محمد علي عزب *
منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين حتى يومنا حدثت تغيرات جذرية سريعة ومتلاحقة، بشكل لم يحدث من قبل على المستوي العالمي والمحلي، ثورة في وسائل الاتصالات والمعلومات، بدايةً من ظهور الفضائيات في التسعينيات وصولًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي والمنصَّات الرقمية, واهتزت مصداقية السرديات الكبرى التي أرستها الحداثة “modernism”وهي: نظريات وأفكار وقصص ضخمة في مختلف المجالات, تدَّعِي أنها تستطيع أن تقدم تفسيرا لكل شئ, وأنها تستطيع إسعاد البشرية, ولا أقول أن ما بعد الحداثة Postmodernism” ” دعت إلى إسقاط السرديات الكبرى, بل دعت إلى مراجعتها والتشكيك في يقينيتها وتقييمها في ضوء الواقع المتغير, ومن أهم أسباب زعزعة مركزية السرديات الكبرى واعتبار أنها ليست حقائق مطلقة هو أنها لم تحقق ما وعدت به, فمثلا: لم تستطع الاشتراكية أن تحقق عدالة اجتماعية, والرأسمالية الليبرالية لم تقدم تنمية شاملة تعود على الأفراد, والعلم رغم أهميته لم يستطع أن يكون السبيل لإسعاد البشرية وحل مشاكلها, وذلك نظرا للتطبيقات السلبية للعلم في ابتكار الأسلحة النووية والبيولوجية, والطبيعة المادية للعلم التي أدت إلى جفاف المشاعر, وتجنيب القيم والأخلاق, هذا إلى جانب أن السرديات الكبرى كانت تتسم بأحادية الرؤية والشمولية وعدم التنوع, وكانت تمثّل سلطة فكرية على العقل تقمع الرأي الآخر أحيانا باسم الحقيقة .
وتحوُّلت العولمة “Globalization” من فكرة في سبعينيات القرن العشرين إلى واقع يومي يعيشه الإنسان, وأصبح العالم قرية كونية ” “Global Village تسهل فيها وسائل الاتصال وتذوب الحدود والثقافات والهُويات, وقد أثَّر ذلك على الشعر والفنون والآداب فلم يعد الفن يُسخِّر أدواته من أجل الدفاع عن قضايا وسرديات كبرى, وأصبح هم الفنان والأديب هو البحث عن الخصوصية في عصر العولمة الذي يسعى إلى إنتاج نُسَخ متشابهة في أنماط الثقافة والاستهلاك والذوق الفني, وتذويب الثقافة المحلية في الثقافة العالمية المهيمنة, فيشعر الفرد أنه افتقد ما يميّزه وأنه بلا جذور, هذا إلى جانب تسليع كل شيء وإخضاعه لمنطق السوق, فكانت الذاتية بؤرة مركزية انطلق منها الشعراء إلي التذويت وهو صبغ العالم وقضاياه بالرؤية الذاتية، وتبلورت ملامح أدب ما بعد الحداثة بشكل واضح وملموس وتحولت إلى تيار أدبي قوي منذ التسعينيات حتى يومنا, وإن كانت تلك الملامح موجودة من قبل وقد تحدث عنها المفكّر والناقد المصري الأصل الأمريكي الجنسية إيهاب حسن في كتابه “تقطيع أوصال أورفيوس ـ نحو أدب ما بعد حداثي” سنة 1971م, وهو من أوائل المنظِّرين لأدب ما بعد الحداثة, ويرى أن ( ما بعد الحداثة ليست مرحلة تاريخية تالية للحداثة, بل هي تحوُّل عميق في الوعي والثقافة يميِّز بين الحداثة التى تهدف إلى بناء أنظمة ومعانٍ مركزية وبين ما بعد الحداثة التي تتسم باللا مركزية والتفكيك والتشكيك في السرديات الكبرى, ويربط هذا هذا التحوّل بفشل المشاريع اليوتيوبية / المثالية للحداثة وظهور مجتمع الاستهلاك والتسليع, والأدب ما بعد الحداثي كتعبير عن اللا مركزية يتسم بنفي المركز والاحتفاء بالهامش, وتعدد الأصوات والتداخل بين الأنواع الأدبية والسخرية والمفارقة, وعدم وجود أجوبة أو حلول نهائية, فالأدب الجيد هو الذي يثير الأسئلة, والذات المبدعة لم تعد هي المصدر الوحيد للمعنى بل يتشكل المعنى من خلال القارئ ومن تداخل النص مع نصوص أخرى “التناص” )44 .
