المجلة الثقافية الجزائرية

ـ مقاربة سلافوي جيجك حول الجائحة ـ

بقلم: سلافوي جيجك – عبد الغني بومعزة

***

لاحظ العديد من المعلقين اللّيبراليين واليساريين كيف يعمل وباء الفيروس التاجي على تبرير وإضفاء الشّرعيّة على تدابير الرّقابة والتنظيم على النّاس التّي لم يكن من الممكن تصوّرها حتّى الآن في مجتمع ديمقراطي غربي، أليس الحجر الصحّي الكامل في إيطاليا هو الحلم الشّمولي الذّي يتحقّق؟، لا عجب(على الأقل كيف تبدو الآن) انّ الصّين التّي مارست بالفعل على نطاق واسع الأساليب الرّقميّة للرقابة الاجتماعيّة، أثبتت أنّها الأفضل تجهيزًا للتعامل مع الأوبئة الكارثيّة،هل هذا يعني، على الأقل من بعض النواحي أنّها هي مستقبلنا؟، هل نقترب من حالة طوارئ عالميّة؟، هل اكتسبت تحليلات جورجيو أغامبين أهميّة جديدة؟،لا عجب أنّ أغامبين نفسه توصّل إلى هذا الاستنتاج، لقد تفاعل مع تفشي فيروس كورونا بطريقة مختلفة جذريًا عن غالبية المعلقين وأعرب عن أسفه\”لإجراءات الطوارئ المسعورة والغير المنطقيّة والغير المبرّرة على الإطلاق التّي تمّ تبنّيها لمواجهة وباء فيروس كورونا المفترض\”، والتّي هي مجرّد نسخة أخرى من الأنفلونزا، وتساءل \”لماذا تفعل وسائل الإعلام والسّلطات كلّ ما في وسعها لتهيّئة مناخ من الذعر، وبالتّالي التسبّب في حالة طوارئ حقيقيّة، مع قيود شديدة على الحركة وتعليق الحياة اليوميّة وأنشطة العمل لمناطق بأكملها؟ \”، ويرى أغامبين أنّ السّبب الرّئيسي لهذه\”الاستجابة الغير المتناسبة\”في\”الاتّجاه المتزايد لاستخدام حالة الطوارئ كنموذج حكم عادي\”، تسمح الإجراءات المفروضة للحكومة بتقييد حريّاتنا بشكل خطير بموجب مرسوم تنفيذي\”من الواضح أنّ هذه القيود لا تتناسب مع التهديد الذّي يقول المجلس النّرويجي للاجئين إنّه إنفلونزا عاديّة، ولا يختلف كثيرًا عن تلك التّي تؤثر علينا كلّ عام، يمكننا القول أنّه بمجرّد استنفاد الإرهاب كمبرّر لاتّخاذ تدابير استثنائيّة، يمكن أن يقدّم اختراع الوباء الذّريعة المثاليّة لتمديد هذه الإجراءات إلى ما بعد، أي قيد السّبب الثّاني هو\”حالة الخوف التّي انتشرت في السّنوات الأخيرة في الوعي الفردي والتّي تُترجم إلى حاجة حقيقية لحالات الذّعر الجماعي والتّي يقدّم الوباء لها الذّريعة المثاليّة مرةّ أخرى\”، يصف أغامبين جانبًا مهمًا من كيفيّة عمل سيطرة الدّولة في الأوبئة المستمرّة، لكن هناك أسئلة لا تزال مفتوحة، لماذا تهتم سلطة الدّولة بإذكاء مثل هذا الذّعر المصحوب بعدم الثقة في سلطة الدّولة؟(هم ضعفاء، لا يفعلون ما يكفي)، ومن الذي يعطّل التكاثر الجيّد لرأس المال؟، هل من مصلحة رأس المال وسلطة الدّولة فعلاً إثارة أزمة اقتصاديّة عالميّة لتمديد حكمهم؟، جميع الدّلائل الواضحة تظهر أنّ ليس فقط الناس العاديون يعيشون حالة ذعر، ولكن أيضًا سلطة الدّولة نفسها، مدرك تمامًا لعدم القدرة على التحكّم في الموقف – هل هذه العلامات خدعة مدبّرة من قبل حكومات العالم؟ .

