عبدالعزيز صلاح الظاهري
ماتت تلك المرأةُ العظيمة فجأة، لم تَكن تُعاني من أي مرض، هكذا غادرت وتركت لابنها الوحيد؛ الذي كان يعيش أجمل لحظاتِ حياتهِ مع المرأة التي أحبها منذُ طفولته، أبًا مدللًا ضحت براحتها من أجل إسعاده، سعت لتغيير سلوكها ومظهرها لتنال إعجابه، تتغاضى عن هفواتهِ، تضحكُ على نكاته، تكلمهُ بدفءٍ وحنان، وتنظرُ بحبٍّ إلى عينيه، وكأنهُ يحملُ أجمل عينين رأتهما.
كم كانتْ الصدمةُ عنيفةً على زوجها، رُبط لسانُه، وأصبح الحزنُ والاكتئابُ رداءه، هاجمتهُ الأمراض من كلِّ صوبٍ، هدّت بدنهُ وأصابتْ روحهُ في العمق.
أخرجهُ ابنهُ يقودهُ كالطفلِ من منزلهِ إلى شقتهِ لرعايتهِ ولإبعاده عن المكان الذي كان موطئ قدم محبوبتهِ، ليبعدهُ عن التفكرِ والتذكرِ.
بقيَ الأبُ زمنًا على هذه الحال، ينظرُ لمن حوله بذهولٍ، يتناول ما يقدمُ له، لا ينطق بكلمة، لا يسأل، ولا يردُّ جوابًا.
حاول الابنُ وزوجتُهُ إخراجهُ من صمته، عسى أن يكونَ بمقدورهِ جمعُ أجزاءٍ من روحهِ التي مزقها الفراق.
بعد مرورِ ستةِ أشهر على الفاجعة، أفاقَ الأبُ من عزلتهِ، لكنْ بوجهٍ آخر، فقد تحول إلى طفلٍ مزعجٍ يلازمهما كظلهما، يسألُ عن كلِّ شاردةٍ وواردة، لا يعجبهُ طعامهما، ويجرحهما بالكلام، وأحيانًا وهذا مكمنُ الخطر يغضبُ ويصرخُ من دونِ سببٍ، يحطمُ ويضربُ كلَّ شيءٍ أمامه، فزادَ الحملُ على الابنِ وزوجتهِ، وأصبحَ الوضعُ لا يطاق، ونتيجةً لذلك فقد الزوجانِ ما تبقى لهما من خصوصية، فأطلت الخلافات برؤوسها على أتفهِ الأسباب، تعاظمت، فارتفعت الأيادي، وأُشهرت الألسن، فانقلبت حياةُ العاشقين رأسًا على عقب، وتحولتْ إلى جحيم.
لم تتحمل الزوجة الوضع، فقررت الرحيل إلى منزل والدها، حاولَ الزوجُ منعها بلطفٍ، وعندما عَجِز حاول بعيونٍ مليئةٍ بالعتاب استعطافها قائلًا: إنني وحيدُ أبي، هل تريدينَ مني أن أرميه في الشارع؟!
التفتت إليه وقالت: أنا أُدرك مدى معاناتك، لكن لا بد لي من المغادرة، إنني أكاد أُجن، يمكنكَ تصويري في أي صورةٍ تشاء، لكن لا تشكَّ ولو لثانية أنني أكرهك، لقد حاولتُ أن أكون معك في نفسِ القارب، لكن قاربك كثيرُ الاضطراب وسيغرقُ لا محالة، وستنتهي قصةُ حبنا بشكلٍ كارثي، أتمنى أن تتفهم ذلك، سأغادرُ لأترك لكلينا شيئًا من ماضينا الجميل، وأجهشت بالبكاء.
حاول أن يجد كلمةً، جملةً تسعفهُ، وتبعدُ عنهما الفراقَ، لكنهُ لم يستطع، فاكتفى بالجلوسِ على السرير ينظر ويراقبها وهي ترتب حقائبها إلى أن غادرت الغرفة بدون كلمة وداع.
