اُللَّفْظُ إِلاَّ وُجُودَ ذَاتٍ وَعَدَمَ ذَاتٍ، ثُمَّ وُجُودَ ذَاتَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ شَيْءٍ ثَالِثٍ، وَإِنْ كَانَ اُلْوَهْمُ لاَ يَسْكُتُ عَنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ ثَالِثٍ وَهْوَ اُلزَّمَانُ، فَلاَ اِلْتِفَاتِ إِلَى أَغَالِيطِ اُلأَوْهَامِ4.

شَرْحٌ -II-

1) [الاِعْتِرَاضُ]، لَقَدْ بَانَ فِيمَا سَلَفَ أَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ قَدْ حَصَرَتْ أَصْحَابَ اُلْحُدُوثِ فِي خَصْلَتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا بِاُلْمَعِيَّةِ بَيْنَ اُلْقَدِيمِ وَاُلْحَادِثِ، فَيَلْزَمُ مُحَالُ اُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلنَّقِيضَيْنِ، أَعْنِي كَوْنَ اُلشَّيْءِ قَدِيمًا وَلَيْسَ بِقَدِيمٍ مَعًا، أَوْ حَادِثًا وَلَيْسَ بِحَادِثٍ. وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمُوا بِتَأَخُّرِ اُلْعَالَمِ عَنِ اُلْبَارِئِ تَعَالَى بِاُلزَّمَانِ، فَيَلْزَمُ قِدَمُ اُلزَّمَانِ، وَبِقِدَمِهِ إِنَّمَا يَلْزَمُ قِدَمُ اُلْحَرَكَةِ، وَقِدَمُ اُلْمُتَحَرِّكِ. أَمَّا اُلْخَصْلَةُ الأُولَى فَهْيَ مَلْغِيَّةٌ أَصْلاً وَغَيْرُ مَطْلُوبٍ تَصْحِيحُهَا، لِأَنَّ اُلذَّهَابَ إِلَيْهَا هُوَ مُسَاوٍ لِنَفْسِ اُلتَّصْرِيحِ بِاُلْمُحَالِ، وَلَيْسَ اُلْمُحَالُ فِيهَا هُوَ وَاجِبًا فَقَطْ عَلَى جِهَةِ اُللُّزُومِ. إِذَنْ فَقَدْ بَقِيتِ اُلْخَصْلَةُ اُلثَّانِيَةُ، وَالاِعْتِرَاضُ إِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حِينَمَا نُصَحِّحُ مِنْهَا مَا قَدْ يَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ.

2) [هُوَ أَنْ يُقَالَ اُلزَّمَانُ حَادِثٌ… زَمَانٌ أَصْلاً]، فَالاِعْتِرَاضُ هُوَ أَنَّا نُسَلِّمُ اُلْخَصْلَةَ اُلثَّانِيَةَ وَلاَ نُسَلِّمُ مَا أَوْجَبْتُمُوهُ مِنْ لاَزِمٍ مُحَالٍ. إِذْ نَحْنُ قَدْ نُوَافِقُكُمْ عَلَى سَبِيلِ اُلْجَدَلِ بِأَنَّ اُلزَّمَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ غَيْرُ وَهْمِيَّةٍ، وَأَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ عَدَدُ حَرَكَةِ اُلْفَلَكِ الأَقْصَى. فَإِذَنْ فَاُلزَّمَانُ بِهَذَا اُلْمَعْنَى إِذْ هُوَ دَاخِلٌ فِي اُلْعَالَمِ، وَاُلْعَالَمُ عِنْدَنَا مَخْلُوقٌ حَادِثٌ، فَوَاضِحٌ جِدًّا أَنَّهُ أَيْضًا هُوَ مَخْلُوقٌ وَحَادِثٌ. لَكِنْ نَحْنُ حِينَمَا قُلْنَا بِتَرَاخِي اُلْعَالَمِ عَنِ اُلْقَدِيمِ، فَأَلْزَمْتُمْ أَنْتُمْ بِأَنَّهُ قَبْلَ زَمَانِ اُلْعَالَمِ زَمَانٌ آخَرُ، إِذَنْ فَاُلزَّمَانُ قَدِيمٌ، وَاُلْحَرَكَةُ قَدِيمَةٌ، فَأَنْتُمْ إِنَّمَا قَدْ أَخَذْتُمُ اُلزَّمَانَ الَّذِي قَبْلَ زَمَانِ اُلْعَالَمِ عَلَى اُلْمَعْنَى بِعَيْنِهِ الَّذِي هُوَ لِزَمَانِ اُلْعَالَمِ، فَلَزِمَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اُلزَّمَانُ قَدِيمًا وَاُلْعَالَمُ قَدِيمًا أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ وَضَعْنَاهُ حَادِثًا مَخْلُوقًا. أَمَّا نَحْنُ فَلاَ نُسَلِّمُ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْحَادِثَ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ اُلْقَدِيمِ بِزَمَانٍ أَصْلاً، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلزَّمَانَ الَّذِي بِهِ يَتَأَخَّرُ اُلْحَادِثُ عَنِ اُلْقَدِيمِ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ اُلزَّمَانَ الَّذِي تُثْبِتُونَهُ أَنْتُمْ أَيُّهَا اُلْفَلاَسِفَةُ وَتَجْعَلُونَ لَهُ وُجُودًا حَقِيقِيًّا.