رد فعل أغامبين هو الشّكل المتطرّف للموقف اليساري المعمّم الذّي يقرأ\”الذّعر المبالغ فيه\”والناجم عن انتشار الفيروس على أنّه مزيج من ممارسة سلطة السّيطرة الاجتماعيّة وعناصر عنصريّة صريحة (لوم\”الطبيعة\”أو الصّين\” ؟ )، ومع ذلك،فإنّ مثل هذا التفسير الاجتماعي لا يجعل حقيقة التّهديد تختفي،هل يجبرنا هذا الواقع على تقييد حريّاتنا بشكل فعال؟، إنّ الحجر الصحّي وما شابهه، بالطبع، يحدّ من حريّتنا، وهناك حاجة إلى المزيد من اسانج(جوليان اسانج)هنا لإبراز انتهاكاتهم المحتملة، لكن خطر العدوى الفيروسيّة أعطى أيضًا دفعة هائلة لأشكال جديدة من التضامن المحلّي و العالمي، وسلّط الضّوء على الحاجة للسيطرة على السّلطة نفسها، النّاس على حق في تحميل سلطة الدّولة المسؤولية\” لديك القوّة، والآن أظهر ما يمكنك القيام به!\”، لقد أدخلت الصّين إجراءات من غير المرجّح أن تتحمّلها أوروبا الغربيّة و الولايات المتّحدة، ربّما على حسابها، من الواضح أنّه من الخطأ التفسير المنعكس لجميع أشكال الكشف والنمذجة على أنّها\”مراقبة\”والحوكمة النشطة على أنّها\”رقابة اجتماعيّة\”، نحن بحاجة إلى مفردات تدخّل مختلفة وأكثر دقة، كلّ شيء يعتمد على هذه\”المفردات الأكثر دقة\”لا ينبغي اختزال التدابير التّي يقتضيها الوباء تلقائيًا إلى النموذج المعتاد للمراقبة والسّيطرة الذي ينشره مفكّرون مثل فوكو، ما أخشاه اليوم أكثر من الإجراءات التّي تطبّقها الصّين(وإيطاليا و …)، اليمين المتطرّف واليسار الكاذب يرفضان قبول الحقيقة الكاملة للوباء، فكلّ طرف يفضّل اختزال الموضوع وفق بنائي اجتماعي أو شجبه حسب أهميّته الاجتماعيّة، يصرّ ترامب وأنصاره مرارًا وتكرارًا على أنّ الوباء مؤامرة من قبل الدّيمقراطيين و الصّين لخسارته في الانتخابات المقبلة، بينما يدين البعض في اليسار الإجراءات الحكومية المقترحة والأجهزة الصحّية باعتبارها ملوّثة برهاب الأجانب، وبالتالي يصرّون على المصافحة وما إلى ذلك، مثل هذا الموقف يفتقد التناقض، عدم المصافحة وعزل نفسك في أوقات الحاجة هو شكل التّضامن اليومي، من يستطيع اليوم تحمّل المصافحة والتّقبيل؟، انّهم المميّزون فقط .
تتكوّن قصص الكاتب الايطالي من عصر النهضة بوكاتشيو والمسمّاة ديكاميرون(ديكاميرون (Il Decameron) هي مجموعة من مائة قصّة قصيرة كتبها بوكاتشيو باللغة الإيطالية بين عامي 1349 و1353) رواها مجموعة من سبع شابات وثلاثة شبّان لجئوا إلى فيلا منعزلة خارج فلورنسا هربًا من الطاعون الذّي أصاب المدينة، سوف تتراجع النخبة الماليّة إلى المناطق النائيّة وتستمتع بسرد القصص بأسلوب ديكاميرون(يتدفّق الأثرياء بالفعل على متن طائرات خاصة إلى جزر الكاريبي الصّغيرة الحصرية)، أمّا نحن الناس العاديون سيتعيّن عليهم التعايش مع الفيروسات، نتعرّض للقصف مرارًا وتكرارًا بعبارة\”لا داعي للذعر!\”، رغم انّ كلّ البيانات يمكن أن تثير حالة من الذعر، الوضع مشابه لما أتذكره من شبابي في بلد شيوعي، عندما أكد المسؤولون الحكوميون للجمهور أنّه لا يوجد سبب للذعر، أخذنا جميعًا هذه التأكيدات على أنّها علامات واضحة على أنّهم أنفسهم كانوا في حالة ذعر، لكن الذعر ليس طريقة جيّدة للتعامل مع تهديد حقيقي ، فعندما نشعر بالذعر، فإننا لا نأخذ التّهديد على محمل الجد، نحن، على العكس من ذلك، نقلل من أهميته، فقط فكر في مدى سخافة شراء لفافات ورق التواليت الزّائدة وكأنّ امتلاك ورق تواليت كافٍ وامر مهم في خضم وباء مميت، إذن ما هي الاستجابة المناسبة لتفشي فيروس كورونا؟، ماذا نحتاج أن نتعلم؟، وماذا يجب أن نفعل للتعامل معه بجدية؟ .

