محمّد خريّف*
إنّ الْمُرورَ من التّفكير النحويّ أو البلاغيّ في نِطَاقِ مَايُعْرف ب” فقه اللّغة” إلى التّفكير السيميائيّ في مَجالات مايُعرف ب” فلسفة العلامة” لا يُمكن له أنْ يُنْجَز أو يَكُونَ دون المُرور بمراحل التّفّكير المٌفارق الخاصّ بعلم اللّسان ومشتقاته، فمُبتكراته المُؤدّية إلى التحرّر من هيْمنة الجانب الأخلاقويّ على التفكير الموضوعيّ في مسألة “الكذب والسّرقة” باعتبارهما ظاهرتيْن إنسانيّتيْن وجوديّتين، قد لايُعرف لهما تاريخ محدّد أو جغرافيا محدّدة.وإن كانتا تُعدّان في فقه اللغة من عمل “الشيطان الرّجيم” ينهى عنهما الله ويحذّر الإنسان من مغبّة ارتكابهما.
هذا الاِعتقاد السّائد الجاري مجرى اليقين مُنذ الدّيانات القديمة ومنها الدّيانات الزرادشتيّة واليهوديّة فالمسيحيّة والإسلاميّة ،تطبّع به فقه اللّغة في جميع فروعه ومجالاته بطباع فُقهاء العقيدة فعُدّ كل من الكذب والسرقة أمرا منبوذا إلاّ بشروط وهما من الخطايا والكبائر يُعاقب الله مرتكبيهما يوم القيامة.هذا ولم تكن دراسات فقه اللغة في العربيّة نحوا وصرفا وبلاغة بمنأى عن التّأثر إلى حدّ كبير بعلوم فقه الحديث والسنة على أساس أنّ السّرقة والكذب يعدّان من العقبات التي تعوق الباحثين الساعين إلى إدراك سبيل الصدق و إعطاء لقيصر ما لقيصر ،فظلّ ديْدن فقه اللغة ومٌبتغاه هادفا إلى نيْل رِضاء الخالق والفوز بتقواه وكان من مظاهره إفناء العُمر في الحِجَاج على صِدق البيان وأمانة الرّسُل والأنبياء وحُجّتهم الدّامغة “النصّ الأعظم” بما تتطلبه دراسة اللغة من واجب خدمة الدّين والعقيدة في ظلّ الشّريعةبالنسبة للمُسلمين وما تقتضيه من دلائل الإعجاز، لذلك كادت الدّراسات اللّغويّة العربيّة أن تظل على ماهي عليه لولا تأثر تلك الدّراسات الخاصّة بعلم اللسان الحديث بوصفه علما مستحدثا يقطع قطعا أبستمولوجيا مع مباديء فقه اللغة على أساس أن اللغة اعتباطية لاتوقيفيّة حسب نظريّة سوسير التي قلبت المفاهيم التقليدية لفقه اللغة وعوّضتها بمفاهيم حديثة تجعل العلامة اللّسانية قابلة للدّراسة العِلميّة بمنأى عن التأثر بوجدان العقيدة الخاصّ بلسان دون آخر، ومن علم العلامة اللّسانية ينفتح المجال لدراسة العلامة في معناها الواسع ومنه علم السّيميائية المُنْبني على فكرة أنّ العلامة فارغة وليست أساسية لذلك تحوّلت مسألة الكذب والسّرقة من تُهمة فقهية منبوذة أخلاقيّا إلى فضيلة بحث موضوعه دراسة علاماتية علميّة جديرة باهتمامات النقد السّيميائي الحديث و المُعاصر ومن وجُوهه البارزة بارت وأيكووغيرهما، إذ لم يعد مبدأ الإسناد المُفيد في جملة النحو حسب التحليل الأرسطي أساسا للدراسات اللغوية لاسيّما مع تمرّد الايطالي فيكو على المنهج التحليلي. ولعلّ الاِطّلاع على تخريجات امبرتو اكو ودرّيدا وبارط وأرتووغيرهم من السيميائيين المتمرّدين المحدثين في دراسةالكذب والسّرقة يُغْري بطرق موضوع الكذب والسّرقة وتحسّس محاولات البحث فيهما حسب منطق مُفارق مختلف يجعل موضوع الكذب والسّرقة محلّ اهتمام الباحث السّيميائي خِلافا لما تعوّدنا عليه في المباحث التقليدية ونحن في الطّريق البطيء إلى ما نسعى إليه من اِجْتهاد فرديّ قد لايسلم من مغبّة مغامرة البحث في موضوع قد لا تكون نتائجة مضمونة التحديد و إن كان له من الذرائع ما يحفزنا على البحث في مسألة الكذب والسّرقة بحثا مُفَارِقا غير منسجم مع منطق ترذيل الكذب والسّرقة ذلك المنطق السائد السّاذج الفاعل الذي لايُبيح الدّراسة السّيميائيّة للكذب والسّرقة ولايسمح بها والحال أنّ الكذب والسّرقة مظهران سلوكيان من مظاهر الوُجود الإنسانيّ صارا بتوقيف الماهية التي حكم منظروهاعلى الدنيا بأنّها “دارباطل” كما حكموا على الآخرة بأنها ” دار حقّ” ،فكأن بذلك لمفهوم الحياة أن يظلّ مُقترنا بهذه العلامات الفارغة المشحونة بما لايملؤها، وهي علامات يصنعها الإنسان ذاته في محيطه الصانع بدوره وجوده فينسبها في غفلة عن وعيه السّيميائيّ إلى غيره الداخل في حكم قوى الغيب المجهول لمواجهة عجزه الوُجوديّ والأمر يتعلّق بعجز الباحث الفقيه في حدود إمكانياته العلاماتيّة