بعدَ مغادرةِ الزوجة، اضطر الابن لأخذِ جميعِ ما لديه من رصيد إجازات ليتفرغ لخدمةِ والده المريض، فأصبح سجينًا في بيت الحزن، وحيدًا، لا يجد أحدًا يبثُّ عليه تعاسته.
ليالٍ عصيبة مرت على الابن، ففي كلِّ ليلةٍ يجاهدُ، يستجدي النوم، ترافق محاولاته دموعٌ سخية تنسكب، لا يعرف لها سببًا، تملأُ مقلتيه وتفيض منحدرةً على فراشه، كانت تراوده خلال تلك الليالي أفكارٌ غريبة، رغبةٌ في الانتقام من شيءٍ ما، رغبةٌ في الانتحار.
وفي إحدى تلك الليالي، قام من فراشهِ وأسند ظهرهُ على الجدار، وأخذ ينظرُ إلى أبيه النائم بجواره، وبعد جِلسةِ تأمل طويلة قفزتْ في ذهنهِ صورة، فشعرَ بانقباضٍ وعدم ارتياح، نشفَ ريقه، وجفَّ حلقه، وتسارعت نبضاتُ قلبه وضاقَ صدرهُ، فقام مسرعًا من مكانه إلى كرسيٍّ في أحدِ أركانِ الغرفة.
ورغم ذلك تبعتهُ الأفكار، فأخذ يُقلّبُ الأمور، فتسربت فجأةً بين شفتيهِ المغلقتين ابتسامةٌ، وانحدرتْ كلماتٌ نطقَ بها لسانه: (دار المسنين)، نعم، إنه الحل الأمثل، إن المسن يصل إلى حالةٍ مزرية لن يستطيعَ شخصٌ ما مثلي يسكن في شقةٍ داخلَ مدينةٍ لديه عمل من أن يعوّضه، يهتم، يعتني به، ويقف على متابعةِ أحوالهِ باستمرار، يوفرُ له جميعَ متطلباتهِ واحتياجاتهِ.
حركَ رأسهُ يمينًا وشمالًا وكأنه يحاولُ طردَ هذهِ الفكرةِ من رأسه.
حاول تذكيرَ نفسه بأنَّ تصرفهُ هذا نوعٌ من الجحود.
حاول تجاوزَ هذهِ الأفكار والقفزَ من فوقها بتذكيرِ نفسهِ بالقيم ومبادئِ الأخلاق، وأن إهمالها هو سببُ الأنانيةِ والعقوق.
تنهدَ ووضعَ يدهُ على رأسهِ ورفعَ بصرهُ إلى السماء، وقال بصوتٍ مكتوم:
قيم! أخلاق! ليتني من سكانِ الريف أو الصحراء، خيمتك إلى جانبها خيام، وكوخكَ إلى جانبهِ العديد من الأكواخ، هنالك فقط لا حاجةَ أن يرسل المرء أبويه لدارِ المسنين، فهنالك يوجد أكثر من مُسن وأكثر من نديم وأكثر من معين.
أما بالنسبةِ للمدن ولرجلٍ مقطوعٍ من شجرة مثلي الوضعُ مختلف.
نعم (دور المسنين) هي المكانُ المناسب الذي يلبي احتياجاته الصحية والنفسية والترفيهية.
ما عساي أن أفعل له سوى رميهِ في غرفةٍ منفردة أشبهَ بزنزانةِ سجين، أطلُّ عليه بين الفينةِ والأخرى، لأسمعهُ كلماتٍ مكررةً ليس فيها روح.
لن أكذب على نفسي، فالمنطق يأمرني وليست العاطفة، وجودهُ هنالكَ خيرٌ له.
انتفض غيظًا عندما سمعَ صوتًا آخر يقولُ له: تقصدُ خيرًا لك.
كم أنت ناكرٌ للجميل!! أهذا جزاءُ من ضحَّى وكدَّ وسهر على تربيتك؟! هل خلا قلبُكَ من أبسطِ معاني الرحمة؟!
فرد بصوتٍ مسموع: اغرب عن وجهي، فتلوى الأبُ مذعورًا في فراشه!
السعوديه