عندما اقترحت أنّ وباء الفيروس التاجي يمكن أن يعطي الشّيوعية دفعة جديدة، كان ادّعائي، كما هو متوقع موضع سخريّة، بينما يبدو أنّ مقاربة الدّولة الصّينيّة القويّة للأزمة قد نجحت – على الأقل عملت بشكل أفضل بكثير ممّا يحدث في إيطاليا – فإن المنطق الاستبدادي القديم للشّيوعيين الحاكمين أظهر أيضًا بوضوح آثاره، كان أحدها أنّ الخوف من نقل الأخبار السيّئة إلى من هم في السّلطة(والجمهور)يفوق النتائج الحقيقيّة، هذا هو سبب اعتقال من أبلغ عن فيروس جديد لأوّل مرّة، وهناك تقارير تفيد بحدوث شيء مماثل الآن، إنّ الضّغط لإعادة الصّين إلى العمل بعد إغلاق فيروس كورونا يعيد إحياء إغراء قديم وهو العبث بالبيانات لإظهار كبار المسؤولين ما يريدون رؤيته\”تظهر هذه الظاهرة في مقاطعة تشجيانغ، وهي مركز صناعي على السّاحل الشّرقي، في شكل استهلاك للكهرباء، حدّدت ثلاث مدن على الأقل للمصانع المحليّة أهدافًا لاستهلاك الطاقة، حيث تستخدم البيانات لإظهار استئناف الإنتاج، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر، وقال النّاس إنّ هذا دفع بعض الشّركات إلى تشغيل الآلات حتّى لو ظلت مصانعها فارغة\”، يمكننا أيضًا تخمين ما سيتبع عندما ترى السّلطات هذا الغش، سيتم اتّهام المديرين المحليين بالتخريب ومعاقبتهم بشدّة، وبالتالي إعادة إنتاج الحلقة المفرغة من عدم الثقة، هنا، ستكون هناك حاجة إلى جوليان أسانج صيني لكشف هذا الجانب الخفي للجمهور، حول كيفيّة تعامل الصّين مع الوباء، ثمّ، إذا لم تكن في ذهني الشّيوعيّة، فماذا أعني بالشّيوعيّة؟، للإجابة عن هذا السّؤال، ما عليك سوى قراءة البيانات العامة لمنظمة الصحّة العالميّة، وهذه واحدة حديثة :