3) [وَمَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّ اللهَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى… كَشَخْصٍ وَاحِدٍ]، يُرِيدُ اُلْغَزَالِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ اُلْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا إِنَّ اللهَ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ، وَاُلْعَالَمَ هُوَ مُتَأَخِّرٌ، لاَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ قَبْلٍ حَقِيقِيٍّ يَكُونُ بِوَاسِطَتِهِ اُلْمُتَقَدِّمُ مُتَقَدِّمًا، وَبَعْدٍ حَقِيقِيٍّ يَتَأَخَّرُ بِهِ اُلْمُتَأَخِّرُ، أَيْ هُوَ لاَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ زَمَانٍ حَقِيقِيٍّ لاَ أَوَّلَ لَهُ كَمَا أَلْزَمَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ. فَإِنْ نَحْنُ أَخَذْنَا اُلْقَضِيَّةَ الَّتِي نُثْبِتُهَا “إِنَّ الله مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْعَالَمِ وَاُلزَّمَانِ”، وَحَصَرْنَا مَعْنَاهَا الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَنَفَيْنَا مِنْهُ مَا قَدْ يَصْحَبُ مَفْهُومَهَا مِنْ وَهْمٍ، فَلَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إِلاَّ مَعْنَى كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ، أَعْنِي وُجُودَ ذَاتِ اُلْبَارِئِ وَعَدَمَ اُلْعَالَمِ فَقَطْ، أَمَّا تِلْكَ اُلْوَاسِطَةُ “قَبْلُ” الَّتِي هِيَ بَيْنَهُمَا، فَلاَ حَقِيقَةَ لَهَا، بَلْ إِنَّهَا مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ. وَأَيْضًا مَعْنَى كَانَ اللهُ وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ، أَعْنِي وُجُودَ اُلذَّاتَيْنِ فَقَطْ، وَاُلْوَاسِطَةُ “بَعْدُ” الَّتِي بَيْنَهُمَا فَهْيِ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ فَقَطْ. إِذَنْ فَاُلتَّقَدُّمُ اُلْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ اِنْفِرَادُهُ بِاُلْوُجُودِ، وَاُلتَّأَخُّرُ، اِقْتِرَانُ وُجُودِهِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، بِلاَ زَمَانٍ حَقِيقِيٍّ يُصَحِّحُ هَذَا اُلتَّقَدُّمَ وَاُلتَّأَخُّرَ.