واتجه أدباء ما بعد الحداثة إلى النسبية ورفض المُطلق والكلي, والاهتمام بتناول كل ما هو جزئي وخاص بالحياة اليومية والثقافة والبيئة المحلية, وتحويله إلى رمز يعبر عن قضية الإنسان, وعلى مستوى الشكل وبناء النص أكدت ما بعد الحداثة على إمكانية التجاور والتهجين بين بُنى تراثية وأخرى معاصرة في نص واحد لغرض معين, كما أكدت على أهمية التداخل بين الفنون والآداب واستعارة آليات من الفنون البصرية في بناء النص مثل البصرية المتحركة أو المشهدية من المسرح والسينما لرسم حسية باللغة في ذهن القارئ فيصبح وكأنه يشاهد العالم الذي يشير إليه النص, واستعارة تقنية الكولاج “القص واللزق” من الفنون التشكيلية وهي: تجميع مواد نصية ومشاهد بصرية متنوعة من مصادر مختلفة والربط بينها دون استخدام روابط لغوية ومنطقية صارمة, بل روابط تقوم على التشاكل “التشابه والتماثل” أو التباين “الاختلاف” الدلالي والنفسي لخلق حالة توتر, ولم يُعد للنص معنى مركزي واحد يكشف عنه القارئ الحصيف بل شبكة من المعاني المتداخلة, يستنتج منها كل قارئ معنى معين, وحرص الأدباء عن قصد على تَرْك فراغات نصية “مناطق اللا تحديد والإيحاء” يملؤها القاريء الذي لم يعد متلقٍ سلبي، بل مشاركا في عملية الإبداع عبر قراءة النص وتفكيك شفراته، وبناء المعنى المحتمل .
واتخذ التناص مفهوما جديدا في أدب ما بعد الحداثة فلم يعد مُحددا بالاقتبسات والتضمينات من نصوص أخرى, بل أصبح رصيدا جماليا معرفيا متنوع المصادر من حقول أدبية وغير أدبية, وترى الباحثة والأكاديمية الكندية “ليندا هاتشون” في كتابها “شعرية ما بعد الحداثة” أن التناص في العمل الأدبي مثل: ( عُقْدة في شبكة )45, والجدير بالإشارة أن “ما بعد الحداثة” في الآداب والفنون ليست هدما وتقويضا للحداثة, بل يوجد بينهما علاقات اختلاف واتفاق, كما ترى “ليندا هاتشون” ( أن الحداثة لها وجود مضمر في كل الممارسات الثقافية “ما بعد الحداثية”، والعلاقة بينهما “علاقة استتباع، واختلاف، تتسم بالتعقد والتركيب )46, أي أنهما ليسا خطان منفصلان بل بينهما تداخل واشتباك وتضاد, فإن كانت الحداثة الأدبية سعت إلى كسر الأشكال التقليدية وصنعت معها نوع من القطيعة, وابتكرت أشكالا جديدة لها نظام معين, فإن ما بعد الحداثة يمكن أن تستدعي في بنيتها الفنية أحد التقاليد التراثية عبر التناص أو المحاكاة الساخرة “الباروديا”, وإن كانت الحداثة تحتفى بوجود معنى مركزي في النص, وتؤمن بدور الأديب والمثقف في قيادة المجتمع, فإن ما بعد الحداثة تؤمن بتعدد المعنى, وأن الأدب ممارسة حُرّة للتعبير عن تجربة إنسانية تعبر عن وعي الأديب وموقفه من متغيرات العصر, وتمد جسور التواصل الإنساني مع المتلقي .
ولم تكن آليات التجديد في الآداب والفنون معطيات جاهزة تطبق بشكل آلي, بل كانت تتسم بالمرونة, وظفتها كل أمة وفقا لثقافتها وتراثها ووعيها بروح العصر, وحسب طبيعة كل فن, فما بعد الحداثة أساسا منظور فلسفي وفني يقوم على النسبية والمرونة لا على تطبيق قواعد صارمة, فالمسألة ليست استيراد أو تطبيق نموذج أدبي بحذافيره بل تكييف وتوطين ثقافي للأدوات والمفاهيم الأدبية في البيئة الثقافية المصرية واالعربية لإنتاج أدب مصري وعربي يتماس مع الآداب العالمية وفي نفس الوقت تكون له خصوصيته .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والإحالات
*هذا المقال مقتطف من مخطوط كتابي النقدي “ملامح التجديد في قصيدة العامية المعاصرة ـ من التسعينات حتى يومنا: تأصيل وتأسيس وقراءات” ـ قيد المراجعة
1ـ بتصرف من الفصل الأول من كتاب “تقطيع أوصال أورفيوس ـ نحو أدب ما بعد حداثي” ـ ترجمة سيد إمام ـ المركز القومي للترجمة ـ القاهرة 2020م
2ـ ليندا هاتشون ـ شعرية ما بعد الحداثة.. التاريخ، النظرية، المتخيل ـ ترجممة سيد إمام ـالمركز القومي للترجمة ـ القاهرة سبتمبر 2024م ص 191
3ـ المصدر السابق ـ ص 70
*شاعر وناقد من مصر