<< قال رئيس منظمة الصحّة العالميّة، الدّكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، يوم الخميس إنّه بينما تتمتّع سلطات الصحّة العامة في جميع أنحاء العالم بالقدرة على معالجة انتشار الفيروس بنجاح، تشعر المنظمة بالقلق من أنّ مستوى الالتزام السّياسي في بعض البلدان قد لا يتناسب مع مستوى التهديد، إنّه ليس تمرين، الآن ليس وقت الاستسلام، الآن ليس وقت الأعذار، حان الوقت الآن للقيام بكلّ شيء، البلدان تخطّط لسيناريوهات مثل العقود السّابقة، حان الوقت الآن للعمل على هذه الخطط، يمكن دحر هذا الوباء، ولكن فقط من خلال نهج جماعي ومنسق وشامل يشارك فيه الجهاز الحكومي بأكمله>>، يمكن للمرء أن يضيف أنّ مثل هذا النهج الشّامل يجب أن يمتد إلى ما هو أبعد من آليات الحكومات الفرديّة، يجب أن يشمل التعبئة المحليّة للأشخاص خارج سيطرة الدّولة بالإضافة إلى التّنسيق والتعاون الدّولي القوي و الفعال، إذا تم نقل آلاف الأشخاص إلى المستشفى بسبب مشاكل في الجهاز التنفسي، فستكون هناك حاجة إلى زيادة كبيرة في عدد أجهزة التنفّس، وللحصول عليها، يجب أن تتدخّل الدّولة مباشرة بنفس الطريقة التّي تتدخّل بها في زمن الحرب عندما تكون هناك حاجة إلى آلاف الأسلحة، ويجب أن يقوم على أساس التعاون مع الدّول الأخرى، كما في حملة عسكرية ، يجب مشاركة المعلومات وتنسيق الخطط بالكامل- هذا كلّ ما أعنيه بـالشّيوعية التّي نحتاجها اليوم، أو كما قال ويل هاتون\”الآن شكل من أشكال العولمة غير المنظمة والسّوق الحرّة مع ميلها للأزمات والأوبئة تحتضر بالتأكيد، لكن هناك شكل آخر يبرز الترابط وأسبقية العمل الجماعي القائم على الأدلة، ممّا لا يزال سائدا اليوم هو موقف\”كلّ شخص مسؤول عن نفسه\”، هناك حظر وطني على تصدير المنتجات الرّئيسيّة مثل الإمدادات الطبيّة، البلدان المنسحبة عن تحليلها الخاص للأزمة في خضم نقص موضعي وخطير، تفكر بمناهج بدائيّة للاحتواء\”، إن وباء الفيروس التّاجي لا يشير فقط إلى حدود عولمة السّوق، كما أنه يشير إلى الحد الأكثر فتكًا للشعوبيّة القوميّة التّي تصرّ على السّيادة الكاملة للدّول، انتهى الأمر مع\”أمريكا (أو أيا كان)أولا!\”حيث لا يمكن إنقاذ أمريكا إلا من خلال التنسيق والتّعاون العالميين، لست طوباويا، أنا لا أدعو إلى تضامن مثالي بين الناس، على العكس من ذلك، تُظهر الأزمة الحاليّة بوضوح مدى التّضامن و التعاون العالميين في مصلحة بقاء كلّ واحد منا، كم هذا هو الشّيء الأناني العقلاني الوحيد الذّي يجب القيام به، وليس فقط فيروس كورونا، لقد عانت الصّين نفسها من أنفلونزا الخنازير الضّخمة منذ أشهر، وهي الآن مهدّدة باحتمال غزو الجراد، بالإضافة إلى ذلك، كما أشار أوين جونز، فإنّ أزمة المناخ تقتل عددًا أكبر بكثير من النّاس حول العالم مقارنة بفيروس كورونا، لكن لا داعي للذعر حيال ذلك، من وجهة نظر حيويّة ساخرة، قد يميل المرء إلى رؤية الفيروس التّاجي باعتباره عدوى مفيدة،ممّا يسمح للبشرية بالتخلّص من كبار السّن والضّعفاء والمرضى، مثل اقتلاع حشيش نصف فاسد، وبالتالي يساهم في الصحّة العالميّة، النهج الشّيوعي الواسع الذّي أدافع عنه هو السّبيل الوحيد لنا للخروج من وجهة النظر الحيوية البدائيّة هذه، تُلاحظ بالفعل علامات انخفاض التضامن الغير المشروط في المناقشات الجارية، كما هو الحال في الملاحظة التاليّة حول دور\”الحكماء الثلاثة\”إذا أخذ الوباء منعطفًا أكثر كارثية في المملكة المتّحدة، فلق حذّر كبار الأطبّاء من احتمال حرمان مرضى (NHS)من الرّعاية المنقذة للحياة أثناء تفشي فيروس كورونا في بريطانيا إذا كانت وحدات العناية المركّزة تكافح من أجل التأقلم، بموجب ما يسمّى بروتوكول\”الحكماء الثلاثة\”، سيضطر ثلاثة من كبار الاستشاريين في كلّ مستشفى إلى اتّخاذ قرارات بشأن تقنين الرّعاية مثل أجهزة التنفّس الصّناعي والأسّرة، وهذا في حالة اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، ما هي المعايير التّي سيعتمد عليها\”الحكماء الثلاثة\”؟، التضحية بالأضعف و بالأقدم؟، ألن يفتح هذا الوضع مساحة للفساد الهائل؟، ألا تدل مثل هذه الإجراءات على أنّنا على وشك تنفيذ أكثر منطق البقاء للأصلح وحشية؟، لذا، مرّة أخرى، فإنّ الخيار النّهائي هو إمّا هذا أو نوع من الشّيوعيّة المعاد اختراعها .