4) [وَلَوْ قُلْنَا كَانَ اُللهُ وَلاَ عِيسَى مَثَلاً… إِلَى أَغَالِيطِ اُلأَوْهَامِ]، يُرِيدُ بَلْ لَوْ عَبَّرْنَا عَنْ كَوْنِ اُلشَّيْءِ وَلاَ شَيْءَ، ثُمَّ كَوْنِ اُلشَّيْءِ وَمَعَهُ اُلشَّيْءُ، إِذَا كَانَ اُلشَّيْءُ الأَوَّلُ لَيْسَ فِي زَمَانٍ أَصْلاً، كَاُلْبَارِئِ تَعَالَى، وَاُلشَّيْءُ اُلثَّانِي حَادِثًا فِي اُلزَّمَانِ اُلْحَقِيقِيِّ كَعِيسَى عَلَيْهِ اُلْسَّلاَمُ، لَمْ يُفْهَمْ أَيْضًا مِنَ اُللَّفْظِ إِلاَّ وُجُودُ ذَاتٍ وَعَدَمُ ذَاتٍ، ثُمَّ وُجُودُ ذَاتَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةٍ لِإِثْبَات ِ شَيْءٍ ثَالِثٍ، وَهْوَ اُلزَّمَانُ اُلْحَقِيقِيُّ اُلْمُفِيدُ لِتَقَدُّمِ ذَاتِ اُلْبَارِئِ اُلْمُقْتَرِنِ بِعَدَمِ عِيسَى عَلَى ذَاتِهِ اُلْمُقْتَرِنَةِ بِوُجُودِ عِيسَى. بَلْ ذَلِكَ اُلشَّيْءُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ ثُبُوتٍ خَارِجِيٍّ إِطْلاَقًا. فَإِنْ صَحَّ هَذَا اُلْمَعْنَى فِي مِثَالٍ قِيسَ فِيهِ اُللاَّزَمَنِيُّ إِلَى زَمَنِيٍّ حَقِيقِيٍّ، فَكَمْ بِاُلْحَرِيَّ أَنْ يَصِحَّ فِي الأَمْرِ اُلْمَطْلُوبِ، وَهْوَ قِيَاسُ اُللاَّزَمَنِيِّ إِلَى وُجُودِ اُلْعَالَمِ اُلْحَادِثِ فِي غَيْرِ اُلزَّمَانِ اُلْحَقِيقِيِّ.

-III قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “فَإِنْ قِيلَ1 لِقَوْلِنَا كَانَ اللهُ وَ لاَعَالَمَ مَفْهُومٌ ثَالِثٌ سِوَى وُجُودِ اُلذَّاتِ وَعَدَمِ اُلْعَالَمِ2، بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ اُلْعَالَمِ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ كَانَ وُجُودُ ذَاتٍ وَعَدَمُ ذَاتٍ حَاصِلاً وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ نَقُولَ كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ، بَلِ اُلصَّحِيحُ أَنْ نَقُولَ يَكُونُ اللهُ وَلاَ عَالَمَ، وَنَقُولُ لِلْمَاضِي كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ3، فَبَيْنَ قَوْلِنَا “كَانَ” وَ “يَكُونُ” فَرْقٌ، إِذْ لَيْسَ يَنُوبُ أَحَدُهُمَا مَنَابَ الآخَرِ، فَلِنَبْحَثْ عَمَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِ اُلْفَرْقُ4، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُمَا لاَ يَفْتَرِقَانِ فِي وُجُودِ اُلذَّاتِ وَلاَ فِي عَدَمِ اُلْعَالَمِ، بَلْ فِي مَعْنًى ثَالِثٍ، فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا لِعَدَمِ اُلْعَالَمِ فِي اُلْمُسْتَق ْبَلِ كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلاَ عَالَمَ، قِيلَ لَنَا هَذَا خَطَأٌ، فَإِنَّ “كَانَ” إِنَّمَا يُقَالُ عَلَى مَا مَضَى. فَدَلَّ أَنَّ تَحْتَ لَفْظِ “كَانَ” مَفْهُومًا ثَالِثًا، وَهْوَ اُلْمَاضِي5، وَاُلْمَاضِي بِذَاتِهِ هُوَ اُلزَّمَانُ، وَاُلْمَاضِي بِغَيْرِهِ هُوَ اُلْحَرَكَةُ، فَإِنَّهَا تَمْضِي بِمُضِيِّ اُلزَّمَانِ6، فَبِاُلضَّرُورَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اُلْعَالَمِ زَمَانٌ قَدْ اِنْقَضَى حَتَّى اِنْتَهَي إِلَى وُجُودِ اُلْعَالَمِ7.”