التفليديّة المتاحة مُتعاضدة مع غيرها من العلامات الكاذبة لصناعة مفاهيم اِفتراضيّة أخلاقيّة اِجتماعيّة أو دينيّة لاهوتية تتّخذ في الغالب شكل يقين الآيات منزّلة بسلطان التسليم والقبول العقائديّ، ومن ذلك التذرّع بذرائع وجدانيّة مفهوميّة تظل مشاريع إيديولوجية مستقبلية وهميّة منها مايشرّع للحق أو لخلافة الحقّ في مُقابل رفض ما يُعرف وهما بواقع الباطل أو دار الباطل وما تقتضيه ألأصول الفقهيّة من توقيف ، هذا ومفهوم الباطل شأنه شأن مفهوم الحقّ ضروريّ لاستمرار الحياة عند البشر في علاقة بمحيطها سواء أكان حيوانا أوجمادا، والمفهوم متحوّل لأنه لايقينيّ وغير ثابت متى اقترن بمفهوم العلامة الفارغة وقد لا يملأها صانع الكلام ألا وهو الإنسان في محيطه الوُجوديّ إلا بمفهوم ثنائية الكذب والصدق ذلك المفهوم الذي به يشرّع لعلاقة اعتباطيّة بين الدّال والمدلول لولادة طبع جديد ألا وهو طبع الرّواية الكاذبة لا طبع الآيةّ “الصادقة المنزّلة”، وماطبْع الرّواية الكاذبة سوى طبع الحديث المُرجّم حديث سوء النيّة يناقض طبع الآية طبع حسن النية، والكذب كذبان كالسّرقة سرقتان: كذب منبوذ وكذب محمود، كذلك السّرقة سرقة محمودة وسرقة منبوذة ،وماهو منبوذ من السّرقة أو الكذب كل كذب أو سرقة نهت عنها أكاذيب كبرى مرتبطة بسرقات علاماتيّة كبرى وردت أخبارها في دواوين الأشعار والكتب السماوية وأحاديث السير والأمثال والنوادر والمقامات والقصص والرّوايات ،ومن الأكاذيب والسرقات العلاماتيّة الكبرى و ما صيغ منها من مختارات في كتب ومعجزات اتخذت شكل البدع والأساطير ومنها أساطير اللاهوت والميتافيزيقيا الالاهية-
ولنا في أخبار السّرقة والكذب ما يشبه في تاريخيّته وجغرافيّته أخبار الكذب والسرقة في توظيفها من أجل التأديب للاِعتبار والاِتعاظ أملا في تنشئة الأحداث على طباع الصدق في القول وإعطاء لقيصر ما لقيصر.
لكن مَ السّرقة ؟ ومَ الكذب؟ومَ الثنائيّة ؟ ومَ الخبرفي علاقة بالرّواية والحديث؟ وهل من علاقة بين صياغة الخبر وعلاماته المتلونة بتلوّنات تدابير المُخبروخدعه لتقديم الكذب في قالب حقيقة أو التشريع لسرقة تصير حقا مشاعا لمرتكبها ؟
الأسئلة حول السّرقة والكذب طرحها بهذه الكيفيّة السّيميائيّة نادرعند العرب أوهو يظل مأمولا من خلال مشروع البحث في المدوّنة العلاماتيّة العربيّة الإسلاميّة في خلافة الحقّ ورأسها “القرءان” نص ذائقة “الأوحد الأحد” رغم أن سؤال الكذب باعتباره سؤالا سيميائيّا لم يكن بمنعدم في اِمْبراطورية الباطل وأيقوناتها أدبيّة عديدة مختلفة مُفارِقة باختلاف أنماط الرّواية التي يكون محرّكها الأساسي الكذب والسرقة بهما تنمو الأجنّة السّيميائية متحوّلة متمرّدة على أشكالها فلا هي مستقرّة في هيأة و لاهي ثابتة في حال من الأحوال اللّغويّة.ولعل أمر تحوّلات الخبر في الرّواية الغربيّة من سرفنتس إلى ايكو ماسخا ممسوخا كاذبا واهما سارقا مسروقا يشرّع للقول: “إنّ مسار الرّواية في مفهومها الاصطلاحي مسار صراع دؤوب لاينتهي هو مسار الجري وراء إعلاء راية الكذب لا الصدق كما تتوهّم رواية خلافة الحق، رواية صدق النيّة الحسنة لا رواية كذبة النيّة السيّئة التي هي جذوة كل عمل فنّيّ” وهل الفنّ كذب وسرقة أو لا يكون” وكذلك الأدب ومنه الرّواية في مفهومها الفني خطاب العصر الحديث غير المحدّد.لكن قبل التحوّل إلى مقاربة الكذب والسّرقة باعتبارهما ظاهرة علاماتيّة مُفرغة من تراكُمات الشحن التأويليّ الذي ثقلت موازينه بالتحديد العقائديّ المكرّس لسلطة الأخلاق التي تنظر إلى السّرقة والكذبة نظرة إدانة، باعتبارهما خطيئة شيطانيّة منبوذة بتدبيرربانيّ الاهيّ تمويهيّ ، و إذ السّرقة والكذب خطيئتان منبوذتان منذ الديانات القديمة ولا سيّما الزرادشتية وان لم يكن للكذب والسرقة شرعيّة اِحتفاء بهما كبير في المدوّنة العلاماتيّة العربيّة القديمة في الشعر الجاهلي( باستثناء شعر الصّعلكة) وهما منبوذان في سجع الكهان وفي الكتب السّماوية وغيرها : كالتوراة والإنجيل والقرءان عملا بتعاليم الديانة الزرادشتيةوتوصيات والفلسفات القديمة كالأفلاطونية وغيرها؟
*ناقد من تونس