لكن الأمور تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. ما أجده مزعجًا بشكل خاص هو كيف، عندما تعلن وسائل الإعلام لدينا عن إغلاق أو إلغاء، كقاعدة عامة، يضيفون حدًا زمنيًا ثابتًا، الصّيغة\”سيتم إغلاق المدارس حتّى 4 أفريل\”، التوقع الكبير هو أنّه بعد الذّروة التّي يجب أن تصل بسرعة ستعود الأمور إلى طبيعتها، بهذا المعنى، لقد علمت بالفعل أنّه تمّ تأجيل مؤتمر جامعي للتو إلى سبتمبر، المشكلة هي أنّه حتّى عندما تعود الحياة في نهاية المطاف إلى طبيعتها، فلن تكون كما كانت معتادة قبل الوباء، أشياء اعتدنا عليها كونها جزءًا من حياتنا اليومية لن يتم اعتبارها أمرًا مفروغًا منه، سيتعيّن علينا أن نتعلم كيف نعيش حياة أكثر هشاشة مع تهديدات مستمرّة كامنة خلف الزّاوية، لهذا السّبب، يمكننا أن نتوقع أن تؤثر الأوبئة الفيروسية على تفاعلاتنا الأساسية مع الأشخاص والأشياء الأخرى التّي من حولنا، بما في ذلك أجسادنا، تجنّب لمس الأشياء التّي قد تكون(غير مرئية)\”قذرة\”،لا تلمس الخطاف ولا تجلس على دورات المياه العامة أو على المقاعد في الأماكن العامة، وتجنّب تقبيل الآخرين ومصافحتهم، انتبه أيضًا إلى الطريقة التّي تتحكّم بها في جسدك وإيماءاتك العفوية، لا تلمس أنفك، لا تفرّك عينيك، باختصار، لا تلعب مع نفسك، لذلك لن تتحكم الدّولة والوكالات الأخرى فينا فقط ، يجب أن نتعلم طريقة التحكّم في أنفسنا وضبطها، ربّما سيتم اعتبار الواقع الافتراضي فقط آمنًا، وسيتم تخصيص التنقل بحرية في الفضاء المفتوح للجزر التّي يملكها فاحشي الثراء، ولكن حتّى هنا، على مستوى الواقع الافتراضي والإنترنت يجب أن نتذكر أنّه في العقود الماضية، تمّ استخدام المصطلحين\”الفيروس\”و\”الفيروسي\”بشكل أساسي لتحديد الفيروسات الرّقمية التّي أصابت مساحة الويب الخاصة بنا والتّي لم نكن على علم بها، على الأقل حتّى وقت ظهور قوّتها التدميرية(من أجل على سبيل المثال، لتدمير بياناتنا أو محرّك الأقراص الثابتة لدينا)، ما نراه الآن هو عودة هائلة إلى المعنى الحرفي الأصلي للمصطلح، العدوى الفيروسية تعمل جنبًا إلى جنب في كلا البعدين، الحقيقي والافتراضي .

يمكن تمييز المراحل الخمس نفسها عندما يواجه المجتمع انهيارًا مؤلمًا، ضع في اعتبارك خطر حدوث كارثة بيئية، ​أولّاً، نميل إلى إنكار ذلك(إنّه مجرّد جنون العظمة، ما يحدث هو التذبذبات المعتادة لأنماط الطقس)، ثمّ يأتي الغضب(ضدّ الشّركات الكبرى التّي تلوّث بيئتنا، وعلى الحكومة التّي تتجاهل المخاطر)، يليه المساومة(إذا أعدنا تدوير نفاياتنا، يمكننا توفير الوقت، بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضًا شيء جيّد، يمكننا زراعة الخضروات في جرينلاند، ستكون السّفن قادرة على نقل البضائع من الصّين إلى الولايات المتّحدة بشكل أسرع على الطريق الشّمالي، وأصبحت أرض خصبة جديدة متاحة في شمال سيبيريا بسبب ذوبان التربة الصّقيعية)، الاكتئاب(بعد فوات الأوان، محكوم علينا بالفناء)، وأخيراً القبول، نحن نتعامل مع تهديد خطير وعلينا تغيير أسلوب حياتنا بالكامل!، وكذلك الأمر بالنسبة للتهديد المتزايد للسّيطرة الرّقمية على حياتنا، أوّلاً، نميل إلى إنكاره(إنّها مبالغة، جنون العظمة لليسار العالمي، لا يمكن لأي وكالة التحكم في نشاطنا اليومي) ، ثمّ ينفجر الغضب(مع الشركات الكبرى ووكالات الدّولة السّرية التّي تعرفنا أكثر منا وتستخدم هذه المعرفة للسيطرة علينا والتلاعب بنا)،مراقبة المساومة(للسلطات الحق في البحث عن الإرهابيين، ولكن ليس التعدّي على خصوصيتنا)، الاكتئاب (فات الأوان، فقدنا خصوصيتنا وانتهى وقت الحريات الفردية)، وأخيرًا القبول، التحكّم الرّقمي تهديد لحريّتنا، يجب توعية الجمهور بكلّ أبعاده والالتزام بمكافحته ! ..