شَرْحٌ -III-

1) [فَإِنْ قِيلَ]، أَيْ وَإِنْ أَجَابَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ عَلَى مَا اعْتَرَضْنَا بِهِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ “كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ”، “ثُمَّ كَانَ وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ”، إِنَّمَا فَقَطْ اِنْفَرَادُ اُلذَّاتِ، ثُمَّ اِقْتِرَانُ اُلْغَيْرِ بِهَا، وَأَنَّ إِثْبَاتَ مَعْنًى حَقِيقِيٍّ تَحْتَ كَانَ الأُولَى، وَهْوَ اُلتَّقَدُّمُ اُلذَّاتِيُّ اُلزَّمَانِيُّ، وَمَعْنًى حَقِيقِيٍّ أَيْضًا تَحْتَ كَانَ اُلثَّانِيَةِ وَهْوَ اُلتَّأَخُّرُ اُلذَّاتِيُّ اُلزَّمَانِيُّ، إِنَّمَا هُوَ فَقَطْ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ، وَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فِي نَفْسِهِ.

2) [لِقَوْلِنَا كَانَ اللهُ… وَعَدَمِ اُلْعَالَمِ]، إِذَنْ فَقَدْ يَكُونُ جَوَابُ اُلْفَلاَسِفَةِ عَلَى مَا قِيلَ هَكَذَا : إِنَّا لاَ نُوَافِقُكُمْ عَلَى اِدِّعَائِكُمْ بِأَنَّ اُلْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ “كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ” إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ اِقْتِرَانِ ذَاتٍ بِعَدَمِ اُلْعَالَمِ، وَأَنَّ اُلْمَعْنَى اُلثَّالِثَ سِوَاهُمَا، وَهْوَ اُلتَّقَدُّمُ اُلذَّاتِيُّ اُلزَّمَانِيُّ لِهَذَا الاِقْتِرَانِ هُوَ زَائِدٌ، وَمِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ. وَالَّذِي أَتَى بِهَذَا اُلْجَوَابِ إِنَّمَا هُوَ اُبْنُ سِينَا فِي إِلاَهِيَّاتِ اُلشِّفَاءِ اُلْجُزْءِ اُلثَّانِي، صَفْحَتَيْ 379، 380.

3) [بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا… كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ]، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا “كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ” إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ اِقْتِرَانِ ذَاتٍ بِعَدَمٍ، فَإِنَّ هَذَا الاِقْتِرَانَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْرِضَهُ أَيْضًا فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ، وَيَكُونُ حَاصِلاً فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ مَعَ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ “كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ”، بَلْ “يَكُونُ الله وَلاَ عَالَمَ.” فَفِي اُلْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا تَكُونُ اُلْعِبَارَةُ عَنْ هَذَا الاِقْتِرَانِ بِمُجَرَّدِهِ صَحِيحَةً إِذَا دُلَّ عَلَيْهِ بِـ”يَكُونُ”، وَفِي اُلْمَاضِي إِذَا دُلَّ عَلَيْهِ بـ”كَانَ”.

