المجلة الثقافية الجزائرية

عن طبائع النفس ومقاصد النص

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

حين أعود بذاكرتي إلى شهور طويلة، لا أعرف على الحقيقة عددها، ولا متى بدأت بالضبط، أجدني قد دخلتُ اختيارا في معركة صغيرة مع نفسي.. لم تكن تلك المعركة ذات صوت ولا هيجة، لكنها كانت ملموسة بما يكفي لأدرك أنّ شيئاً في داخلي كان يعيد ترتيب نفسه كلّ يوم، أو بالأحرى كلما استلقيت على فراشي، فقد امتنعت، وبإصرار لا يخلو من شيء من المجاهدة، عن تلك العادة والطبع الذي الفته دون وعي، حتى غدا جزءا مني وانا لا اشعر، وهو أن أضع رجلاً فوق أخرى وأنا مستلقٍ على ظهري! وكلما تنبّهتُ إلى هيئتي، أصلحتها، وأنزلت إحداهما عن الأخرى، في هدوءٍ لا يخلو من قدر من الحرج.

 لم يكن هذا السلوك الجديد الذي فرضته على نفسي وسوسة عارضة، او هاجسا نفسيا، بل كان استجابة مباشرة لما وقفت عليه مصادفة قبل شهور في أحد كتب السنة وهو النهيٌ عن هذه الهيئة في الاستلقاء، فقد ثبت في سنن الترمذي النهي عن الاستلقاء على الظهر رافعاً إحدى الرجلين على الأخرى، في رواية جابر بن عبدالله: ” إذا استلقى أحدكم علَى ظهره فلا يضع إحدى رجليه على الأخرى”.

والحق أني طوال تلك الشهور كنت ابحث في داخلي عن الحكمة الكامنة وراء هذا النهي في هذه الطبائع، إذ لم يكن في قلبي شكّ بأن النقل الصحيح لا يصادم العقل الصريح اطلاقا، ومع ذلك واصلت الامتثال وتطبيق تلك الهئية في حياتي، وكنت أحمد الله أن وفّقني لاتباع ما وصلني من هدي رسوله الكريم، حتى وإن لم أُدرِك وجه الحكمة فيه، فليس كل امتثال وانقياد مشروطاً بفهم، بل إن في الطاعة والاستجابة قبل الفهم معنىً يربيّ النفس على الخضوع والاذعان للحقّ ولو بقي سره مؤجلا.

ومع ذلك كان السؤالٌ يلحّ علي دون أن أبلغ فيه جواباً: ما سرّ هذه الهيئة؟ وما الحكمة في أن تُخصّ دون غيرها بالتنبيه والتحذير؟ ولم يقتصر الامر على ضبط هيئتي في الاستلقاء ومنع نفسي من تلك العادة والطبع، بل تعدى ذلك أن أنصح من حولي بها.. كنت أذكر الحديث، وأدعو إلى ترك هذه الهيئة في الاستلقاء وهي وضع احدى الساقين على الاخرى، ولم يكن في خاطري آنذاك أن المسألة قد تحمل وجهاً آخر.

 غير أنّ الفضول العلمي ونهم البحث، ذلك الهاجس الذي لا يهدأ في الصدور مهما تدثّر باليقين والمعرفة، دفعني اليوم، إلى إعادة النظر على نحو أكثر جدية، فقد أردت أن أعرف ما إذا كان النهي مطلقاً أم معلّقاً بعلة، وهل ثمة نصّ آخر يفتح باباً لفهم أوسع، إذ وجدت الحديث الذي بدأت منه رحلتي ثابتاً في صحيح مسلم كذلك، لكن وجدت في صحيح البخاري حديثاً آخر، من رواية عبدالله بن زيد ، يقول: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى، وعند هذا الموضع تحديداً طفا السؤال مرة اخرى على السطح: كيف يتصالح النصّان؛ نهيٌ من جهة، وفعلٌ من جهة أخرى.

 ولم يطل بي التحير حتى ظهر لي ما يزيل الغموض ويبدد عتمته، فقد قال النووي رحمه الله، إن العلماء حمّلوا أحاديث النهي على الحالة التي قد يظهر فيها شيء من العورة، أو ما يُخشى معه ذلك، بينما كان فعله صلى الله عليه وسلّم في هيئة مأمونة لا ينكشف فيها شيء. فصار النهي عندهم معلّقاً بالعلة، لا بالحركة ذاتها، وهذا توجيه يزيد الصورة اتساقاً وايضاح، ولا ينتقص من المنقول شيئاً.

 وبعد فراغي من بحث المسألة عن تلك الطبائع، ادركت أن الهدي النبوي لا يُقرأ بالعين وحدها، بل بالبصيرة التي ترى المقصد قبل الحركة. فالنهي ليس عن الوضع ذاته، بل عن ما قد يؤدي إليه من كشفٍ أو تهاون، وحين تتبدد العلة، يتبدد الحكم، ويبقى الفعل في دائرة المباح، وهكذا انتهى بي الأمر إلى ما هو أبعد من هيئة في الاستلقاء، وأعمق من حركة ساق فوق ساق، انتهى بي إلى تلك الحقيقة الراسخة، أنّ النصوص لا تتعارض، بل نحن الذين نضيق عن فهم اتساعها وفهم معانيها، وأن العقل، مهما بدا متحفّزًا للاعتراض، ينحني في النهاية أمام حكمة لا تُدرك من الوهلة الأولى، بل تُستجلى حين يتواضع الإنسان للبحث والسؤال.