في مجال السّياسة، ينطبق الشّيء نفسه على أولئك الذين أصيبوا بصدمة بسبب رئاسة ترامب :

أولّاً، كان هناك رفض(كن مطمئنًا، ترامب يترشّح فقط، ولن يتغيّر شيء حقًا إذا تولى السّلطة)، يليه غضب (من قوى الظلام التّي سمحت له بالاستيلاء على السّلطة، ومن الشّعبويين الذين يدعّمونه ويهدّدون جوهرنا الأخلاقي)، المساومة ( لم نفقد كلّ شيء بعد، ربّما يمكن احتواء ترامب، فلنتسامح فقط مع بعض تجاوزاته)، الاكتئاب(نحن على طريق الفاشيّة، ضاعت الدّيمقراطيّة في الولايات المتّحدة)، ثمّ القبول، هناك نظام سياسي جديد في الولايات المتّحدة، وقد ولت الأيّام الخوالي للدّيمقراطية الأمريكية، فلنواجه الخطر ونخطط بهدوء كيف يمكننا هزيمة شعبوية ترامب، نفس الأمر ينطبق مع الطاعون، ففي العصور الوسطى، كان رد فعل سكّان المدينة المتضرّرة على علامات الطاعون بطريقة مماثلة، الإنكار أوّلاً، الغضب( ضدّ حياتنا الخاطئة التّي نعاقب عليها، أو حتّى ضدّ الله القاسي الذي سمح بذلك)، المساومة (الأمر ليس بهذا السّوء، دعونا نتجنب أولئك المرضى)، الاكتئاب(حياتنا قد انتهت)، العربدة (بما أنّ حياتنا قد انتهت، فلنخرج كلّ الملذات التّي لا تزال ممكنة ، الشّرب والجنس…)، وأخيرًا القبول(ها أنت ذا، فلنتصرّف قدر الإمكان كما لو استمرّت الحياة الطبيعية )، أليست هذه أيضًا هي الطريقة التّي نتعامل بها مع وباء الفيروس التاجي الذي انتشر في نهاية عام 2019، أوّلاً، كان هناك إنكار(لم يحدث شيء خطير، بعض الأشخاص الغير المسؤولين ينشرون الذّعر فقط)، ثانيا، الغضب(بشكل عام في شكل عنصري، أو مناهض للدولة، الصّينيون القذرون مذنبون، ودولتنا ليست فعالة)، ثمّ تأتي المساومة(حسنًا، هناك ضحايا، لكنها أقل خطورة من السارس، ويمكننا الحد من الضّرر)، إذا لم يفلح ذلك، فإنّ الاكتئاب يبدأ(دعونا نواجه الأمر، كلنا محكوم علينا بالفشل)، لكن كيف سيبدو القبول هنا؟، إنّها لحقيقة غريبة أنّ الوباء له سمّة مشتركة مع الموجة الأخيرة من الاحتجاجات الاجتماعية(في فرنسا وهونغ كونغ و…)، لا تنفجر ثمّ تختفي، على العكس من ذلك، فهم يبقون هنا ويستمرّون في جلب الخوف الدّائم والهشاشة إلى حياتنا، لكن هذا القبول يمكن أن يأخذ اتجاهين، يمكن أن يعني ببساطة إعادة تطبيع المرض، حسنًا، سيموت الناس لكن الحياة ستستمر، وربّما ستكون هناك بعض الآثار الجانبية الجيّدة، أو يمكن للقبول(ويجب)أن يدفعنا للتعبئة دون ذعر أو أوهام، للعمل في تضامن جماعي، ما يجب أن نقبله ، ما علينا أن نتصالح معه هو أنّ هناك طبقة أساسية من الحياة، الحياة الجنسية لفيروسات الموتى الأحياء، متكرّر بغباء ، والذي كان دائمًا موجودًا وسيظل دائمًا معنا مثل الظل المظلم، يهدّد بقاءنا ذاته، وينفجر عندما لا نتوقعه على الأقل، و على مستوى أكثر عموميّة، فإنّ تفشي الفيروسات يذكّرنا بالصّدفة المطلقة والعبثية في حياتنا، بغض النظر عن مدى خطورتنا الإنسانيّة، تبرز صروحًا روحيّة رائعة، يمكن أن تضع حدًا طبيعيًا غبيًا للطوارئ مثل الفيروس أو الكويكب، ناهيك عن درس علم البيئة المتمثل في أننا نحن البشر، يمكننا أيضًا أن نساهم دون قصد في تحقيق هذه الغاية .