4) [فَبَيْنَ قَوْلِنَا “كَانَ”… يَرْجِعُ إِلَيْهِ اُلْفَرْقُ]، يُرِيدُ لَمَّا كَانَ الاِقْتِرَانُ اُلْمَذْكُورُ إِذَا دُلَّ عَلَيْهِ بـ”كَانَ”، لَمْ يَجِبْ أَنْ يُدَلَّ عَلَيْهِ بِـ”يَكُونُ”، وَاُلْعَكْسُ كَذَلِكَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ حَقِيقِيٌّ مُخْالِفٌ لِلآخَرِ، وَأَنَّ اُلْمَوْضِعَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِيهَ “كَانَ” لاَ تُغْنِي فِيهِ “يَكُونُ”، وَلاَ “كَانَ” تُغْنِي عَنْ “يَكُونُ.” إِذَنْ فَهُنَاكَ شَيْءٌ لا مَحَالَةَ غَيْرُ الاِخْتِلاَفِ اُللَّفْظِيِّ بَيْنَ كَانَ وَيَكُونُ هُوَ الَّذِي إِنَّمَا إِلَيْهِ يَرْجِعُ هَذَا اُلْفَرْقُ.

5) [وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُمَا لاَ يَفْتَرِقَانِ… وَهْوَ اُلْمَاضِي]، وَهَذَا اُلشَّيْءُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وُجُودَ اُلذَّاتِ، وَلاَ عَدَمَ اُلْعَالَمِ، لِأَنَّهُمَا لاَ يَخْتَلِفَانِ، لِأَنَّا تَارَةً نَقُولُ “كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ”، وَتَارَةً “يَكُونُ الله وَلاَ عَالَمَ”، فَاُلذَّاتَانِ هُمَا هُمَا. وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا “فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ”، قِيلَ خَطَأٌ. إِذًا فَلاَ بُدَّ مِنْ مَعْنًى ثَالِثٍ إِذَا مَا دُلَّ عَلَيْهِ بِـ”كَانَ” “كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ”، كَانَتْ دَلاَلَتُهَا صِدْقًا، وَهْوَ مَعْنَى مَا مَضَى، أَوِ اُلْمَاضِي.

6) [وَاُلْمَاضِي بِذَاتِهِ… فَإِنَّهَا تَمْضِي بِمُضِيِّ اُلزَّمَانِ]، إِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الأَجْزَاءَ اُلذَّاتِيَّةَ الَّتِي يَتَقَوَّمُ مِنْهَا اُلزَّمَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ زَمَانٌ إِنَّمَا هِيَ ُالْمَاضِي وَاُلْمُسْتَقْبَلُ، وَحَدٌّ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكٌ هُوَ نِهَايَةُ اُلْمَاضِي وَمَبْدَأُ اُلْمُسْتَقْبَلِ يُسَمَّى “الآنَ”. وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ هَذِهِ هِيَ زَمَانٌ بِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ وَصْفٍ زَمَانِيٍّ فَهْوَ لَهُ لِذَاتِهِ، وَمَعْرُوفٌ بِنَفْسِهِ لاَ بِغَيْرِهِ، بَلْ إِنَّ غَيْرَهُ إِنَّمَا يُعْرَفُ فِي ذَاكَ اُلْمَعْنَى اُلزَّمَانِيِّ بِوَاسِطَتِهُ هُوَ.

فُاُلْمَاضِي الَّذِي هُوَ جُزْءُ اُلزَّمَانِ هُوَ مَاضِي بِذَاتِهِ، وَليْسَ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ اُلْمَعْنَى بِوَاسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ. أَمَّا اُلْحَرَكَةُ فَهْيَ لاَ تُعْلَمُ إِلاَّ عَلَى أَنَّهَا اِنْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ مُتَقَدِّمٍ إِلَى حَالٍ مُتَأَخِّرٍ، وَمَعْنَى اُلْمُتَقَدِّمِ فِي اُلْحَرَكَةِ الَّذِي بِهِ هُوَ قِوَامُ اُلْحَرَكَةِ، إِنَّمَا يُعْلَمُ بِوَاسِطَةِ مَعْنَى اُلْمُتَقَدِّمِ اُلزَّمَانِيِّ بِاُلذَّاتِ، أَعْنِي أَنَّ اُلْمُتَقَدِّمَ فِي اُلْحَرَكَةِ هُوَ مَا وَافَقَ حُدُوثُهُ اُلْمُتَقَدِّمَ اُلزَّمَانِيَّ اُلذَّاتِيَّ.

6) [فَبِاُلضَّرُورَةِ يَلْزَمُ… إِلَى وُجُودِ اُلْعَالَمِ]، فَلَمَّا كَانَ قَوْلُكُمْ أَيَّتُهَا اُلْمُتَكَلِّمَةُ “كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ، ثُمَّ كَانَ وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ” إِنَّمَا يَقْتَضِي مَعْنًى ثَالِثًا ضَرُورَةً، وَهْوَ اُلزَّمَانُ، إِذَنْ فَإِنَّ جَزْمَكُمْ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مُتَرَاخِي اُلْوُجُودِ عَن ِ اُلْبَارِئِ تَعَالَى إِنَّمَا يُوجِبُ لاَ مَحَالَةَ أَنْ يَكُونَ زَمَانٌ مَوْجُودٌ قَدِ اِنْقَضَى حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى وُجُودِ اُلْعَالَمِ، وَاُلزَّمَانُ مِنَ اُلْعَالَمِ، وَلاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَقُولُوا بِحُدُوثِهِ، أَعْنِي اُلزَّمَانَ، لِأَنَّا نَقُولُ فِيهِ حِينَئِذٍ بِمِثْلِ مَا قَدْ قُلْنَا آنِفًا. فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْعَالَمَ قَدِيمٌ.