توضيح هذه النقطة، اسمحوا لي أن أقتبس بلا خجل تعريفًا شائعًا، الفيروسات\”أي عامل معدي، عادة ما يكون فوق الميكروسكوب يتكوّن من الحمض النووي(acide nucléique) الحمض النووي الموجود في البروتين، (ADN) و الحمض النووي الرّيبي (ARN)،تصيب الحيوانات والنباتات والبكتيريا ولا تتكاثر إلا في الخلايا الحيّة، تعتبر الفيروسات وحدات كيميائية غير حيّة أو أحيانًا ككائنات حية، هذا التذبذب بين الحياة والموت أمر بالغ الأهمية،الفيروسات ليست حيّة ولا ميّتة بالمعنى المعتاد لهذه المصطلحات، هؤلاء هم الموتى الأحياء، الفيروس على قيد الحياة بفضل محرّك التكاثر، لكنه نوع من الحياة الصّفرية، كاريكاتير بيولوجي ليس دافع الموت بقدر ما هو الحياة في أعمق مستوياتها،غباء التكرار والتكاثر، ومع ذلك، فإنّ الفيروسات ليست شكلاً أساسيًا من أشكال الحياة التّي تطوّرت منها أشكال أكثر تعقيدًا، هي طفيليات بحتة، إنّها تتكاثر عن طريق إصابة الكائنات الحية الأكثر تطورًا(عندما يصيبنا الفيروس نحن البشر، فإننا ببساطة نعمل كناسخين)، في صدفة الأضداد – الابتدائية والطفيلية – يكمن سرّ الفيروسات إنّه يتعلق بما أسماه شيلينج \”der nie aufhebbare Rest \”، بقايا من أدنى أشكال الحياة التّي تظهر كنتيجة لخلل في آليات الضّرب الأعلى و تستمر في مطاردتها(تصيبها)، بقايا لا يمكن استعادتها أبدًا كلحظة ثانوية لمستوى معيشة أعلى، أو(DNA) الموجودة في البروتين، هنا نواجه ما يسمّيه هيجل\”الحكم التأملي\”، تأكيداً لهوية الأعلى والأدنى، أشهر مثال لهيجل هو\”العقل هو عظم\” من تحليله لعلم فراسة الدّماغ في فينومينولوجيا العقل، ومثالنا يجب أن يكون\”العقل هو فيروس\” .