-IV قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “قُلْنَا اُلْمَفْهُومُ الأَصْلِيُّ مِنَ اُللَّفْظَيْنِ وُجُودُ ذَاتٍ وَعَدَمُ ذَاتٍ، وَالأَمْرُ اُلثَّالِثُ الَّذِي بِهِ اِفْتِرَاقُ اللَّفْظَيْنِ نِسْبَةٌ لاَزِمَةٌ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا1، بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ اُلْعَالَمِ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ قَدَّرْنَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وُجُودًا ثَانِيًا لَكُنَّا عِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ : كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ، وَيَصِحُّ قَوْلُنَا سَوَاءٌ أَرَدْنَا بِهِ اُلْعَدَمَ الأَوَّلَ أَوِ اُلْعَدَمَ اُلثَّانِي الَّذِي هُوَ بَعْدَ اُلْوُجُودِ، وَآيَةُ أَنَّ هَذِهِ نِسْبَةٌ أَنَّ اُلْمُسْتَقْبَلَ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مَاضِيًا فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ اُلْمَاضِي2، وَهَذَا كُلُّهُ لَعِجْزِ اُلْوَهْمِ عَنْ فَهْمِ وُجُودٍ مُبْتَدَأٍ إِلاَّ مَعَ تَقْدِيرِ “قَبْلُ” لَهُ، وَذَلِكَ “اُلْقَبْلُ” الَّذِي لاَ يَنْفَكُّ اُلْوَهْمُ عَنْهُ نَظُنُّ أَنَّهُ شَيْءٌ مُحَقَّقٌ مَوْجُودٌ هُوَ اُلزَّمَانُ3، وَهْوَ كَعَجْزِ اُلْوَهْمِ عَنْ أَنْ يُقَدِّرَ تَنَاهِي اُلأَجْسَامِ فِيمَا يَلِي الرَّأْسِ إِلاَّ عَلَى سَطْحٍ لَهُ فَوْقُ4، فَيَتَوَهَّمُ أَنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ مَكَانًا إِمَّا مَلاَءٌ وَإِمَّا خَلاَءٌ5، وَإِذَا قِيلَ لَيْسَ فَوْقَ سَطْحِ اُلْعَالَمِ فَوْقُ وَلاَ بُعْدٌ أَبْعَدُ مِنْهُ كَاعَ اُلْوَهْمُ عَنِ الإِذْعَانِ لِقَبُولِهِ6، كَمَا إِذَا قِيلَ لَيْسَ قَبْلَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ “قَبْلُ” هُوَ مَوْجُودٌ مُحَقَّقٌ، نَفَرَ اُلْوَهْمُ أَيْضًا عَنْ قَبُولِهِ7، وَكَمَا جَازَ أَنْ يُكَذَّبَ اُلْوَهْمُ فِي تَقْدِيرِهِ فَوْقَ اُلْعَالَمِ خَلاَءٌ هُوَ بُعْدٌ لاَ نِهَايَةَ لَهُ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ اُلْخَلاَءُ لَيْسَ مَفْهُومًا فِي نَفْسِهِ، أَمَّا اُلْبُعْدُ فَهْوَ تَابِعٌ لِلْجِسْمِ الَّذِي تَتَبَاعَدُ أَقْطَارُهُ، فَإِذَا كَانَ اُلْجِسْمُ مُتَنَاهِيًا كَانَ اُلْبُعْدُ الَّذِي هُوَتَابِعٌ لَهُ مُتَنَاهِيًا، فَاُنْقَطَعَ أَنَّ اُلْخَلاَءَ وَاُلْمَلاَءَ غَيْرُ مَفْهُومٍ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لاَ خَلاَءٌ وَلاَ مَلاَءٌ، وَإِنْ كَانَ اُلْوَهْمُ لاَ يُذْعِنُ لِقَبُولِهِ8، وَكَذَلِكَ يُقَالُ كَمَا أَنَّ اُلْبُعْدَ اُلْمَكَانِيَّ تَابِعٌ لِلْجِسْمِ، فَاُلْبُعْدُ اُلزَّمَانِيُّ تَابِعٌ لِلْحَرَكَةِ، فَإِنَّهُ اِمْتِدَادُ اُلْحَرَكَةِ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ اِمْتِدَادُ لِأَقْطَارِ اُلْجِسْمِ، وَكَمَا أَنَّ قِيامَ اُلدَّلِيلِ عَلَى تَنَاهِي أَقْطَارِ اُلْجِسْمِ مَنَعَ مِنْ إِثْبَاتِ بُعْدٍ مَكَانِيٍّ وَرَاءَهُ، فَقِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى تَنَاهِي اُلْحَرَكَةِ مِنْ طَرَفَيْهِ يَمْنَعُ مِنْ تَقْدِيرِ بُعْدٍ زَمَانِيٍّ وَرَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ اُلْوَهْمُ مُتَشَبِّثًا بِخَيَالِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَلاَ يَرْعَوِي عَنْهُ9، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْبُعْدِ اُلزَّمَانِيِّ الَّذِي تَنْقَسِمُ اُلْعِبَارَةُ عَنْهُ عِنْدَ الإِضَافَةِ إِلَى “قَبْلُ” و “بَعْدُ”، وَبَيْنَ اُلْبُعْدِ اُلْمَكَانِيِّ الَّذِي تَنْقَسِمُ اُلْعِبَارَةُ عَنْهُ عِنْدَ الإِضَافَةِ إِلَى “فَوْقَ” و”تَحْتَ”. فَإِنْ جَازَ إِثْبَاتُ “فَوْقُ” لاَ فَوْقَ فَوْقَهُ، جَازَ إِثْبَاتُ “قَبْلُ” لَيْسَ قَبْلَهُ “قَبْلُ” مُحَقَّقٌ إلاَّ خَيَالِيًّا وَهْمِيًّا كَمَا فِي اُلْفَوْقِ، وَهَذَا لاَزِمٌ فَلِيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لاَ خَلاَءُ وَلاَ مَلاَءٌ10.”

شَرْحٌ -IV-

1) [قُلْنَا اُلْمَفْهُومُ… نِسْبَةٌ لاَ زِمَةٌ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا]، وَجَوَابُ اُلْغَزَالِيِّ عَلَى هَذَا اُلْجَوَابِ هُوَ أَنَّ قَوْلَنَا “كَانَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى وَلاَ عَالَمَ”، ” ثُمَّ كَانَ اُلْبَارِئُ وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ”، إِنَّمَا يَقْتَضِي لِيَكُونَ مُفْهُومًا صَادِقًا فَقَطْ وُجُودَ ذَاتٍ وَ عَدَمَ ذَاتٍ أُخْرَى، وَوَجُودَ ذَاتَيْنِ مَعًا. أَمَّا مَا بِهِ اِخْتَلَفَ اُلْمَعْنَى اُلثَّانِي عَنِ اُلْمَعْنَى الأَوَّلِ، وَهْوَ اُلدَّالُ عَلَى تَأَخُّرِ اُلْوُجُودِ اُلثَّانِي عَنِ اُلْوُجُودِ الأَوَّلِ بِاُلزَّمَانِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُجُودٍ بِذَاتِهِ وَثُبُوتٍ خَارِجَ اُلنَّفْسِ، بَلْ إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ اُلنَّفْسِ، وَنِسْبَةٌ فَقَطْ لِتِلْكَ اُلْمَوْجُودَاتِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا. أَعْنِي أَنَّ مَعْنَى اُلْمَاضِي وَمَعْنَى اُلْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ وَاجِبَةٍ فِي نَفْسِهَا خَارِجَةً عَنَّا، بَلْ هِيَ اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ، مَوْجُودَةٌ بِاُلذِّهْنِ فَقَطْ.

2) [بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا… فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ اُلْمَاضِي]، وَاُلدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اُلْمَعَانِيَ اُلزَّمَانِيَّةَ اِعْتِبَارِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِثُبُوتِيَّةٍ أَنَّ اُلشَّيْءَ اُلْوَاحِدَ اُلْمَوْجُودَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَاوَرَهُ أَحْكَامٌ مُتَنَاقِضَةٌ مَعًا. فَمَثَلاً لاَ يُمْكِنُ لِسَطْحٍ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ مَعًا أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ، لِأَنَّ اُلسَّطْحَ هُوَ مَوْجُودٌ، وَالأَسْوَدُ إِنَّمَا يَحُلُّ بِاُلسَّطْحِ يَبْقَى ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يُفْرَضْ أَنَّ هُنَاكَ ذِهْنًا بَتَاتًا. أَمَّا طُولُ زَيْدٍ وَقِصَرُهُ، فَلَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ ثَابِتَةٍ فِي اُلْخَارِجِ، بَلْ هِيَ اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ مِنْ قِيَاسِ زَيْدٍ إِلَى شَخْصٍ أَقْصَرَ مِنْهُ، فَيَنْشَأُ بِاُلذِّهْنِ حِينَئِذٍ مَعْنَى اُلطُّولِ، ثُمَّ قِيَاسُهُ إِلَى شَخْصٍ أَطْوَلَ مِنْهُ فَيَنْشَأُ بِاُلذِّهْنِ حِينَئِذٍ مَعْنَى اُلْقِصَرِ. لِأَجْلِ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوصَفَ اُلشَّيْءُ اُلْوَاحِدُ بِأَوْصَافٍ اِعْتِبَارِيَّةٍ مُتَنَاقِضَةٍ مَعًا، فَيُقَالُ مَثَلاً زَيْدٌ هُوَ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ مَعًا. وَبِاُلْعَكْسِ فَإِنَّ الأَوْصَافَ اُلْمُتَنَاقِضَةَ إِنْ جَازَ اِجْتِمَاعُهَا مَعًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أَيْضًا اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ، وَلَيْسَ لَهَا مِنْ وُجُودِ فِي اُلْخَارِجِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَذْهَانِنَا أَصْلاً. كَذَلِكَ الأَحْكَامُ اُلزَّمَانِيَّةُ كَاُلْمَاضِي وَاُلْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا لَمَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ اُلْحُكْمُ اُلْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ تَارَةً بِحُكْمِهِ، وَتَارَةً بِحُكْمِ مُقَابِلِهِ، فَمَا ذَاكَ إِذَنْ إِلاَّ لِمَكَانِ أَنَّ أَصْلَهَا اُلذِّهْنُ وَلَيْسَ اُلْخَارِجَ.  

(يتبع)