أليس العقل البشري نوعًا من الفيروسات التّي تفرّق الإنسان عن الحيوان؟، وتستغلها لتكاثرها، وتهدّد أحيانًا بالقضاء عليها؟، وبقدر ما تكون لغة العقل هي اللغة، يجب ألا ننسى أنّه في أبسط مستوياتها تكون اللغة أيضًا شيئًا ميكانيكيًا، و هي مسألة قواعد يجب تعلمها و إتّباعها، لقد ادّعى ريتشارد دوكينز أنّ[ الميماتي] (ميم لا ينبغي الخلط بينه وبين الفرنسيّة نفسها، هو مصطلح اجتماعي حديث، وهو عنصر ثقافي يمكن التعرّف عليه، يتمّ إنتاجه ونقله عن طريق تقليد سلوك الفرد من قبل أفراد آخرين، يعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي كلمة \”meme\” على أنّها\”عنصر من عناصر الثقافة(مأخوذة هنا بمعنى الحضارة)والتّي يمكن اعتبارها منقولة بوسائل غير جينية، ولاسيّما عن طريق التقليد )، الكثير يصفها بفيروسات العقل، وهي كيانات طفيلية\”تستعمر\”العقل البشري، وتستخدمه كوسيلة للتكاثر، إنّها فكرة لم يكن بادئها سوى ليو تولستوي، يُنظر إلى هذا الأخير عمومًا على أنه كاتب أقل إثارة للاهتمام من دوستويفسكي، فهو واقعي عفا عليه الزّمن بشكل ميؤوس منه ولا مكان له في الحداثة، على عكس القلق الوجودي لدوستويفسكي، ومع ذلك، ربّما حان الوقت لإعادة تأهيل تولستوي، نظريته الفريدة عن الفن والإنسانية بشكل عام والتّي نجد فيها أصداء لمفهوم دوكينز عن\”الميمات\”، يقول دوكينز\”الإنسان هو إنسان لديه دماغ مصاب، ويستضيف الملايين من المتعايشين الثقافيين، و المحفزات الرّئيسية لهذه الأنظمة هي أنظمة التكافل المعروفة باللغات\”، أليس هذا المقطع من بنات أفكار تولستوي؟، الفئة الأساسية لأنثروبولوجيا تولستوي هي العدوى، الشخص البشري هو بيئة سلبية فارغة مصابة بعناصر ثقافية محمّلة بالتأثير، مثل العصيّات المعدية، تنتشر من فرد إلى آخر، ويذهب تولستوي إلى أقصى الحدود، فهو لا يعارض انتشار العدوى العاطفية باستقلالية روحية حقيقية، لا يقدّم رؤيّة بطولية لتعليم الذات ليكون موضوعًا أخلاقيًا ناضجًا و مستقلًا عن طريق التخلّص من العصيات المعدية، الصّراع الوحيد هو الصّراع بين العدوى الجيّدة والسيّئة، المسيحية نفسها عدوى، إذا – بالنسبة لتولستوي – عدوى جيّدة . ربّما يكون هذا هو الشّيء الأكثر إثارة للقلق الذي يمكن أن نتعلمه من الوباء الفيروسي المستمر، عندما تهاجمنا الطبيعة بالفيروسات، فإنّها نوعًا ما ترسل لنا رسالتنا الخاصة، الرّسالة هي، ما فعلته بي، أنا أفعله بك الآن .

بتاريخ : 16/03/2020.

***

نشرت رسالة الفيلسوف سلافوي جيجيك في جريدة(philosophy ) بتاريخ 16/03/2020 .

لوكا سلافوي جيجك ، مواليد 21 مارس 1949، فيلسوف وناقد ثقافي سلوفيني، قدّم مساهمات في النظرية السّياسية، و نظرية التحليل النفسي والسّينما النظرية، وهو أحد كبار الباحثين في معهد علم الاجتماع بجامعة ليوبليانا، وهو أستاذ في كلية الدّراسات العليا الأوروبية، ويوصف بأنّه\” أخطر فيلسوف سياسي في الغرب\”، و من أكثر فلاسفة عصرنا جدلا إلى جانب ميشيل اونفراي و جوردان بترسون و جورجيو اغامبين .

عمل أستاذًا زائرًا في جامعات عدّة، جامعة شيكاغو، كولومبيا، برينستون، نيويورك، مينيسوتا، كاليفورنيا، ميشيغان وغيرها من الجامعات، ويشغل حاليًا منصب المدير الدّولي لمعهد بيركبك للعلوم الإنسانية في كلية بيركبيك – جامعة لندن، كتب حول العديد من المواضيع كالرّأسمالية، الأيديولوجية، الأصولية، العنصرية، التسامح، التعددية الثقافية، حقوق الإنسان، البيئة ، العولمة، حرب العراق، الثورة، الطوباوية، الشمولية، ما بعد الحداثة، ثقافة البوب والأوبرا والسّينما، واللاهوت السّياسي، والدين، يتميّز بغزارة الكتابة والأفكار الصّدامية مع الفلسفة التقليدية، إذ طبع حتّى الآن أكثر من 70 كتابا، بالإضافة إلى كتاباته شبه الدّورية في صحف ومجلاّت متعدّدة كالغارديان ونيوستيتسمان ومجلة ذا بافلر .

نشر عام 1989 كتابه الأوّل بالإنجليزية(The Sublime Object of Ideology ) وحصل بعدها على اعتراف دولي باعتباره منظر اجتماعي، وعلى مدى 25 عاما كان سلافوي بسبب العزل الأكاديمي له قادرا على حضور المؤتمرات في جميع أنحاء العالم، يعتبر نفسه ملحدا ونشر مقالة في صحيفة نيويورك تايمز حيث يقول أنّ الإلحاد إرث عظيم لأوروبا، يجيد من اللغات السّلوفينية والصّربية والكرواتية والإنجليزية والفرنسية والألمانية ولديه أساسيات اللغة الإيطالية